هل تصبح تركيا مركزاً للطاقة في أوروبا؟

آراء وأفكار 2022/05/23 10:34:14 م

هل تصبح تركيا مركزاً للطاقة في أوروبا؟

 أندريه إساييف

ترجمة: عادل حبه

إن الهستيريا المعادية لروسيا التي اجتاحت العديد من البلدان، والتي تجسدت إلى حد كبير في عقوبات الطاقة، تهدد في نهاية المطاف بحرمان الاتحاد الأوروبي من 25 % من النفط المستورد، و 40-45 % من الغاز وما يقرب من نصف الفحم. حتى وقت قريب، كانت عمليات التسليم من روسيا تشكل مثل هذا الحجم من تصدير الطاقة.

شجع هذا الوضع القيادة التركية، التي طالما أعلنت هدف تحويل البلاد إلى مركز للطاقة في أوروبا. منذ وقت ليس ببعيد، وعد الرئيس رجب طيب أردوغان بجعل تركيا:”قوة لوجستية عظمى في الفضاء الجغرافي من لندن إلى بكين، ومن سيبيريا إلى جنوب إفريقيا».
في بداية عام 2018، انخرطت تركيا بجدية في “معركة الغاز” في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث أبرمت مذكرة بشأن ترسيم حدود المناطق البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية. ووفقًا لهذه الوثيقة، أعلنت أنقرة وطرابلس ولايتها القضائية على جزء كبير من البحر الأبيض المتوسط، بعد أن دخلت في صراع مع المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة واليونان وقبرص وإسرائيل. ثم وعدت تركيا بعد ذلك بالدفاع عن مصالحها الاقتصادية “بكل الوسائل” ولجأت بالفعل أكثر من مرة إلى استعراض القوة في المياه الساحلية القبرصية.
أدت مثل هذه الإجراءات إلى زيادة التوترات مع الحلفاء الغربيين، ولكن في كانون الثاني من هذا العام، سحبت واشنطن دعمها لمشروع خط الأنابيب البحري الدولي EastMed، مما زاد من أهمية طريق إمداد الطاقة التركي إلى أوروبا.
إن المصدرين التقليديين للهيدروكربونات إلى السوق الأوروبية هم الدول العربية، لكنهم يرفضون زيادة حجم الإمدادات. ورفضت دول الخليج العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية، مراراً وتكراراً طلبات من العملاء الأمريكيين والأوروبيين لزيادة الإنتاج بما يتجاوز حصة أوبك +....: قد يعرض هذا للخطر الشراكة الاستراتيجية للموردين العرب مع نظيرهم الرئيسي الصين. أما بالنسبة لليبيا، فإن آبار النفط ومصافي النفط تعمل بشكل متقطع على الإطلاق، لا يوجد تبادل إطلاق النار تقريباً في البلاد، لكن التوترات السياسية لا تهدأ.
وتلوح تركيا بإغلاق بوقف الهيدروكربونات من أذربيجان والعراق (بما في ذلك كردستان العراق) وإيران وتركمانستان وإسرائيل.
تسير العلاقات بين أنقرة والقدس بحذر على طريق التطبيع، والحافز الرئيسي لهذه العملية هو المصالح المشتركة في قطاع الطاقة. وتزعم مصادر إعلامية تركية وإسرائيلية أن الطرفين يتفاوضان بشأن إنشاء خط أنابيب من حقول الغاز على الجرف البحري الإسرائيلي إلى المحطات التركية لنقل مزيد من الغاز إلى أوروبا.
لكن كل شيء لا يجري بتلك البساطة هنا. إن تنفيذ مثل هذا المشروع سيعقد بلا شك علاقات الدولة اليهودية مع اليونان وقبرص، وربما مع المملكة العربية السعودية، الزعيم غير الرسمي للعالم العربي، الذي تحاول إسرائيل جاهدة تحقيق السلام معه. ولا تزال العلاقات التركية الإسرائيلية نفسها هشة للغاية، بسبب المشكلة الفلسطينية. في الحقيقة أن أساس المواجهة طويلة الأمد بين إسرائيل وتركيا ليس صراع مصالح يمكن تسويته من خلال المفاوضات، ولكن من الصعب للغاية حل صراع الهويات. في نموذج السياسة الخارجية التركي متعدد الأصوات، وإن كان “معتدلًا”، لكن الإسلاموية، تتجاوز اليوم على النزعة الأطلسية، وعلى الميول “التركية عبر الحدود”، وحتى على “العثمانية الجديدة».
أخيراً، وفقًا لحديث كربوز، مدير المحروقات في اتحاد شركات الطاقة في دول البحر الأبيض المتوسط: “حتى لو تم تنفيذ مشروع خط أنابيب الغاز بين تركيا وإسرائيل، فإن حجم استبدال الغاز الذي يستورده الاتحاد الأوروبي من روسيا لا يتجاوز شرق البحر الأبيض المتوسط 20 في المائة... باختصار، الحديث لا يدور عن أن الغاز القادم من شرق البحر الأبيض المتوسط يصبح بديلاً للغاز الروسي. وإضافة إلى ذلك، ستكون عمليات التسليم من أذربيجان قادرة على استبدال النفط الروسي في السوق الأوروبية بدرجة أقل».
وإضافة إلى ذلك، فالعراق الغارق في خلافات طائفية وعرقية، لا يمكن اعتباره اليوم مورداً موثوقاً. إضافة إلى ذلك، فإن الحرب “الباردة” الأمريكية الإيرانية الجارية حتى الآن في هذا البلد لم تنته بعد.
إن العملية العسكرية التركية الحالية في كردستان العراق لا تهدف فقط إلى قتال وحدات حزب العمال الكردستاني. يقول الخبراء بشكل متزايد أنه بعد انتهاء الحرب، ستبدأ الشركات التركية في بناء خطوط أنابيب الغاز والنفط لضخ موارد الطاقة في تركيا. وسيقلل هذا بشكل كبير من عائدات الخزينة الفيدرالية العراقية، مما يؤدي إلى تصاعد جديد للتوتر بين بغداد والحكم الذاتي الكردي. وهذا ما يوده رجال الأعمال.
ومن غير المرجح في حالة الرفع الافتراضي للعقوبات الدولية ضد إيران في المستقبل المنظور أن يسمح لها بزيادة الإمدادات إلى أوروبا، فهذا سيتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وسنوات من العمل لزيادة إنتاج الهيدروكربونات.
أما غاز تركمانستان فهو “مرتبط” بقوة بالصين. وسيكون من الصعب للغاية على تركمانستان إعادة توجيه تدفقات صادراتها من الغاز، مع الأخذ في الاعتبار حجم وطبيعة العلاقات الاقتصادية بين عشق آباد وبكين.
في الوقت نفسه، لم تعد طموحات تركيا اليوم تقتصر على أن تلعب دور بلد العبور. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت السلطات عن اكتشاف “احتياطيات ضخمة” من الغاز الطبيعي في البحر الأسود، والتي ستكون، كما أفاد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم كافية لتلبية الطلب العالمي للغاز لمدة 45 عاما. ومع ذلك، ويرى الخبراء أن تصريح أقرب مقربين للرئيس التركي مفرط في التفاؤل. لكن الوضع يقتضي الداخلي في تركيا يرتبط بإجراء انتخابات برلمانية في البلاد العام المقبل، ويجب دعم الالوضع المتدهور للحزب الحاكم بطرق مختلفة، بما في ذلك امبالغات الكلامية.
بشكل عام، لا يمكن أن تتحقق أحلام جزء من المؤسسة التركية “ليحل محل روسيا” كمورد رئيسي لموارد الطاقة إلى السوق الأوروبية. علاوة على ذلك، وفقًا للخبراء الأتراك الجادين، لن تتمكن تركيا نفسها من إدارتها بدون الهيدروكربونات الروسية على المدى القصير والمتوسط. هذا الرأي يشاركه في الواقع الرئيس أردوغان نفسه، مجادلاً برفضه الانضمام إلى العقوبات المناهضة لروسيا منطلقاً من حقيقة أنه لا يستطيع السماح لمواطنيه بـ “التجميد بدون الغاز الروسي”. وهو أمر مفهوم: “لأن مستوى التفاعل والتعاون الاقتصادي بين روسيا وتركيا هو تأمين جيد للغاية ضد الاضطرابات السياسية”، كما صرح بذلك ديمتري بيسكوف في نهاية العام الماضي.
بالمناسبة، من الممكن أن تتمكن أنقرة من زيادة الإمدادات إلى أوروبا بمساعدة موسكو. تعمل بالفعل “الواردات الموازية” للسلع الخاضعة للعقوبات إلى روسيا من خلال قنوات مختلفة، والآن في كل الحالات من الواجب تنظيم “الصادرات الموازية”، بما في ذلك منتجات الطاقة. علاوة على ذلك، فإن تنويع إمدادات الهيدروكربون عبر الطريق التركي سيجعل المهمة أسهل فقط.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top