موسيقى الاحد: ذكريا ت الإسماعيلية

موسيقى الاحد: ذكريا ت الإسماعيلية

ثائر صالح

أعجب المؤلف الموسيقي الفرنسي المرموق كامي سينسانس (1835 - 1921) بمصر وأحبها، وتأثر بموسيقاها وكتب لها عدداً من الأعمال، أشهرها كونشرتو البيانو “المصرية” رقم 5 (1896) التي تحدثت عنها في المدى عدد 27 آب 2016.

قلت أنه ألفها أثناء وبعد زيارته الأقصر شتاء 1895 / 1896 وتضمنها ألحان نوبية سمعها في زيارته، وقدم العمل للمرة الأولى في باريس بمناسبة الذكرى الخمسين لأول نشاط موسيقي له، الحفل الذي قدمه في قاعة بلييل الشهيرة سنة 1846، وكان وقتها في الحادية عشرة من العمر. زار الجزائر عدة مرات وأقام فيها بين 1888-1889 من أجل العلاج بعد إصابته بالكآبة والأرق بعد وفاة والدته. ألف عملين يرتبطان بها هما متتابعة الجزائر (1880) وأفريقيا (1891). ومنذ ذلك الحين أكثر من زيارة الجزائر والمغرب ليقضي الشتاء هناك هرباً من برد باريس. وكانت الجزائر والمغرب وتونس تحت الاحتلال الفرنسي وقتها.

ويأتي عمله القصير المعنون ذكريات الإسماعيلية في ذات السياق، ألفه سنة 1895 كذكرى لزيارته مدينة الإسماعيلية على قناة السويس، وهو عمل قصير للبيانو يستغرق حوالي 6 دقائق، تضمنه لحن موشح شهير هو “يا عذولي لا تلمني فالهوى قتال”، من تأليف الملا عثمان الموصلي (من المعروف أنه عاش بين 1854 - 1923 ويقول أحد الباحثين أنه ولد في 1844 لأنه من غير المعقول أن يستقبل ادباء بغداد سنة 1865 صبيا في الحادية عشرة بما ذكر من حفاوة). هذا الموشح هو أحد الجواهر في الموسيقى العربية مثل باقي أعمال الموصلي، فلا عجب أن سحر المؤلف الفرنسي الكبير ليستعمله في عمله هذا (عمل رقم 100 بحسب تصنيف أعمال سينسانس)، وحتى يمكن القول إن الموشح هو جوهر العمل كله. ويبدو من ذلك شعبية الموشح وانتشاره في العراق وبلاد الشام ومصر خلال فترة قصيرة، إذ لم يمر على تأليفه من قبل الملا عثمان سوى عقد أو عقدين من السنين بحسب تقديري. في نفس الوقت، لا أستبعد لقاء الرجلين في مصر فقد تزامنت زيارة الملا عثمان الموصلي وزيارة سينسانس في 1895 وربما سمع الموشح منه شخصيا. وقد اقتبست الشعوب الأخرى أعمال الملا عثمان، فعلاوة على الأتراك واليونانيين وصلت بعض ألحانه الهند إلى جانب فرنسا والعالم كله على يد سينسانس كما هو الحال في ذكريات الإسماعيلية.

كان عقد التسعينات فترة خصبة في حياة سيسانس تميزت بكثرة سفراته سواء بغرض السياحة أو لتقديم أعماله، كما كان عازف بيانو ماهراً في نفس الوقت (بريطانيا الولايات المتحدة وغيرها). لكن مهارته في العزف على البيانو لم تنعكس في أعماله، إذ لا نجد بين أعماله للبيانو الكثير مما يعزف اليوم، وأكثر أعماله للبيانو قطع قصيرة مثل ذكرياته من الإسماعيلية أو ذكرياته الإيطالية وبعض المازوركات والأغاني بدون كلمات، وهو شكل موسيقي أبدع فيه مندلسون وتلقفه منه الآخرون.

تعليقات الزوار

  • Fatin

    كأنني أبحر عبر التاريخ على أنغام الموسيقى!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top