مفهوم الوطن والوطنية.. بين المنظور القيمي ومواقف احزاب السلطة!.

آراء وأفكار 2022/06/07 11:33:31 م

مفهوم الوطن والوطنية.. بين المنظور القيمي ومواقف احزاب السلطة!.

 عصام الياسري

مقدمة

في أواسط القرن الماضي نشأت في منطقة الخليج دويلات صغيرة بالكاد ترى على الخريطة الجغرافية للعالم. تفتقر للكثير مما يؤهلها لأن تكون حاضرة بين الأسماء الكبيرة للدول. فلا المال والعمران، ولا التعليم والكِتاب والمعاهد وعلم التكنولوجيا والمعلومة متوفر.

كما وتفتقر للطاقة والبنى التحتية والتنمية البشرية وقوى ووسائل الإنتاج. فيما قطاعات الزراعة والصناعة والثقافة والفنون شبه معدومة... اليوم أصبحت من الدول المؤثرة في السياسة والاقتصاد العالمي، فقط لأن القائمين على إدارة أنظمة الحكم فيها، يمتلكون عنصر الإخلاص والشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية والمجتمعية والرغبة الصادقة لبناء الدولة المدنية باتجاه اللحاق بالحضارة العالمية المعاصرة. الأهم، الإطار الوطني العام، الذي يجتمعون عليه أبناؤها للنهوض بالمجتمع والدولة نحو الإعمار وبناء المستقبل: حب الوطن والشعور بالانتماء إلى ترابه المقدس بأي ثمن

تم توثيق الكلمة الألمانية vaterlant (homeland E.) وتعني “الوطن الأم”، لأول مرة في نهاية القرن الحادي عشر، وهي نسخة مختصرة من أصل الترجمة للكلمة اللاتينية patria المعنى الأساسي لــ “الملكية الأبوية”. اكتسبت في البداية ليس فقط معنى جغرافيا، بل أيضا معنى سياسيا بارزا مع “ظهور الأمة” في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث أخذت الكلمة معناها الحالي “الوطن”، البلد الذي ينتمي إليه الإنسان.

فما هو مفهوم “الوطن؟”. وماذا تعني “هوية الانتماء” مجتمعيا؟.

بالنسبة للعديد يرتبط كل شخص منذ ولادته في بيئة مكانية ما. على سبيل المثال بمعنى مجازي، “المنزل”، الذي يعني “الوطن الروحي”، لعلاقته بمكان معين، وله دور في تكوين الهوية الخاصة. فالمنزل، مرتبط بمكان، بالناس أو العائلة أو الأصدقاء أو الأعياد والعادات أو الدين، اللهجة المألوفة أو الذوق أو الرائحة أو اللحن، مثلا، “قيّم مرتبطة ببيئة بلدنا”، يمكن أن تثير فينا مشاعر الوطن. والوطن هو الشعور بالأمن والأمان والانتماء والتوجه. لكن هذا الشعور لا يرتبط بالضرورة بمكان واحد أو فئة رعوية (عرقية) محددة، بل يمكن أن ينشأ في مجموعة متنوعة من الأماكن في مساحة جغرافية معينة.

تشير المناقشات الأكاديمية إلى أن مفهوم أو مصطلح الوطن، يجمع العوامل (الجغرافية، السوسيولوجية والفلسفية والدينية والأنثروبولوجية والنفسية والقانونية). في الاستخدام العام، ينطبق على المكان الذي يولد فيه الشخص والذي تحدث فيه التجارب المبكرة للتنشئة الاجتماعية، والتي تشكل البداية للهوية والشخصية ونمو العقلانية والمواقف ووجهات النظر. ولا يمكن استخدام مصطلح “الوطن” كمصطلح (ثابت)، بل مفهوم ديناميكي ومصمم بشكل فردي وذو تجربة وخبرة فردية. ينتج عن هذا مطلب “أن يكونوا أفراد” المجتمع “على دراية ببنائهم الاجتماعي والثقافي. وعادة يشير هذا أيضا إلى شكل من أشكال الحياة المستقرة من أجل تسوية دائمة الأجل والعيش في مكان ما. هذا لا يعني فقط المدينة الواحدة أو القرية التي ولدنا فيها، قد يكون المكان الذي نشأنا فيه، أو البيئة الجمعية التي شكلت شخصيتنا وقيمنا ورؤيتنا للعالم- والتي تجمعنا ببعضنا.

في مرحلة ما يضطر البعض لمغادرة وطنهم طواعية ليعيشوا في مكان آخر، ويشعر الأشخاص الذين فروا من بلدانهم بأن موطنهم في مكانين، ثم يتحدث المرء عن هوية مختلطة. وقد يضطر الإنسان في ظل ظروف سياسية واقتصادية ومجتمعية معقدة وقاسية، إلى مغادرة وطنه تحت الإكراه، عندئذ يكون من الصعب تطوير إحساس جديد بوطن هو غير الذي نشأ فيه، لكن من الممكن أن يشعر بأنه في وطنه، المهم هنا هو الشعور بالانتماء إلى المجتمع. من ناحية أخرى يتعرض المزيد من الناس، عندما يكون الفقدان المفاجئ للوطن من خلال الهروب تحت الإكراه، لتجربة مؤلمة، على الرغم من وجودهم في مكان آمن، حيثما يبدأ في وقت لاحق الحنين والاشتياق للوطن تحت ضغط الشعور أحيانا بالوحدة والتشرد.

الوطن إذن، هو الجواب على السؤال: إلى أين أنتمي؟. وفقا لهذا، فإن الدولة والأمة والشعب، في أي بلد، تتكون من عضوية جميع السكان والأشخاص الذين يعيشون ويتحملون بناءً على النظرة العامة للظروف الفعلية المسؤولية المتبادلة هؤلاء يسمون مواطنين، تجمعهم الخصائص الموضوعية لفهم وفحص مستهدف للوطن مثل: النسب للبلد والأرض والحكم والتعبير السياسي في الحقوق المدنية مع الإحساس الذاتي بالمجتمع بطريقة نموذجية. بناءً على ذلك، يعد ترسيم السكان الأصليين أحد مصادر “الهوية الوطنية” مثلما تؤكد المواطنة على الأصل. وهكذا يُنظر إلى الأمة، أي أمة، على أنها مجتمع سياسي على أساس الدستور (الوطنية الدستورية). فيما تُفهم من ناحية أخرى، على أنها مجتمع أخلاقي وثقافي. ينعكس في: واجبات وحقوق والتزامات الأفراد والمنظمات المدنية ومنها الأحزاب؟... في البلدان التي خاضت تجربة معاصرة في هذه المناحي، وتوصلت إلى تأسيس دستور يحدد المسؤوليات والواجبات والحقوق وأركان الدولة وشكل وطبيعة الحكم، للأحزاب، مهمة تمثيل المصالح السياسية العامة للشعب. ولكي يتمكنوا من القيام بهذه المهمة، فإنهم يتمتعون بحقوق والتزامات خاصة. ووفقا لقانون الأحزاب السياسية، فإن الأحزاب السياسية هي جمعيات للمواطنين الذين لديهم تأثير دائم أو طويل المدى على تكوين الإرادة السياسية للمشاركة في تمثيل الشعب في البرلمان “مجلس النواب” أو مجالس “المحافظات”، أساس ذلك صيانة مصالح الأمة (أرضا وشعبا) أولا وقبل كل شيء.

فكيف يفهم الساسة العراقيون المسؤولية الوطنية؟.

الحال السياسي الذي يمر به العراق منذ ستة عقود عجاف، كان ولا زال جحيما بكل المقاييس العلمية والبحثية والتاريخية، أسوأها ما نتج إثر تأسيس الإدارة الأمريكية بعد احتلالها للعراق عام 2003 نظام حكم طائفي توافقي. حظي مَن يسمون أنفسهم آنذاك ب “المعارضة السياسية في الخارج”، الذين عقدوا العزم للتعاون مع الأجنبي لغزو العراق، بفرصة كانوا يحلمون بها “الإمساك بالسلطة” دون أن تكون لديهم الخبرة والمعرفة والمؤهلات لإدارة شؤون الدولة ومؤسساتها. أغلبهم غير معروف وليس لديه تاريخ سياسي ومجتمعي يذكر. بيد أن الوقائع والأحداث تؤكد، بأن هذه الطبقة التي تصدرت الحكم وشاركت بتولي المناصب والمسؤوليات في مؤسسات الدولة في جميع الحكومات المتعاقبة على مدى عقدين من الزمن، ليس لديها مشروع إصلاحي ولا تمتلك أي مشروع وطني أو عقيدة وطنية لصيانة الوطن وحفظ أمنه الجيوديموغرافي، بقدر ما يهمها مصالحها الحزبية “الشعبوية”، الشخصية والفئوية والطائفية التي آلت إلى انهيار البلد على كافة الصعد. وهذه الطبقة “السياسية؟” مع تباين انتماءاتها “العقائدية والطائفية”، داخل السلطة وخارجها، لا تمتلك قدرا وافرا للتعبير عن أي درجة من الفهم حيال “المصالح العليا للوطن”، في وقت بلغت موجة الاحتقان السياسي والمجتمعي ذروتها ((التجاوز على الدستور والقانون، الفساد الإداري والمالي، نهب ممتلكات الدول وثرواتها، تقديم الهبات لدول الجوار، الاعتداء على الحريات العامة وممارسة العنف والخطف السياسي ومواجهة المتظاهرين بقوة السلاح))، منتهكة بذلك كل الاعتبارات اَلْقِيَمِيَّة.

إذن في العراق لا يسود مفهوم الدولة الوطنية، والمشروع الوطني غائب. ذلك يعني بالضرورة، أن مفهوم “الهوية” والشعور بالانتماء للوطن والارتقاء بمستوى المسؤولية لبناء دولة المواطنة عند أحزاب السلطة لا معنى له. إذ إن العراق، تحكمه، شركات مافيوية أشبه بإقطاعيات تسيطر عليها أحزابا لا تؤمن بجغرافية الدولة في بعدها الوطني. وهذه الأحزاب جميعها، داخل السلطة أو خارجها، لم تال جهدا لتنشئة أجيال تعي مفهوم هوية الدولة الوطنية، الشاخص بإرثها الثقافي، إنما ثقافة تغليب مصالح الحزب الفئوية على مصالح الشعب والولاء للوطن.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top