حق التقاضي بشأن الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية

آراء وأفكار 2022/06/14 11:58:34 م

حق التقاضي بشأن الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية

 د. اسامة شهاب حمد الجعفري

اذا كانت الثورة الفرنسية عام 1789 ناضلت ضد الاستبداد و حققت انتصاراً للديمقراطية السياسية و اوجدت الحقوق المدنية والسياسية كحق التصويت و حرية الرأي و حق التعبير و التنظيم و الحق في محاكمة عادلة , فإن الثورة الفرنسية عام 1848 احدثت بُعداً جديداً للديمقراطية و طرحت فكرة الديمقراطية الاجتماعية للنضال ضد الفقر ,

و اوجدت جيلاً ثانياً من حقوق الانسان هي « الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية « او «حقوق الفقراء» كحق العمل و حق الصحة و حق حماية الاسرة و حق السكن و حق التعليم. ثم اصبحت حقيقة دستورية عالمية تلتزم الدول بالنص عليها في دساتيرها. و من هذه الدساتير دستور العراقي لعام 2005 الذي نص صراحة عليها في الفرع الثاني من الباب الثاني تحت بند الحقوق و الحريات المواد (22-36).

على الرغم من ان الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية مدعمة بنصوص دستورية صريحة, غير انها تعاني من تهميشها مقارنة بالحقوق المدنية و السياسية التي تعرف تطوراً كبيراً , بسبب التشكيك بان تكون هذه الحقوق محل نظر امام القضاء , لذا فهي تواجه تحدياً قانونياً قوامه: مدى امكانية التقاضي بشأن الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية لمطالبة الدولة بها امام المحاكم؟ و لغرض حل هذه الاشكالية وفق القانون العراقي يتعين بيان الطبيعة القانونية لهذه الحقوق وهل هي حقوق بالمعنى القانوني لتكون محلاً للدعوى امام القضاء؟ و ما هو الاساس القانوني للتقاضي بشأنها؟ و ما مدى دور موارد الدولة المالية في تقييد حق التقاضي بشأن هذه الحقوق؟

اولاً: الطبيعة القانونية للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية:

بمعنى اخر هل الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية تعد حقوقاً بالمعنى القانوني لتكون محلاً للدعوى امام القضاء؟ النظرة التقليدية لا ترى في الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية المنصوص عليها في الدستور حقوقاً بالمعنى القانوني لسببين: اولهما: الصياغة الغامضة التي وردت عليها هذه الحقوق فهي عامة و غير محددة. وثانيهما: انها لا تعدو ان تكون مجرد مبادئ توجيهية و طموحات.

لا يمكن التسليم بهذا الرأي لان النص المعيب بالغموض او التناقض يبقى نصاً قانونياً واجب التطبيق و ازالة عيوبه من مهام القاضي, و بالتفسير يقوم القاضي بتحديد ماهية الحق و حدوده, و القاضي لا يملك الامتناع عن تطبيق القانون بحجة غموضه او فقدانه او نقصانه بموجب المادة (30) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 العراقي. كما لا يمكن وصف الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية انها مجرد برامج توجيهية و تطلعات سياسية , لان “الدستور لا يدعو بالنصوص التي يتضمنها لأمر يكون مندوباً بل يقرر بما يكون لازماً” كما قررته المحكمة الدستورية المصرية و المادة (13) من الدستور العراقي.

لكن يبقى السؤال: هل تعتبر هذه الحقوق حقاً بالمعنى القانوني؟ عرف الفقيه البلجيكي (دابان Daban) الحق بانه: (قيمة يستأثر بها شخص و يحميها القانون عن طريق التسلط و الاقتضاء بغية تحقيق مصلحة لذلك الشخص يراها المجتمع جديرة بالرعاية) و القيمة هذه قد تكون ذا طابع اقتصادي او ادبي (مالي او معنوي) بهدف الانتفاع بها من خلال تسلطه على القيمة بشكل مباشر او من خلال تنفيذ الغير لالتزامه لتمكينه من التسلط على هذه القيمة و الا تدخل القانون بالإلزام. و الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية هي قيم ذات طابع اقتصادي (حق الملكية-حق العمل) و ذات طابع معنوي (حق حماية الاسرة – حق الصحة – حق التعليم) لا يستطيع الفرد الوصول اليها و التسلط عليها الا من خلال قيام الدولة القيام بالاداءات التي تمكن الفرد منها , و الا اجبارها القضاء على احترام هذا الحق. و بما ان “الدعوى”: هي طلب شخص حقه من آخر امام القضاء بموجب المادة (2) من قانون المرافعات المدنية العراقي , فان الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية تصلح ان تكون محلاً للدعاوى امام القضاء كونها حقاً بالمعنى القانوني و حمايته واجب القضاء.

ثانياً: الاساس القانوني لحق التقاضي بشأن للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية:

ما عساه ان يكون معنى الدولة؟ الدولة ليست شيئاً غير ما تقوم به , و ليست غير الوظائف التي تنهض بها , الدولة ليست شيئاً غير ما هي عليه من نظام عملٍ و نظام اشتغالٍ, و اداء واجبات. و القانون عندما يفرض الواجبات على شخص فإنه يقيم علاقة قانونية تقضي بملازمة الواجب مع الحق , فلا فرض للواجب على اشخاص الا لإحقاق الحقوق و تنظيمها و حمايتها, و ان فلسفة فرض الواجبات جاء لغرض تأسيس فكرة حماية الحقوق. و بغير واجبات لا يتصور احد قيام حقوق للبعض الاخر , فحق الملكية يفرض على الكافة واجب احترام هذه الملكية , و يفرض على المالك في الوقت ذاته واجبات احترام حق الجوار بعدم استغلال ملكه للدعارة و القمار. و ما دام الدستور يفرض على الدولة واجب كفالة حقوق المواطن العراقي الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية فأنه يقصد تأسيس حماية هذه الحقوق بقوة القانون , من خلال الادوات القانونية المعتادة , و من بين هذه الادوات و اهمها الدعوى القضائية لأنها المكنة القانونية التي من خلالها يقوم القانون بحمايته للحق. و يظهر تلازم الحق و الواجب بصورة جلية عندما يتخذ الواجب شكل «لالتزام» عندما يقع الاخلال بالواجب العام , فيتحول الواجب القانوني العام الى التزام و تنهض رابطة قانونية اكثر متانة بين الطرفين تصلح لان تكون محلاً للتقاضي امام المحاكم للفصل فيها و احقاق الحق , توصف هذه العلاقة بانها علاقة مديونية مباشرة بين طرفين محددين, علاقة بين الحق الشخصي (الدائن) و الالتزام (المدين). و اساس هذه التحول القانوني للعلاقة هو ارتكاب المكلف بالواجب العام «خطأ» الذي يعني الاخلال بالواجب العام المكلف به دستورياً و قانونياً. و يكون «الخطأ» الاساس القانوني للمسؤولية القانونية لكل من امتناع عن اداء واجباته الدستورية و القانونية و يحق للمتضرر اللجوء للسلطة القضائية للمطالبة بالتعويض سواء كان تعويض عيني بإزالة الضرر فعلياً من خلال الزامه بأداء واجباته الدستورية و القانونية مع التعويض. فالدولة مكلفة بواجب كفالة حق المواطن بالرعاية الصحية المتطورة و الكاملة و هو احد الحقوق الاجتماعية (م31) من الدستور, و هذا الحق لا يقتصر على انشاء مراكز للعلاج (مستشفيات المتطورة) و انما يتعدى الى اعمال الوقاية من خلال ضمان الغذاء الصحي و المياه الصحية. و حق العمل من الحقوق الاقتصادية (م22) من الدستور , لا يقتصر هذا الحق على تنظيم العلاقة بين العامل و رب العمل و حرية اختياره, و انما يتعدى الى توفيره و جعله متاحاً للباحثين من خلال القيام بمسح سوق العمل بشكل دقيق و فتح قنوات اتصال بينها و بين اصحاب العمل في القطاع العام و القطاع الخاص لإتاحة فرص العمل للباحثين. و ان عدم قيام الدولة بهذه الواجبات يعد» اخلالاً بالواجب العام» و يكون هذا الاخلال سبباً لاقامة دعاوى قضائية للمطالبة بالزام الدولة ببذل الجهود المعقولة و اجبارها على العمل على تطوير هذه الحقوق.

ثالثاً: مدى ارتباط الحقوق الاجتماعية بالموارد المالية للدولة:

مما لاشك فيه ان انفاذ الحقوق الاجتماعية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموارد الدولة المالية و قدرتها الاقتصادية , لذلك فان هذه الحقوق تصطدم بأوضاع الدولة الاقتصادية , كما ان مسألة إنفاذها لا يكون دفعة واحدة و فورياً , و انما تحتاج الدولة الى زمنٍ تنمو فيه هذه الحقوق و تتصاعد في الازدهار , فمحل التزام الدولة بإنفاذ الحقوق الاجتماعية يجب ان يكون ممكناً بحدود مواردها المالية. لذا حاول البعض ابعاد هذه الحقوق عن الحماية القضائية بسبب هذه الحجة.الا ان ذلك اصبح مبرراً لتقاعس الدولة و تهربها من التزاماتها الدستورية و القانونية , فكانت فكرة «الموارد المتاحة» و فكرة «التطبيق التدريجي» للحقوق الاجتماعية رغم وجاهتها الى انها تحتاج الى تحديد اكثر لاجل محاربة الذرائع للتحلل من التزام الدولة بواجب كفالة هذه الحقوق , و تصدت المحاكم في جنوب أفريقيا لعمومية هاتين الفكرتين بقرارها رقم (6 fev. 2003. no 10968-2001,S112) الذي بين ان القضاء هو المختص بتقييم ما إذا كانت الدولة تفي بالتزاماتها إزاء مسألة الإعمال التدريجي للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية عن طريق النظر فيما إذا كانت الخطوات التي اتخذتها الحكومة خطوات معقولة و انها بدأت فعلاً بإعمال هذه الحقوق تدريجياً و ضمن اجل معقول يضمن سريان هذه الحقوق و على سبيل الاولوية من اجل الوفاء بها للمواطن , و يجب ان تضمن الدولة “الحد الادنى” لكل حق و حتى تتخلص الدولة من المسؤولية عليها ان تثبت انها لم تتدخر اي جهد في استعمال “ “اقصى” ما تسمح به الموارد المتاحة و على سبيل “الاولوية” من اجل الوفاء بهذه الحقوق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top