ســيـــرة الـفــاســـد - 4 -

آراء وأفكار 2022/06/15 10:42:13 م

ســيـــرة الـفــاســـد - 4 -

 زهير الجزائري

من حق الكتاب والإعلاميين أن يقلقوا هذه الأيام على هامش الحرية الضيق الذي كسبوه بعد 2003. الأيام الأخيرة كشفت هشاشة هذه الحرية في بلد متأزم. فخلال الأشهر الماضية، صدرت عدة مذكرات قبض أو استقدام أو أحكام ضد العاملين في الصحافة أو ممن يظهرون على وسائل الإعلام. حرية التعبير التي وردت في المادة ٣٨ من الدستور العراقي،

اكتسحتها مواد مرعبة من قوانين العهد السابق، وفي جو من أزمة و انقسام حاد عطل تشكيل الحكومة لأكثر من ستة أشهر.المسار السياسي في بلد متازم يؤثر على الاعلام أكثر مما يؤثر الاعلام على المسار السياسي، لأن السلطة السياسية، وهي في أزمتها الحالية تتحول الى سلطة على الاعلام في بلد تاريخ الإعلام فيه هو تاريخ هيمنة السلطة فيه على الإعلام تمويلا وتحكما، ومضمونا.

سابقاً كنت أعلل نفسي بأن انتكاسات الإعلام جزء من تعرجات التاريخ لأنه الا يسير بخط مستقيم، لكنني نسيت إن العودة إلى الوراء جزءاً من تعرجاته. نعود اليوم الى نقطة الصفر لأن الاحزاب الحاكمة نقلت المعركة من البرلمان إلى الأعلام. ولإلقاء الضوء على مقدمات هذه الأزمة أنظر هنا بعضا من فصل من كتابي القادم(سيرة الفاسد):

المعلومةً و الإشاعة

المعلومات هي سرديات عن وقائع، تنسى وقتياً، لكنها لا تحال للعدم. تختنق المعلومات، أو تُنَفَسْ بتحولها إلى إشاعات شفاهية: جرائم كبيرة على مستوى الوطن كانت تحال لمن يكرهه الأفراد ويعتقدون أنهم سبب المصائب( أفراد من الموساد الإسرائيلي أخذوا معهم حطام طائرات الميك، كويتيون دخلوا مع القوات الأمريكية أحرقوا مؤسسات الدولة انتقاماً، أزلام صدام وقد أوصاهم بتحويل البلد الى حطام في حال سقطت سلطته، سُنّة، أكراد… حكايات تحال إلى وكالة أنباء شفاهية اسمها ( يكلك) أي يقال لك، والقائل مبني للمجهول، مع تأكيدات ( رآها بعينيه). كل الشرور التي في داخل المواطن تحال لعدو حقيقي أو مفترض. بعض هذه الإشاعات تنتقل الى وسائل التواصل الاجتماعي، حين تحبس طويلا في سجنها الانفرادي.

تعدد الاحزاب وتنافسها على الريع وتناقض مصالحها يدفعها لتسريب المعلومات شرط أن لا يذكر المصدر. عبارات ( مصار سياسية، مصادر عليمة، موثوقة رفضت ذكر اسمها) تهدف الى تسريب الخبر و إخفاء المخبر لتجنيبه المحاسبة السياسية والقانونية. الصحفي هو الضحية.النشر سيعرضه للمسائلة. و المسائلة كلمة رقيقة جداً إزاء اللغة المكشوفة أو المبطنة.

لكن أمورًا يفترض أن تكون من اسرار الدولة يمكن أن تخرج الى العلن المجاني حينما يراد فضح طرف سياسي أو طائفي. عادة ينقطع البث التلفزيوني حين ترتفع حدة الملاسنات في جلسات البرلمان أو يجرى الحديث عن قضايا حساسة لا ينبغي للمواطن أن يعرف عنها.العراقي الذي (يقره الممحي) يعرف بالفراسة أن القيمة الحقيقية لهذه الجلسات تكمن فيما يحذف. لكن الطائفة الحاكمة تحاول أن تغطي فسادها بفضائح الطائفة المقابلة فنشرت تفاصيل ووقائع جلسة استدعاء وزير الدفاع خالد العبيدي. الثوابت التي تفترض الحفاظ على أسرار الدولة الأمنية، ومنها صفقات التسليح ونوعية السلاح والرتب ومواقع التدريب والعمل كشفت بابتذال و مجانية ولأسباب شخصية دفاعاً عن الذات بدلاً من الدفاع عن الوطن.

الفساد يتغذى من غياب، وبالأحرى تغييب المعلومات.القاضي (رحيم العكيلي) المطلع على آليات الفساد بصفته رئيسًا سابقاً لهيئة النزاهة قال بأن “تحديد الكلفة الكلية للفساد متعذر لأن هناك فساد في الأرقام وهناك فساد لا يدخل في ميزانية الدولة. العراق لم يطور أية آليات أو معايير لقياس تكلفة الفساد. الفساد يلحق خسائر بالدولة العراقية اكبر من الخسائر الناجمة عن سرقة الموازنة، لان هناك فساد يتعلق بسرقة الثروات دون دخولها الموازنة، وهناك سرقات تتعلق باصول الدولة من مشاريع الدولة الزراعية والصناعية والتلاعب بها جميعاً…حيتان الفساد لم تترك للمستقبل ما يشهد عليها … واذا انقلب النظام السياسي واستطاع النظام القادم كشف ملفات الفساد سنجد ان الملفات التي كشفت لحد الآن هي صغيرة جداً”. يصعب تعداد قضايا الفساد حتى هذه اللحظة! لكن ليس من الصعوبة بمكان تحديد خطورته، فهناك من يضعه بمصاف الإرهاب من حيث الترتيب، وربما قبله. أصعب ما في الفساد هو تداخله مع الارهاب. و:حسب الدكتور برهم صالح عندما كان نائباً لرئيس الوزراء في الملتقى الوطني لمكافحة الفساد فإن “ الارهاب اصبح يتغذى على الفساد، واصبح للعنف اقتصاده السياسي الخاص به في العراق يديمه الى جانب الياته وشبكاته الخاصة الاخرى» .

٫من المهم أن يلعب الإعلام دوره هنا في تأليب المواطنين ضد الفساد منطلقا من مظاهره التي تمس أكثر الأمور حسيّة لدى المواطن ( الغذاء، والخدمات المباشرة، ومدارس الأطفال والكهرباء والرعاية الاجتماعية ) . من خلال الأمور المحسوسة يمكن تكوين ثقافة رقابة من المواطنين على الدولة ومظاهر الفساد فيها. لكن تناول قضايا الفساد من خلال الإعلام يتطلب كوادر إعلامية ذات كفاءة خاصة ومهنية عالية، قادرة على ممارسة صحافة استقصائية تقوم على البحث الدؤوب وجرأة البحث ومعرفة بكيفية الوصول الى مصادر المعلومات بما في ذلك المصادر الصعبة، كوادر مؤمنة بمهمتها وحتى بضرورة التضحية من أجل أداء هذه المهمة، وقادرة على تمييز المعلومات الحقيقة من المعلومات التي تسرب عمداً في خفايا الصراع بين المصالح. كما تتطلب دراية قانونية بالعواقب الممكنة في حالة نشر معلومات غير مدققة او لا تملك مستندات كافية لإثبات حقوقها .

هذه المهمة تضعنا أمام مخاطر جديدة تكمن في علاقة الفساد بالمراتب السياسية العليا التي تستشرس وتستخدم مليشياتها الخفية إذا استعصى عليها استخدام أجهزة الدولة الأمنية لإيقاف الصحفي عن أداء هذه المهمة. وهذا يتطلب نوعا من التضامن بين الاعلاميين وبينهم وبين منظمات المجتمع المدني المعنية بمكافحة الفساد، وبين الإثنين وبين البرلمانيين .

ولكن وقبل ذلك ينبغي ان نضمن حماية الإعلام نفسه من تسرب الفساد اليه أو إلى العاملين فيه من خلال الرشوات ومصادر الدخل الخفية مقابل سكوته عن قضايا الفساد أو دخوله طرفاً في الصراع بين المصالح . ولذلك فإن على الصحافة التي تطالب أجهزة الدولة بالشفافية، ينبغي أن تكون هي نفسها شفافة أمام قرائها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top