القواعد الميتة في مدونة السلوك البرلماني العراقي

آراء وأفكار 2022/06/19 10:48:34 م

القواعد الميتة في مدونة السلوك البرلماني العراقي

 د. فلاح اسماعيل حاجم

إنّ من المسلمات المحسومة في مجال تشكيل برلمان الدولة القانونية هو ضرورة وضع مدونة لقواعد السلوك البرلماني. فيما يتطلب انجاز المسؤوليات المهمة الملقاة على عاتق نواب الشعب، على شاكلة تشريع القوانين النوعية ورقابة تنفيذها، فضلا عن مراقبة اداء السلطة التنفيذية والتواصل مع جمهور الناخبين …وغيرها،

يتطلب من نواب الشعب الالتزام الصارم بالمواصفات الأخلاقية المدرجة في لائحة السلوك البرلماني. فضلا عن ذلك فإنّ من الضروري صياغة وسن التشريعات واللوائح القانونية الأخرى بالشكل الذي يتناسب مع المزاج المجتمعي العام والضوابط القيمية والاخلاقية السائدة، فضلا عن تلبيتها لمصالح الناس ومتطلبات تسيير شؤون الدولة.

إنّ مصطلحethicsالأخلاق مأخوذ من الكلمة اليونانية (ethika) وجذرها (ethos) التي تعني الطباع أو العادات وتتضمن مجموعة ممّا بات يعرف بالمعايير الأخلاقية. ويدخل ضمن مفهوم الأخلاق كذلك الأساليب التأديبية كإجراء عقابي عن السلوك المخالف للقيم والآداب العامة والتقاليد المتعارف عليها اجتماعيا. واذا ما جرى الحديث عن الإجراءات العقابية لمخالفة قواعد السلوك الاجتماعي فلابد من الاشارة الى انها (الإجراءات) تختلف من مجتمع الى آخر، ارتباطا بما تأصل من طبائع وعادات وتقاليد لفترة زمنية طويلة، وهي بهذا المعنى أقرب إلى القواعد الدينية منه الى قواعد القانون. فالكثير من الممارسات التي تبدو طبيعية في البلدان الأوربية، على سبيل المثال، ولا يترتب على ممارستها سوى الرفض والاحتجاج أو الازدراء الاجتماعي، في حين تدرج ذات الممارسات ضمن المخالفات، وربما الجرائم، التي يعاقب عليها القانون في المجتمعات التقليدية والدول الدينية. وكثيرا ما تصادفنا في دساتير وتشريعات هذه الأخيرة عبارة فضفاضة (حمّالة أوجه) تشترط عدم مخالفة الحق الممنوح لممارسة هذا الفعل أو ذاك لقواعد السلوك الاجتماعي، فيما يترك تحديد مخالفة الفعل من عدمه إما لسلطة الدولة ذاتها (شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثالا) أو لمؤسّسات وتشكيلات رديفة، في حال عجز الدولة عن بسط سيطرتها الكاملة. ومن هنا تُحدّد بعض الحقوق والحريات مثل ممارسة بعض الفعاليات على شاكلة الموسيقى والغناء والعروض المسرحية والسينما……الخ، بذريعة مخالفتها للآداب العامة.

ومع تطور المجتمعات أصبح النظر إلى مفهوم الأخلاق من زاوية أوسع ليتضمن مفاهيم مثل الضمير والخير والشر والتعاطف والصداقة والتضحية والايثار…. الخ. وهنا تجدر الإشارة الى أن هذه الصفات مكتسبة ويتطلب تجذّرها ونموها مرحلة طويلة تبدأ منذ سنوات الطفولة الأولى، فيما يلعب المحيط الاجتماعي الدور الحاسم في تنميتها وتطويرها. على أنه لابدّ من الأشارة هنا الى إنّ الحديث لا ينحصر هنا حول السلوك البرلماني فقط، بل أنه يشمل جميع من يتبوأ المسؤولية في مفاصل الدولة المختلفة. وينبغي القول كذلك ان سريان مدونة السلوك المعنية لا ينحصر تحت قبة البرلمان، أو في أروقة المؤسسات فحسب، إنّما هي ملازمة للمسؤول ابتداءً من المنزل، وليس انتهاءً باستوديوهات القنوات الاعلامية وساحات تجمهر المواطنين.

إنّ محاولة بسيطة لجمع المفاهيم مارة الذكر ستوصلنا إلى الإجابة على سؤال: ما الذي ينطوي عليه مفهوم السلوك البرلماني؟. وسنرى، خلال البحث عن الأجابة عليه أيضا أن هذا السلوك يعني تحلّي النائب بجميع تلك الصفات (الأخلاق وآداب التعامل والمجاملة والصدق والأمانة والتواضع وعفّة النفس والكرامة…. الخ). على أنه ليس من الصعب اكتشاف ما إذا كان سلوك المسؤول مصطنعا، أم أنه نابع من طباعه المكتسبة، التي رافقته منذ الطفولة، كما أشرنا آنفا. وهنا يبرز الى الذهن ما اخترعته المخيلة العراقية إذ أطلقت تسمية (مسؤولي الصدفة) كصفة لموجة من البرلمانيين وغيرهم من المسؤولين الذين يفتقرون الى أبسط شروط ليس فقط مدونة السلوك البرلماني ومواصفاته، بل والاجتماعي بشكل عام. وربما كان ذلك أحد أهم أسباب تعثّر الأداء الوظيفي، سواء تحت قبة البرلمان، أو خلال حملات الترويج الانتخابية واللقاءات والمناظرات التلفزيونية. وبالعودة إلى الأخلاق بوصفها أحد اهم أركان لائحة السلوك الاجتماعي بشكل عام والبرلماني على وجه الخصوص، لابدّ من الإشارة إلى إنها احتلت حيزا كبيرا من اهتمام المتخصصين من فلاسفة وعلماء اجتماع وفقهاء قانون وتربويين …. وغيرهم، إذ ذهب بعضهم الى تعريف الأخلاق على إنها شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، وما تقبله المجتمع من أفكارٍ حول الخير والشر، والصواب والخطأ، والخير والشر، فضلا عن مجموعة من قواعد السلوك الناشئة عن هذه الأفكار. وكثيرا ما يستعمل مصطلح الأخلاق للدلالة على أخلاق فئة اجتماعية محددّة، على سبيل المثال: الأخلاق المسيحية والأخلاق البرجوازية والأخلاق الشيوعية…وما إلى ذلك. على إنه لابدّ من التنويه إلى إن قضية السلوك النيابي والأخلاق البرلمانية لم تكن وليدة العصر الحديث، إنما تعود جذورها الى بواكير الديموقراطيات الأولى في التأريخ. وربما يكون من الممتع هنا الاشارة الى واحدة من أساليب الدعاية الانتخابية لمرشحي مجلس شيوخ روما والمجالس المماثلة في اثينا، حيث كان المرشحون يستعرضون أنفسهم أمام جمهور الناخبين بالصعود الى خشبة مسرح مقام في الساحات المركزية (للمدن-الحكومات) * بملابس ناصعة البياض وبلا جيوب، للدلالة على أنهم سيدخلون المجلس ويغادرونه بضمائر بيضاء.

ويرتبط مفهوم الأخلاق بشكل وثيق بمفهوم الآداب، بحيث يصعب التمييز بينهما في حالات كثيرة، أذ يبدوان كمترادفين. وهنا لابد من الإشارة الى أن مصطلح آداب المعاشرة أو المجاملة (الايتيكيت) المأخوذة عن الفرنسية (etiquette) يعتبر هو الآخر على علاقة وثيقة بمصطلح الاخلاق. ويعرف الاتيكيت على إنه مجموعة من القواعد التي تحدّد سلوك الأفراد وموقفهم من الآخرين وكيفية ومعاملتهم. والاتيكيت أقرب ألى المجاملة منه إلى الأفعال الاجرائية الأخرى، وعادة ما تتميز به العلاقات الدبلوماسية.

تأسيساً على ما تقدّم يذهب بعض فقهاء القانون الدستوري الى تعريف الأخلاق البرلمانية على انها نوع من الأخلاقيات المهنية التي تنظم العلاقات الناشئة عن ممارسة النشاط البرلماني، وكذلك العلاقات غير البرلمانية المرتبطة بمهمة التمثيل الشعبي. وبذلك يمكننا فرز الخصوصية التي تميز الأخلاق البرلمانية بوصفها تخصّ العلاقة بين البرلمانيين وبين عموم المجتمع، وبالأخص جمهور الناخبين الذين يهمهم، بالدرجة الاولى، نجاح ممثليهم في اداء وظيفتهم التشريعية.

 

*. كانت كل واحدة من المدن اليونانية القديمة تمثل دولة بحد ذاتها، قبل توحدها طوعاً (للجدوى الاقتصادية او لصد غزوات الآخرين) أو بالإكراه (جراء الغزو وتوسيع رقعة الدولة).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top