خطايا أكثر منها اخطاء بإنتظار معالجات إستثنائية

آراء وأفكار 2022/06/19 10:49:19 م

خطايا أكثر منها اخطاء بإنتظار  معالجات إستثنائية

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

ابتداءا علينا التمييز والتشخيص الدقيق بين اخطاء او خطايا ترتكب في بلدنا الذي يستمرابنائه وفئاته الهشة المحرومة والفقيرة جدا بل وحتى مايعتبر طبقة وسطى في العيش في ظل أشكال وصور من المعاناة الانسانية تجسدها تحديات وجودية (أمنية – إقتصادية – أجتماعية – خدمية تعليمية، صحية – بيئية وغيرها) تحتاج لمعالجات أستثنائية.

إذ دونها سندور في حلقة مفرغة تماما عمادها حسن النوايا وعدم تقبل أن ما حدث أو يحدث هو بالفعل خطايا أكثر منها أخطاء لإن الاخيرة من اليسر معالجتها أما الخطايا الاكثر شيوعا من الاخطاء فتحتاج لنظرة ورؤية إستراتيجية تشخيصية معمقة قبل معالجتها بصورة شاملة وجذرية. مسألة يجب أن تعد أولوية لكل نظام سياسي في عالمنا والعراق ليس أستثناءا عن أنظمة العالم السياسية التي مرت، تمروستمر بمراحل تأريخية حرجة تستوجب ليس فقط الاستفادة من الدروس التأريخية إن سلبا أم أيجابا بل لابد من استقطاب كل الجهود الوطنية الخيرة لتجاوز التحديات المستقبلية وصولا لبر الامن والامان والازدهار الاقتصادي. - الاجتماعي والتنموي”الانساني».

يبدو أن أول الخيط في التحدث عن موضوع حيوي كهذا يرجعنا إلى التمييز اولا بين الاخطاء والخطايا في سياق الفهم والمعرفة الحقيقية للمفهومين. لغويا يؤكد الشيخ متولي الشعراوي رحمه الله: “إن الخطأ هو مايصدر من فعل من المرء من دون قصد، مع إمكانية تصويبه”. اي يعد “ما صدر من آدم في الجنة عندما أكل من الشجرة هو محض خطأ لا أكثر، لأن الله عزوجل صوب لأدم فعله وعلمه التوبة فتاب آدم من فعله، بينما معصية أبليس هي خطيئة أدت به إلى الكفر، لأنه رد الامر على الامر، وهذا يعني أنه أستكبر امام الله تعالى الذي خلقه.. والله لايحب المستكبرين”. كيف لنا أن نعتبر ما جرى أو يجري حاليا مجرد أخطاء في المجمل يمكن تصويبها بيسر في حين أن المعاناة الانسانية لشعبنا بكل أطيافه وطبقاته وبمختلف مناطق سكناه يعاني من مشكلات سياسية – مجتمعية - إقتصادية – ثقافية حادة تحولت إلى أزمات حياتية – إنسانية مزمنة ليس من السهولة بمكان حلها اللهم إلا إذا توفرت مقترحات للحل عاجلة وعملية مقترنة بالارادة السياسية المستقلة من أعلى سلم الهرم السيادي الوطني في البلاد مرورا بالحلقات الوسطى والدنيا للادارة العراقية. إن حالة الانسداد السياسي المفتعل أو غير المفتعل التي يعيشها بلدنا منذ أنتهاء آخر انتخابات برلمانية مبكرة في العاشر من أوكتوبر 2021 لايمكن ولا بأي حال من الاحوال أعتبرها أمر طبيعي او تقليد يمكن تقبله سياسيا كعرف نظرا لبقاء العراق في مراحل معينة (عقب 2003) دون حكومة منتخبة لمدة تجاوزت ما يقارب 8 أو 9 أشهرأي خارج المدد الدستورية المقرة.

إن صراعات التكتلات والاحزاب والشخصيات النافذة على المغانم السياسية – الاقتصادية – المالية لم تعد قضية لايمكن فهمها خارج سياق عملية سياسية في مظهرها العام أخذت شكلا ديمقراطيا – برلمانيا تتداوله دول عدة في العالم ولكنها في الواقع والمضمون الحقيقي بعيدة كل البعد عن مظاهر الديمقراطية السياسية التمثيلية الحقيقية. مما كتبته في مقالات عدة أكدت بما لايقطع مجالا او مكانا للشك أن معاناة شعبنا العراقي حقيقية ومستدامة بكل معنى الكلمة نظرا لكونها ذات أبعاد ومظاهر جيوسياسية – جيو إقتصادية – مجتمعية –ثقافية وغيرها في مجملها تؤكد على الضرورة الاستثنائية للالتزام بتوفير الخدمات العامة الاساسية هذا من جهة ومن جهة مكملة ضرورة الالتزام بطابع ومضمون الهوية العراقية – الوطنية بعيدا عن كل الولاءات، الانتماءات والهويات الثانوية الفرعية. مسألة تطرقها الالسن والعبارات الرنانة وبعض ما يعرف بالتحليلات الاكاديمية في المقابلات الاعلامية الفضائية للساسة أو لما يعرف بالنخب المعنية “من الخبراء والمستشارين؟ ” بالشأن العراقي في حين أن واقع الحال يؤكد استمرار أتباع نهج المحاصصة بكل مسمياتها (الطائفية – العرقية – القومية – القبلية – والجهوية) دون مراعاة أي رادع استراتيجي - سياسي أو قيمي – أخلاقي أو ديني نظرا لإنها لازالت توفر مساحات مهمة لتلبية مصالحها الفئوية المصلحية الخاصة على حساب المصلحة الوطنية الحقيقية طالما فوائض عوائد النفط بنتيجة ارتفاع اسعاره لاتوجد خريطة واضحة للعيان في كيفية الاستفادة الحقيقية منها. إن الالتزام بمبدأ الاغلبية الوطنية في حكم البلاد مسألة تستطيع الكتلة الحرجة من نخبنا السياسية والثقافية بل ومن عموم شعبنا تقبلها بإرتياح كونها على أقل تقدير تشكل تجربة ديمقراطية جديدة يراد لنا - بغض النظر عن الشكوك التي تحوم حول جدواها – ترجمتها إلى واقع ملموس. علما بإنه وفي ظل الانظمة السياسية الديمقراطية في العالم المتقدم ذا التجارب الناجحة “ديمقراطيا” يعد وجود حكومة وطنية مستقلة تتمتع بالكفاءة وتلتزم بالمسؤولية الوطنية في إيجاد حلول ناجعة لأزمات دولها –بضمنها العراق- صورة حيوية مهمة ولكنها تبقى مجتزأة عن العملية السياسية الديمقراطية الحقيقية الشاملة التي تتطلب بالمقابل وجود معارضة سياسية “موضوعية” هدفها مراقبة وتقييد صلاحيات السلطة التنفيذية كلما تتطلب الامر، مسألة لازالت ترفضها قوى سياسية أخرى ترنو لتشكيل لما يعرف بالكتلة الاكبر “طائفيا”. إن قبول رئاسة البرلمان استقالة 73 عضوا من التيار الصدري وإن كانت أمرا مؤسفا فهي مسألة متوقعة لها تداعيات تعقد وربما تسهل أخراج المشهد السياسي إلى بر الامان ولكنها حاليا تحمل تداعيات لاتعرف عقباها قد تعيدنا إلى نقطة البداية أي لإنتخابات سياسية جديدة بصورة او شكل أخر لازالت مساراته ومضمونه غير جلي. علما بأنه وفي غياب حكومة سياسية تمثيلية وطنية مع غياب أخر مكافئ نسبيا لمعارضة سياسية ناجعة ستتجمد العملية السياسية بل وربما ستتنهي للفشل الذريع وبالتالي لن تتوصل بلادنا إلى مسارات وتطبيقات إيجابية مستنيرة تتسق في ظل ما نعتبره النهج المؤسساتي الديمقراطي الحقيقي الذي يفترض أن يكشف بشكل شفاف وواضح عن أي إخلال بالعملية السياسية – الادارية – المجتمعية - الاقتصادية مثل أنتشار وتجذر الفساد في مفاصل الدولة في ظل شبكات تديره، ترعاه و تموله وبالتالي لابد من محاسبته - تجريمه، تحجيمه او التخفيف من تأثيراته إلى أدنى حد ممكن من خلال جهود وطنية ودولية إستثنائية تتطلب مواجهة صارمة حقيقية من أعلى سلم وصله الفساد (إداريا – سياسيا – أقتصاديا وأجتماعيا) إلى أدنى المراتب والدرجات الادارية الحكومية وغير الحكومية “منظمات المجتمع المدني».

هذا ومن المنظور الجيوسياسي – الامني يجب استمرار الحكومة العراقية المقبلة بتفعيل كل الجهود الاستثنائية – التقنية – المبتكرة الحازمة والمبكرة لجماعات الارهاب سواءا من فلول داعش المنهزم في مناطق رخوة أمنيا أو تلك التابعة لجماعات الجريمة المنظمة للمخدرات أوللاتجار الغير مشروع عبر الحدود الوطنية مع دول الجوار أوغيرها من الجماعات الجرمية الارهابية التي تعتمد اساليب الاغتيالات والتخريب مثلا.

علما بإن هيبة الدولة العراقية ستبقى على المحك طالما تستمر جماعات خارجة على القانون بضرب بعض مؤسسات الدولة المركزية او في الاقاليم سواءا في شمال العراق او في مناطق اخرى من بلادنا هذا من جهة ومن جهة أخرى لابد للسطات المعنية أمنيا وعسكريا أن تخلق حالة ردع أستراتيجي يحتوي على عناصر قوة ليست عسكرية فقط وإنما جيوستراتيجية – اقتصادية يمنع القوى الاقليمية من استغلال أي غياب للسلطة المركزية بمايسمح بمد سيادتها الوطنية عن أي جزء من أرض الوطن. إن استذكار الذكرى الثامنة لاحتلال داعش لما يقارب من ثلث مساحة البلاد لن يتكرر ليس كأخطاء فقط بل وخطايا كبرى لها ملف خاص لابد من فتحه وتنقيحه مجددا لمحاسبة كل المقصرين بحق العراق. ملفات أخرى تشكل خطايا وليست أخطاء منها الملف التعليمي الذي كشف في جانب محدد منه مثلا عن تسرب لاسئلة الامتحانات العامة مسألة غاية في الخطورة كونها خطايا وليست أخطاء لايمكن تكرارها وهي بحاجة لتحقيق أكثر عمقا من النتائج “الغير مقنعة” المتوصل إليها. لن استطرد طويلا ولكن الالم يعصرني وأنا اشاهد الملف البيئي مع استمرار العواصف الترابية المضرة بصحة الانسان تستمر في كل عام بل في كل يوم تقريبا دون القيام بحملات مليونية لتشجير مناطق العراق من شماله إلى وسطه وجنوبه ومن شرقه ألى غربه. علما بإن افتقاد العراق لعمتنا النخلة (لدينا فقط 17 مليون او أقلمن مجموع 30 مليون تقريبا*) لايسر بل يحزن كل مواطن عراقي حريص على بلاده محملا أياه والسلطات البيئية، الصحية والمالية المعنية مسؤولية وطنية كبرى للمزيد من الاستثمار في زراعة النخل والاشجار لتصل لرقم مليوني وليس بالالاف اوبالمئات. علما بإن التعاون والتنسيق الاقليمي والدولي لم يعد ترفا بل ضرورة حيوية.

ملفات أخرى تعتبر خطايا وليست اخطاء لايمكن تكرارها ملف النقل والمواصلات والمرور برا، بحرا وجوا وصل إلى مناطق حرجة خاصة بالنسبة مثلا لعدد متزايد مما يعتبر طرق الموت في وسط وجنوب البلاد وفي غيرها من اقاليم العراق والتي تحصد المزيد من حياة المواطنين دون اي تبرير مقنع للتراخي في حلها. ملف أخر يختص بالصحة والبيئة معا بحاجة إلى الاستطلاع والى الدراسات الاستقصائية العلمية المبكرة للامراض الصحية وللاوبئة المعدية منها الحمى النزفية وغيرها نحن بأمس االحاجة إليها تماما تعالج كملفات سيادية تعتبر جزءا من الامن الوطني للدولة تهدف لمعالجة قضايا حيوية خطيرة تغطي مساحات الامن المائي والغذائي والبيئي كون أزماتها تعد متداخلة مع بعضها ولها تداعيات خطيرة على الجنس البشري. أخيرا لازال بلدنا يعاني من أزمات أنسانية متراكمة خطيرة لابد معها من استقطاب كل الكفاءات والخبرات والتخصصات العلمية والتقنية (داخل وخارج البلاد) لمواجهتها وبضمنها ملفات تلبية الاحتياجات الانسانية الجوهرية والتي تحتاج فعليا إلى محطات أنذار مبكر تشخص وتعالج مجسات تبين حيوية الاعتماد على معلومات ذات مصداقية وتنبؤات علمية مستنيرة للتخفيف من حدة كوارث أنسانية اوطبيعية. لعل ملف الطاقة الخضراء المتجددة اقتصاديا وبيئيا بحاجة للتعمق به وطرح مقترحات عملية ومستقبلية له سريعا كي يقلل من الاعتماد على مصدرريعي وحيد للطاقة وللدخل”النفط” مستقطبا كفاءات وتخصصات جديدة تحدث البلاد وتضعها على السكة التنموية الصحيحة للقرن الحالي.

لانطلب المستحيل أو لاندعو كما يقال لإختراع العجلة او لصنع صاروخ فضائي أوحلول سحرية بل ندعو لما هو ممكن مع أعطاء اولوية للخدمات الانسانية للفئات والطبقات الاضعف مجتمعيا وأقتصاديا. علما بإن تنمية القطاعات الاقتصادية الاساسية من زراعة وصناعة لازالت لم تصل بعد لمراحل متقدمة او مقبولة اي لازالت خطواتها سلحفاتية بحاجة لجهود أستثنائية وسريعة لمنع الخطايا وليس الاخطاء المتكررة بحق الملايين من شعبنا الذي يرنو لأرتفاع حقيقي في مستواه الاجتماعي – الاقتصادي والثقافي يستحقها بكل تأكيد. وهي ملفات حيوية لابد من مواجهتها بكل ارادة صلبة ليس كأخطاء بل خطايا خطيرة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top