إضعاف الدولة.. وزارة التجارة مثلاً

آراء وأفكار 2022/06/25 11:05:31 م

إضعاف الدولة.. وزارة التجارة مثلاً

 محمد حميد رشيد

1-2

هناك مساع مقصودة لإضعاف الدولة بكل أجهزتها من أعلى هرم الدولة إلى كل مؤسساتها ووزاراتها ؛ دولة بلا رؤية إقتصادية واضحة وبلا هيكلية مستقرة فرغت من الكفاءات والخبرات وبنيت على أساس (الولاء) على حساب الخبرة والكفاءة والمسؤولية

مخترقة في بعض مفاصلها من قبل قوى فاسدة ومسلحة وبأغطية مختلفة وسلاح منفلت معتصماً كل مسؤول فيها بحزبه ومن رشحه واعتقد أن قوته بقوة حزبه وأن سلطات حزبه تعلو على القانون وعلى المسؤولية وعلى الدولة وأصبح تجاهل أوامر رئيس الوزراء من قبل الوزراء حالة عادية بل في بعض الأحيان تبلغ درجة التحدي له وقد تصل في بعض الأحيان إلى الإستهانة به أو السخرية منه وهو الممثل الرسمي للحكومة واعلى منصب فيها ؛ وبكل روح رياضية وبمنتهى التسامح لا يفكر مكتبه بإقامة دعوى قضائية ضد هؤلاء المعتدين ويحتفظ بحقه في الرد!.

وأصبح من المعتاد أن يتدخل رؤساء الكتل والإحزاب بعمل الوزارات بموجب المحاصصة والإستحقاقات الإنتخابية (التي تتقاتل عليها الأحزاب هذه الإيام) في تقيد قرارات الوزراء أو إطلاقها أو تحريض الوزراء على الإستقلال في قرارتهم. (قال إحسان عبد الجبار وزير النفط خلال استضافته بمجلس النواب 19/4/2022، بحسب مقطع فيديو تداولته مواقع التواصل الاجتماعي ان “رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي “تخبل” و”زعل” وقاطعني لعدة ايام بسبب قيامي بالغاء العقود الجاهزة مسبقا خاصة بمشروع ميناء العقبة”.) مع البيان ان العقود سبق أن وافق عليها مجلس الوزراء !.

أما تهميش الوزارات فيتحدث عنه وزير الإسكان والصناعة (الأستاذ محمد صاحب الدراجي) قائلاً (اما في وزارة الصناعة، ففيها الامر مضحك، لان الفساد فيها ليس في موضوع (الكوميشن)، بل في عدم الانتاج، بمعنى اخر: انت لا تنتج، وهناك جهات تعطيك فلوسًا لمجرد ان توقف المعامل.)! وهو يقول وبأختصار شديد (العراق تحكمه مجموعة سلطات ليست فيه مقومات الدولة.) ويقول عن آخر منصب له (الصناعة الحربية في العراق واقع موجود، ولكن هناك الكثيرين لا يريدونه) ويقول بمنتهى الوضوح والصراحة (مربع الشر هو: الدول التي تصدر للعراق والتجار ومجموعة من السياسيين الذين دخلوا في عمليات فساد ممنهج وبعض اجهزة الاعلام!!)(انها تحاول، ولكن مربع الشر اقوى من اذرعها) (كل وزارة لدينا (دولة وعلم) هذا هو الصدق، بمعنى (كل حزب بما لديهم فرحون). وهكذا نسمع من الكثير من الوزراء الشجعان الكثير من هذا. لذا لا نتوقع للدولة أن تتطور وللوزارات ان تنتج بل من يفكر في ذلك محارب ومدان وعليه أن يواجه قوى الفساد الشريرة المسلحة وأن لا يتوقع دعماً كبيراً ومؤثراً من الدولة ! لذا نجد الدولة في حالة تراجع مستمر بل إن الدولة محاربة بمقوماتها لكي تكون عاجزة وفاشلة وفاسدة! وبالتالي لكي يكون العراق عاجزاً وفاشلاً وضعيفاً

لذا فمن الواضح إن (مقومات الدولة العراقية) مهزوزة وناقصة وتحتاج إلى مراجعتها وإعادة تثبيتها وتقويتها.

وأخترت وزارة التجارة كمثال لهذا التشويه والتهميش وإضعاف دورها رغم أهميته الإقتصادية والإجتماعية والأمنية! وفي تأمين الغذاء لعموم الشعب العراقي. وتمتاز وزارة التجارة العراقية بإمكانياتها الكبيرة وتعدد وسائلها وإنتشارها في كل محافظات العراق فالوزارة تتبعها عدة شركات متخصصة (الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية والشركة العامة لتجارة الحبوب والشركة العامة لتصنيع الحبوب والشركة العامة لتجارة المواد الإنشائية ولشركة العامة لتجارة السيارات والمكائن والشركة العامة للأسواق المركزية ومسجل الشركات والشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية العراقية وصندوق دعم التصدير) ؛ وتمتلك الوزارة فروعاً لها في كافة محافظات العراق تتبعها مجمعات مخزنية كبيرة متخصصة وسايلوات ضخمة لخزن الحبوب ومعارض وأسواق كبيرة واسطول ضخم من الناقلات البرية الضخمة وجهاز خاص للفحص والسيطرة النوعية وشبكة ضخمة من آلاف الوكلاء (الغذائية والأفران والإنشائية) ؛ لدى الوزارة إمكانيات هائلة ومتنوعة فهل تم الإستفادة من كل هذه الإمكانيات وإستثمارها في تنمية وتطوير عمل الوزارة؟

وهل يمكن وبكل هذه الإمكانيات المتنوعة والضخمة الإرتقاء بعمل الوزارة والخروج من هذا الجمود والنمطية إلى آفاقها العلمية التي أنشئت له؟

وهل هناك (خطة إستثمارية) منتجة تستوعب كل هذه الإمكانيات الضخمة للوزارة وتستثمرها وتحقق الجدوى الإقتصادية منها وتتجاوز آليات مذكرة التفاهم التي جمدت عمل الوزارة في نمط محدود والتي تم مغادرتها عملياً منذ 2003م؟

أم أن وزارة التجارة تقلص عملها فالأسواق المركزية (على سبيل المثال) مجمدة رغم إمتلاكها ابنيتها ومعارضها الضخمة في بغداد وفي كل المحافظات العراقية وإقليم كردستان وإن كانت هناك محاولة (استعادة نشاطها ليسهم في تنشيط اقصاد البلد) كما صرحت الأستاذة زهرة الكيلاني مديرعام الشركة عند إفتتاح معالي وزير التجارة الدكتورعلاء الجبوري (السوق العراقية الحرة) التابع للأسواق المركزية صباح الثلاثاء 17/05/2022 بعد غياب دام تسعة عشر عاما وقال معالي الوزير (أنها خطوة ممتازة باعتبارها التجربة الاولى على مستوى العراق بعد انقطاع دام لسنوات كثيرة)

نبذة تاريخية: في 12 أيلول 1921 كلف الملك فيصل السيد [عبد الرحمن النقيب] بتأليف الوزارة الجديدة، وكان عبد اللطيف المنديل ـ وزيراً للتجارة فيها إلا إنها ألغيت في وزارة النقيب الثالثة في 1922 بناء على توصية اللجنة الاقتصادية والحقت بوزارة المالية وكان النشاط الإقتصادي العراقي على شكل دوائر حكومية موزعة على الوزارات المختلفة.. وحتى عندما كانت هناك (وزارة تجارة) في الحكومة الأولى المؤقتة وفي الوزارة الثانية كانت مهمتها متواضعة وبسيطة وكانت تتشكل من مديرية الشؤون التجارية ومديرية الكمارك ومديرية ميناء البصرة إضافة إلى مكتب الوزير وباشراف مستشار بريطاني (مستر وتكنس). ولقد شهد التخطيط الإقتصادي للفترة منذ بداية الحكم الوطني وتشكيل الدولة العراقية الحديثة لغاية عام 1939م ولحين قيام (وزارة الإقتصاد) تخبط وعدم إستقرار لم تكن هناك خلال هذه الفترة خطط إقتصادية واضحة وكان الواجب الاول للوزارة الحفاظ على الثروات الموجودة وحصرها وتوثيقها إلى أن صدر نظام جديد لوزارة الإقتصاد والمواصلات عام 1935م وبدأت وزارة التجارة (لإقتصاد) تمارس دوراًعلمياً أكبر وأكثر اهمية فما هو دور وزارة التجارة الأن؟

أ. المساهمة مع بقية أجهزة الدولة في تنفيذ (السياسة الإقتصادية) التي ترسمها الدولة (البرلمان والحكومة) (والذي يفترض في حال العراق) إن يكون تحول الدولة نحو (الإقتصاد الحر) وبشكل تدريجي.

ب. ضبط عملية التحول من الإقتصاد المركزي إلى الإقتصاد الحر ووضع آليات و وسائل هذا التغيير (بالاشتراك مع وزارة التخطيط وأدارات الدولة الأخرى) في أدارة وأستعمال الأدوات الاقتصادية المتاحة على ضوء السياسة الاقتصادية الجديدة.

جـ. المساهمة في سن وإقتراح التشريعات المنظمة لهذا التحول أخذين بنظر الاعتبار حقيقة مهمة جداً هي: أن التغير في الفلسفة الاقتصادية للبلد ليست مجرد قرار سياسي من جهه رسمية بل هو نمو طبيعي متدرج للنواحي الاجتماعية والاقتصادية والمالية والقانونية والفكرية للمجتمع ومحكوم بخصوصية ظرفية وأجتماعية وفكرية تختلف من مجتمع وآخرعلى ضوء الثوابت والمتغيرات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية ولكل حالة ومجتمع خصوصيته. مع الاستفادة من تجارب التغيير الاقتصادية العالمية والمحلية. وأن البرلمان يجب أن يكون له الدور الأول في سن التشريعات والقوانين اللازمة لذلك.

د. المساهمة في توفير الأرضية المحلية الصلية لمتطلبات الاقتصاد الحر كرأس مال محلي قوي ومصارف متطورة وتشريعات مالية وأقتصادية حضارية نافذه.

هـ. توفيرالأمن الغذائي للدولة وللمواطن العراقي وذلك عبرتوفير(خزين إستتراتيجي) يساهم في توفير الإستقرار الإقتصادي للمجتمع وللدولة. وخصوصاً السلع الإستتراتيجية المهمة في مجال الغذاء والبناء (الحبوب ومستلزمات البناء الأساسية). وإن كان ذلك من واجب الحكومة بالدرجة الأساس وعلى الوزارة الإشراف على التنفيذ والمتابعة.

و.موازنة الأسعار وموازنة السوق ومنع الإحتكار وتحقيق الإطمئنان والإستقرار الإقتصادي وبما يخدم المواطن العراقي، وبالمشاركة مع الأجهزة الرسمية المختصة.

ز. المساهمة مع أجهزة (حماية المستهلك) في ضمان مصلحة المستهلك الإقتصادية والصحية ومنع الغش التجاري.

ح. وضع المواصفات العلمية الدقيقة لكل السلع الساسية التي تتعلق بحياة المواطن وبالمشاركة مع المؤسسات الرسمية (الجهاز المركزي للتقيس والسيطرة النوعية ـ وزارة التخطيط) والعلمية المختصة بهذا المجال.

ط. ضبط الإستيراد والتصدير بما يحقق المصلحة لإقتصاد البلاد ودعم المنتج المحلي وعرضه وتسويقه ؛ آخذين بنظر الإعتبار مصلحة المستهلك العراقي.

يـ. دعم مشاريع الإنتاج الصغيرة والمتوسطة وتنميتها ودعم المنتج المحلي وترويجه وعرضه بما يساهم في تطوير الصناعات المحلية.

كــ. دعم التاجر المحلي وتطوير طاقته الإستيرادية عبر توفير المواصفة الرسمية المعتبرة والدقيقة ودعم قدراته الإستيرادية والمشاركة في خزن وترويج وتسويق بضاعته.

لـ. دعم إيرادات الدولة وتقليص الفائض ودعم الميزان التجاري عبر تقليص الإستيرادات الخارجية وتشجيع وزيادة الإنتاج والتصدير.

مـ. دعم مشاريع أعادة أعمار العراق والاشتراك بها بقوة و أن يكون لوزارة التجارة دورها المهم في توفير مستلزمات إعادة الإعمار (حديد التسليح ؛ الأسمنت ؛ الخشب ؛ الزجاج ؛...الخ) وبمستويات حضارية متقدمة و

نـ. دعم وتطوير (القدرة التسويقية) و(الخطط الإستيرادية) للشركات التابعة للوزارة بما يحقق أفضل عائد للشركات والوزارة ويساهم في تطوير السوق العراقية وتطوير عمل الشركات التابعة للوزارة ويطور عملها التجاري.

سـ.مغادرة آليات مذكرة التفاهم وتداعياتها وأنظمتها وسياسة (التموين) و(وضع سياسة دعم جديدة من قبل الدولة) ومغادرة إلى الآفاق التجارية وحصر التموين كواجب مؤقت تستدعيه الضرورة الإقتصادية المرحلية كجزء من عمل الوزارة. والعمل على نقل سياسة الدعم إلى الدولة ورفعه من كاهل الوزارة ؛ والتحول إلى (الإستثمار) والتمويل الذاتي للمشاريع التسويقية المنتجة وفتح منافذ تسويقية والمشاركة بها.

وإذا كان دور وزارة التجارة بهذا المستوى من الأهمية والخطورة فما هو مستوى الإنجاز وما هي معدلات إستثمار الموارد وما هي تاثيردورها على مستوى الإنجاز الحكومي؟

الحقيقة إن الوزارة لازالت حتى اليوم أسيرة لآليات عمل مذكرة التفاهم برغم من الغائها وقد تخلت عن الكثير من مهامها وأهدافها بل هي تراجعت عن مستوى عمل الوزارة في ظل مذكرة التفاهم ! فقد تقلصت المواد التي كانت توزع على حساب مذكرة التفاهم ولم يعاود وكلاء الغذائية (المنتشرون من أقصى نقطة في جنوب العراق إلى ابعد نقطة في شماله وفي داخل الأحياء السكانية) نشاطهم قبل المذكرة حيث كان لهم دورهم في موازنة اسعار السوق المحلية وفي دعم الطبقات المتوسطة والفقيرة حيث كانت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية تجهز السوق المحلية بمختلف السلع الغذائية عبر معارضها وعبر وكلائها بمختلف المواد الغذائية من أرقى المناشيء وبمواصفات مدروسة وباسعار معتدلة ورغم إنفتاح الشركة العامة لتجارة المواد الإنشائية عبر تنشيط عمل معارضها إلا انها لازالت بعيدة عن التسويق التجاري المفتوح في السوق المحلية وهي بعيدة (نوعاً ما) عن رغبات المستهلك والتطور السلعي. كما أن عزوف دوائر الدولة عن الشراء من الشركة خلافاً للقانون أدى إلى تراجع أداء الشركة وتقليص نشاطها رغم أن مواصفات المواد التي تتعامل بها خاضعة للتقييس العلمي والسيطرة النوعية ومن المفترض أن تكون للشركة دورها الأكبر في إعادة إعمار العراق وإعادة إعمار المدن المدمرة. بل يمكن للشركة المساهمة مع وزارة الإسكان و وزارة الصناعة والتعمير وبنك التسليف العقاري في مشاريع بناء المجمعات السكنية بارقى المواصفات الفنية ولذلك فوائد وإيجابات متعددة للشركة وللسوق المحلية وللمجتمع العراقي. وهكذا بقية الشركات يمكنها أن تساهم بصورة أكثر فعالية في تطويرعمل الوزارة وفي تنشيط الإقتصاد العراقي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top