ما بين ثورة العشرين العراقية ويوم الأنزاك الأسترالي - مقارنة في عملية بناء الأمة

آراء وأفكار 2022/06/28 11:03:40 م

ما بين ثورة العشرين العراقية ويوم الأنزاك الأسترالي - مقارنة في عملية بناء الأمة

 فراس ناجي

ما يمكن أن يجمع بين ثورة العشرين العراقية ويوم الأنزاك الأسترالي أنهما حدثان حربيان مهمان في التاريخ الحديث لكلا البلدين ومرتبطان بالحرب العالمية الأولى ودور بريطانيا الاستعماري فيها، غير إنهما يختلفان جداً في أهميتهما الوطنية بين البلدين.

فقد نزلت القوات الاسترالية في الحرب العالمية الأولى تحت القيادة البريطانية في يوم الأنزاك Anzac Day في 25 نيسان 1915 في شبه جزيرة جاليبولي على مضيق الدردنيل لإيجاد موضع قدم من أجل احتلال العاصمة العثمانية إسطنبول. لكن هذه الحملة فشلت نتيجة المقاومة الشديدة للجيش العثماني بقيادة مصطفى كمال – والتي تعرف أيضاً بمعركة جناق قلعة في التاريخ العسكري العثماني – واضطرت القوات المهاجمة الى التقهقر والانسحاب إذ تكبدت القوات الاسترالية فيها أكثر من 8000 قتيل وآلاف الجرحى والمعوقين.

أما ثورة العشرين، فهي ثورة مسلحة انطلقت شرارتها في الرميثة في 30 حزيران 1920 قامت بها العشائر العراقية في مختلف أنحاء البلاد ضد الاحتلال البريطاني وبالتنسيق مع الناشطين السياسيين في كبريات المدن العراقية خاصة في بغداد والنجف وكربلاء. وعلى الرغم من فشل الثورة عسكرياً وعدم تحقيقها الاستقلال الكامل عن بريطانيا، إلا أنها نجحت في جمع مختلف العراقيين للنضال المشترك من أجل الاستقلال، كما نجحت في إجبار البريطانيين على تحقيق مطالب الثورة في تأسيس الدولة العراقية تحت حكم الملك فيصل مقيد بمجلس تشريعي وطني.

إذن من حيث المضمون السياسي التاريخي تبدو ثورة العشرين ذات أهمية أكبر في مسيرة تشكيل الدولة والأمة بمفهومها الحديث في العراق، بالمقارنة مع الأهمية المحدودة ليوم الأنزاك بالنسبة الى استراليا، حيث كانت القوات الاسترالية تحارب - أشبه بالمرتزقة – لغزو أراضي بعيدة، ضد أعداء لا يهددون الوطن الأسترالي ولخدمة أهداف استعمارية بريطانية بالدرجة الأولى.

إلا أنه من المدهش، وبعد قرن من هذه الأحداث، نجد أن الأستراليين يحتفلون بالذكرى السنوية ليوم الأنزاك كعيد وطني يُحتفى فيه بتضحيات الجيش الاسترالي عبر الحروب في مختلف انحاء العالم، من خلال نشاطات وتقاليد شعبية ورسمية ترسخت عبر السنين مثل إضاءة الشموع في فجر يوم الذكرى، والعروض والمسيرات في شوارع المدن الرئيسية في مختلف أنحاء البلاد، واحتفالات النُصُب التذكارية، وممارسة الألعاب الشعبية التي مارسها الجنود في الحملة، بالإضافة الى حج الآلاف من الاستراليين كل سنة الى ساحة المعارك في شبه جزيرة جاليبولي. كذلك فأن من اللافت ترّسخ الثقافة الشعبية والرموز التي ارتبطت بهذا الحدث مثل عبارة Lest we forget (حتى لا ننسى) لاستذكار تضحيات أفراد القوات المسلحة في سبيل الوطن وزهرة الخشخاش الحمراء التي تنمو في ساحات المعركة والتي يقال أن دماء الجنود زادت من احمرارها، وبسكويت الأنزاك الذي كانت عوائل الجنود ترسله معهم كزادٍ في الحروب. أما “اسطورة الأنزاك” فهي مجموعة من القصائد والحكايات التي أصبحت تمثل حيّزاً مهماً من الهوية الوطنية الاسترالية، وتُركّز على الخصائص التي يظهرها الاستراليون خلال المعارك كالبسالة والصمود والروح الرفاقية، مثل قصة سيمبسون وحماره الذي أنقذ حياة حوالي 300 جندي جريح نقلهم من أرض المعركة الى الشاطئ قبل أن يُقتل برصاص المعارك.

أما ذكرى ثورة العشرين اليوم في العراق فهي شبه منسية، مركونة في متحف “تراث النجف الأشرف وثورة العشرين” في خان الشيلان في مدينة النجف وبعض المقالات المنشورة والمهرجانات هنا وهناك التي تستذكر “الثورة العراقية الكبرى”، فيما لا يخلو استذكارها عند بعض المثقفين من الجدل حيث يتبنى بعضهم الرؤية البريطانية في أن الثورة كانت في جوهرها تمرداً عشائرياً، بينما يجادل آخرون أن الثورة كانت رد فعل للمجتمع العراقي التقليدي ضد المشروع البريطاني لتحديث العراق. وكل هذا يشير إلى أن ثورة العشرين لا تحظى الآن بالرمزية الوطنية التي تتناسب مع أهميتها كأهم محطة تاريخية أدّت الى تأسيس الدولة الوطنية العراقية نتيجة التصاعد التراكمي للوعي الوطني والمجتمعي الحديث في العراق، وساهم فيها مجمل العراقيين من الحضر والعشائر ومن مختلف المناطق بصورة تكافلية عابرة للفئوية والطائفية والإثنية.

إن هذا التباين الواسع بين اهتمام الاستراليين الكبير برمزية يوم الأنزاك كعيد وطني يشكل ركناً مهماً من هويتهم الوطنية مقارنة بلامبالاة العراقيين بذكرى ثورة العشرين على أهميتها التاريخية السياسية والاجتماعية كما أسلفت، هو في الواقع انعكاس لنجاح عملية بناء الأمة في استراليا عبر الاحتفال بالسردية الوطنية وتعثرها بالنسبة الى العراق.

فبالنسبة الى استراليا، بدأ الاحتفال بذكرى يوم الأنزاك منذ 1916، حينما كان مقتصراً على المسيرات الاستعراضية التي خفت الاهتمام الشعبي بها مع تقدم الأيام بحيث كانت جمعيات المحاربين القدامى في الستينات من القرن الماضي تخشى تلاشي الاحتفال بهذه المناسبة. إلا أن الوضع تغير بصورة كبيرة في التسعينات بعد أن ازدادت أعداد المهاجرين من غير البريطانيين الى استراليا إذ أصبحوا يهددون الهوية الوطنية الاسترالية وارتباط الدولة الاسترالية المتجذر بتحالفها مع بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية. عندئذ وخاصة في فترة حكم رئيس الوزراء الأسترالي المحافظ جون هاورد، تم تأسيس وزارة خاصة لشؤون المحاربين القدامى التي عملت على إنفاق الملايين من الدولارات من خلال إعادة كتابة المناهج والفعاليات الدراسية وبناء المتاحف والنُصُب التذكارية وحملات التوعية المجتمعية وبرعاية خاصة من رئيس الوزراء. فأدّت عملية بناء الأمة هذه ليس فقط لإعادة الاهتمام بالأنزاك كيوم تاريخي في حياة الأمة الاسترالية بل كيوم وطني مقدس يتوافق حوله الاستراليون من مختلف فئاتهم ويرمز الى عظمة الأمة الاسترالية من خلال الحروب التي يشارك فيها الاستراليون لدعم حلفائهم الأقوياء حتى لو كانت بعيداً عن الوطن الأسترالي وتخدم أهداف جدلية لا يتفق حولها المجتمع الأسترالي.

في مقابل ذلك لم تستأثر ثورة العشرين بالاهتمام الرسمي من الدولة خلال العهد الملكي رغم استمرار الاهتمام الشعبي والثقافي بها بسبب أنها لا تعزز شرعية العرش الهاشمي وطبقة الضباط الشريفيين الحاكمة الذين لم يشاركوا في الثورة، بل فضّل الحكم الاحتفال بيوم اعلان ثورة الشريف حسين – والد الملك فيصل الأول - على الدولة العثمانية كيوم وطني عراقي سُميّ بعيد النهضة العربية. أمّا بعد تأسيس النظام الجمهوري في 1958، فقد تبنى الخطاب الرسمي للدولة أن ثورة 14 تموز هي امتداد لثورات الشعب المتوالية ضد الاستعمار وعملائه والتي كانت بدايتها في ثورة 1920، حيث تم إحياء ذكراها لأول مرة بمهرجان جماهيري ضخم في 30 حزيران 1959 شاركت فيه القوى السياسية المؤتلفة في جبهة الإتحاد الوطني. إلا أن هذا الاهتمام الرسمي خفت أيضاً مع الزمن، في حين تصاعد اهتمام الأنظمة الجمهورية المتعاقبة بالاحتفال بذكرى الانقلابات التي أوصلتها الى السلطة والتي عدّتها اليوم الوطني للعراق لإضفاء الشرعية على تلك الأنظمة.

أما الآن وبعد تصاعد الانتماء الوطني نتيجة ثورة تشرين في 2019، فيمكن لثورة العشرين أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية الجامعة بوصفها أهم المحطات المضيئة في الذاكرة التاريخية الوطنية وفي مسيرة الأمة العراقية نحو التوحد والاستقلال. فهي تختصر تشكل الوعي الوطني للعراقيين في حدثٍ يجمع بين تكافل العراقيين فيما بينهم وتسطير ملاحم البطولة في سبيل تحقيق الإرادة الوطنية في الاستقلال.

فتكافل العراقيين تمثّلَ في تنظيم حزب حرس الاستقلال – الذي ضمّ وطنيين من الشيعة والسنة والكرد - لاحتفالات “المولد التعزية” التي ابتكرها العراقيون للجمع بين شيعتهم وسنتهم كنوع من العصيان المدني ضد الاحتلال ساهم فيه أيضاً اليهود والمسيحيون العراقيين. كما تولّت الكفاحَ المسلح ضد الاحتلال العشائرُ العراقية بمختلف طوائفها واثنياتها مع العسكريين العراقيين بقيادة جمعية العهد، كل ذلك كان تحت راية السعي في سبيل استقلال العراق وتأسيس دولته الوطنية. كما شهدت هذه الثورة تأسيس أول حكومة عراقية وطنية في كربلاء رفعت أول علم عراقي بالإضافة الى سابقة تأسيس حكومة محلية في النجف بمجلسين أحدهما تشريعي والآخر تنفيذي.

أما ملاحم البطولة في ثورة العشرين فسأكتفي بذكر البعض منها مثل معركة الرارنجية التي حارب بها رجال العشائر ببسالة بالفالة والمكوار والخنجر وانتصروا فيها على الرتل البريطاني، حيث انتشرت الهوسة العراقية المعروفة “الطوب أحسن لو مكواري” حين تمكن أحد الثوار أن يقتل رامي مدفع البريطانيين ويعتلي المدفع ويطلق هذه الهوسة، إلا أنه أصيب بمقتل بعد ذلك مباشرة. أما معركة القطار فقد قاتل فيها الثوار بضراوة رتل البريطانيين المنسحب من الديوانية على الرغم من الهجوم عليهم وعلى القرى في جوار سكة القطار بالمدفعية والطائرات، فاستغرق القطار 11 يوما لقطع 85 كيلومتر وتكبد البريطانيين فيها خسائر كبيرة.

وكان للنساء العراقيات حصتهنّ من أدوار البطولة هذه – يطلق عليهن “العماريات” لقوة اصواتهن وموهبتهن في اثارة الحماسة للقتال – مثل زوجة ثعبان المهدي زعيم الجبور التي سقطت قتيلة في معركة الزرفية بعد أن حسرت حجابها وشهرت فأساً دخلت فيه بين المقاتلين لتثير فيهم النخوة. وكذلك الفتى بعمر 11 سنة من قبيلة طفيل الذي التحق بجيش الثورة في الهجوم على مدينة الحلة واستولى لوحده بعد معركة بالسلاح الأبيض على رشاش حاول إرجاعه الى رفاقه لكنه جُرح برصاصة فوقع أسيراً. كما كان لأبناء حواضر العراق نصيبهم من أدوار البطولة، مثل موقف عبد المجيد كنه العضو في حزب حرس الاستقلال الذي أنقذ بعض رجالات الثورة من مداهمة البريطانيين لبيوتهم في بغداد وهربهم ليلاً الى المناطق المحررة في الفرات الأوسط، وكان يعمل على تأسيس جناح مسلح لدعم الثورة، إلا أن سلطة الاحتلال قبضت عليه وأعدمته شنقاً بعد محاكمة عسكرية سريعة.

إن ثورة العشرين لها كل المقومات لتتصدر المكان اللائق لها بكونها يوماً وطنياً مشهوداً يمكن أن يجتمع مختلف العراقيين حوله كأهم المحطات في مسار تأسيس الأمة العراقية السياسية الواحدة التي نسعى الى ترسيخ مفهومها في وجدان المجتمع العراقي، والتي يمكن أن ترفد الهوية الوطنية العراقية الجامعة بالذاكرة التاريخية المشتركة المتضمنة لمعاني التكافل المجتمعي والبطولة عبر التضحية بالنفس من أجل التحرر الوطني والاستقلال من التدخل الخارجي. كما إن الثراء الثقافي المرتبط مع أحداث ثورة العشرين عبر الشعر والقصص والاهازيج والاساطير يمكن أن يعمل على تعزيز الثقافة الوطنية وترسيخ الصورة الإيجابية عن الأمة العراقية التعددية والمتكاملة للأجيال المتلاحقة.

تعليقات الزوار

  • محمد العزاوى

    طريقة رائعة للربط بين الأحداث اتخذها الكاتب مع تباين الشعوب..وسيلة إيصال معلومة ناجحة يشكر عليها الأخ كاتب المقال تنم عن ثقافة وإمكانية عالية..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top