فقدان المفكر التنويري العصامي..  نكبة مضاعفة *

فقدان المفكر التنويري العصامي.. نكبة مضاعفة *

د. حسين الهنداوي

عن وفاة جابر عصفور يصدق القول أن وفاة أي مفكر تنويري حقيقي كطه حسين في مصر او علي الوردي في العراق،

تضع الثقافة التي يمثلها في لحظة من القلق العميق خشية المراوحة في نفس المكان وفى نفس البيئة الذهنية بسبب عوامل الزمن وقوة تراث النسيان، بل وقد تضعها امام خطر النكوص وخسارة المكاسب المحققة بفضل نضالات شاقة، لأننا بفقدانه نبدو كمن يفقد جيلا كاملا سعى صوته كي يكون امينا وقويا وصانعا لحالة من النشاط والحيوية في الثقافة والمجتمع لا سيما وان هؤلاء الراحلون كما قال الراحل جابر عصفور مرة «لن نستطيع تعويضهم في ظل الآليات الثقافية الموجودة لأن أدوات الإنتاج الثقافي وهى التعليم ومؤسسات الثقافة العامة والإعلام أراها عاجزة عن إنتاج مثقفين في نفس مستواهم، من حيث النضج بحيث يواصلون الطريق ولن أقول نفس رسالتهم ولكن على الأقل يرسل رسائل تؤكد وعيه بحركة العالم وواقعه وتتسم بالشجاعة والصراحة”

طبعا ينبغي الاستدراك فورا ان الثقافة العربية لم تتدهور ومازالت بخير، وعلى مستوى الإبداع ايضا، فمازال هناك مفكرون يواجهون وكتاب وفنانون يبدعون بشكل جيد، وان كل ما حدث أن وفاة المفكر التنويري هي خسارة كبرى لن تعوض بسهولة خاصة في مجتمعات لا تعترف بالمفكر الا بعد رحيله.

والحال اننا بحاجة ماسة الى اعلاء الفكر التنويري في حياتنا الأدبية والاجتماعية والسياسية ايضا مادامت المعركة تبدو من جديد على أشدها مع نزعات التخلف والظلامية العائدة بقوة وعدوانية الى حياتنا وبدون تحصينات تنويرية قوية او دفاعات متينة او حركات اصلاحية جادة تذكر. ولذا، فالحاجة الى أفكار تجديدية وجريئة ومستندة الى المنهج العقلانيّ النقدي هي اول ما يقفز الى الذهن عند تذكر جابر عصفور وقبله على الوردي وطه حسين والعديد سواهم الذين تموضعوا سلفا كأبرز روّاد التنوير في عالمنا العربيّ المعاصر. معاركهم الادبية والفكرية وحتى الحياتية لم تكن كثيرة بل كانت يومية تقريبا مع خصوم من رجال السلطتين الدينية والايديولوجية الذين يفضلون دائما ان يتصرفوا كأعداء مدججين بالقسوة والغدر والمكر لشل حركة الفكر النقدي الحر.

واليوم أيضا نحن بحاجة الى العقلانية والى مواقف العقول التنويرية في الفكر والادب والسياسة. ومنها مواقف الدكتور جابر عصفور الذي فرض نفسه بعقلانيته الجريئة علما من اعلام الثقافة العربية المعاصرة فضلا عن كونه استاذ وكاتب ومثقف ومرجع في الثقافة العربية، وفي الفكر التنويري خاصة وهو نعت أكده بقوة وحاول تأصيله في ثقافتنا معتبرا عن حق ان كلمة التنوير انتقلت مع حركة انتقال فلسفة ابن رشد الى اوروبا، وملخصا مبادئ العقلانية بانها ببساطة تحكيم العقل في كل شيء لا اكثر ولا اقل وهذا تحديدا ما فعله ابن رشد في فصل المقال وما فعله المعتزلة من قبل.

ويرى عصفور ان رفاعة رافع الطهطاوي هو اول من بسط الفكر التنويري، وبعده خير الدين التونسي لكن تلك الجهود لم تؤت أكلها الا لاحقا والى الآن وما حدث من انتفاضات معاصرة هي ترجمات او اشارات الى تلك العقلانية التي لا تبحث الا عن العدل والتقدم البشري، ولا ريب فان على مجتمعاتنا ونخبنا ان تختار اما ان تسير في المستقبل على طريق التنوير او ان تبقى في الانتظار خارج اطار العقل.

لقد كان الراحل/ جابر عصفور من ذلك النوع النادر من المثقفين الاستثنائيين: سعةً في الاطلاع، وبذلًا للجهد، ووقوفا على حافة الخطر. إنه استمرار للتقليد التنويري الذي أرسى معالِمَه رواد التنوير في الثقافة العربية المذكورين وغيرهم. ومثلهم كان جابر عصفور فاعلا ثقافيا تنويريا منذ بداية الثمانينيات، وترسّخ دوره التنويري هذا منتصفَ التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم.

يحتل الهَمُّ/ الاهتمام التنويري محورا مركزيا في نشاط جابر عصفور الكتابي والإداري/ المؤسساتي. فهو منذ بداياته الأولى التي افتتحها بالدراسات الأدبية والنقدية الأكاديمية بحكم التخصص، انحاز إلى التنوير ممثلا في الاهتمام بدراسة رمزه الأكبر/ طه حسين. فظهرت دراسته المُوسّعة عن طه حسين بداية الثمانينيات بعنوان (المرايا المتجاورة، دراسة في نقد طه حسين)، ومن ثَمَّ عَقَد وشارك في عددٍ من المؤتمرات والندوات والدوريات عن تراث طه حسين.

وعلى الرغم من أن جابر عصفور ناقد أدبي بحكم التخصص الأكاديمي، الذي لم ينقطع حتى السنوات الأخيرة من حياته، إلا أنه كان وبالدرجة الأولى ـ مثقفا تنويريا موسوعيا قبل أن يكون ناقدا أدبيا. وهذا ما تدل عليه عناوين كتبه التي جمع فيها ما كان ينشره في الدوريات والصحف على امتداد أربعة عقود.

فمن أشهر كتبه في هذا المجال: “محنة التنوير”، “دفاعاً عن التنوير”، “هوامش على دفاتر التنوير”، “أنوار العقل”، “ضد التعصب”، “نقد ثقافة التخلف”، “الرواية والاستنارة”، “للتنوير والدولة المدنية”، “الرهان على المستقل”، “نحو ثقافة مغايرة”، “مواجهة الإرهاب”... إلخ. فهو حتى عندما يكتب عن الأدب والأدباء يستحضر الهدف التنويري كمحور مركزي لديه.

لقد كان جابر عصفور من المؤمنين بالانفتاح الثقافي إلى أقصى مدى؛ رغم كونه مثقفا تراثيا بامتياز. فالبدايات الأولى له أكاديميا ـ رسالتي الماجستير والدكتوراه ـ كانت من داخل الحقل التراثي (“الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي” و “مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي”). وهو وإن استمر مشتغلا بالتراث؛ إلا أن اشتغاله به لم يكن انغلاقا عليه، بل استثمارا حداثيا له، وتأصيلا هُويَّاتيًا لإمكانية التواصل التفاعلي مع الآخر؛ ليكون تواصلا إبداعيا خلاّقًا يُنتج/ يُبدع الجديدَ، عوضَ أن يستبدل التقليد التراثي بتقليد آخر.

لهذا، عندما تولى منصب “الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة” بمصر عام 1993 واستمر فيه حتى عام 2007 (= 14 سنة)، كان قادرا على التواصل مع كل أطياف الثقافة، لا في مصر وحدها، بل في العالم العربي

برحيل الناقد والمفكر جابر عصفور، انطوت مشاريع عدة كان يعمل عليها بدأب، من دون أن يتأثر باعتلال صحته خلال السنوات الأخيرة من حياة أمضاها في التأصيل لقيم فكرية وثقافية مهمّة. بل في مواجهة تنويرية مع تنامي التطرّف «العربي»، لا سيما في كتبه «قراءة النقد الأدبي» و»زمن الرواية» و»مواجهة الإرهاب: قراءات في الأدب العربي المعاصر.

ولا ضرر في التأكيد هنا ان بداية اطلاع الدول العربية على الأفكار السياسية الغربية الحديثة ومنها الحرية والمساواة ورفض أنظمة الحكم المطلق والاستبداد والاستعباد، والاستقلال السياسي وفصل الدين عن الدولة يعود الى القرن التاسع عشر كما تعكسه كتابات عدد من رواد النهضة العربية الحديثة كـ»تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة الطهطاوي، و”أقوم المسالك في معرفة الممالك» لخير الدين التونسي ومقالات جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في “العروة الوثقى”، ومفكرون وكتاب زاروا أوروبا وعادوا حاملين تصورات عميقة وإيجابية عن مجتمعاتها وانظمتها السياسية والتربوية ومعلومات تفصيلية عن تقدم وحيوية مؤسساتها الادارية وقوة وفاعلية تياراتها الديمقراطية والتنويرية الصاعدة المتمسكة عموما بفصل الدين عن الدولة ونيل العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز اجتماعي او ديني. من جانبه سعى عبد الرحمن الكواكبي (1849–1903) في كتابيه “طبائع الاستبداد” و”أم القرى” الى ان يعالج بصورة أساسية ظاهرة الاستبداد في العالم الإسلامي وان يستنهض المسلمين لتحقيق تقدمهم الحضاري من جديد.

المرجع الديني الاسلامي الاعلى في النجف مطلع القرن الماضي آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الخراساني (1853-1911)، كان هو الآخر رائدا سباقا في ادانة انظمة الاستبداد في العالم الاسلامي دون تمييز اقليمي او مذهبي، وفي الدفاع عن ضرورة الدولة الدستورية المدنية الحديثة، معارضاً بقوة لفكرة ولاية الفقيه في السياسة وتولي السلطة من قبل رجال الدين، اذ طالب أن يكون الدستور مكتوبا ثابتا ومنصوصا عليه بما يمنع الحاكم من الاستبداد وخلعه اذ اقدم على التفرد في السلطة وجعله مقاليدها بيد دائرة من المقربين والمحسوبين والموالين، ودعا منذ 1905 الى ان يكون مجلس النواب مرشحا ومنتخبا بنزاهة من قبل الشعب على ان يكون ممثلا حقيقا له وليس مجرد بطانة من الجهلة والطبالين والمنتفعين الانتهازيين. كما دعا الى محاربة الاستعمار الاجنبي وحماية الاستقلال الوطني. وقد توفي الشيخ محمد كاظم الخراساني (المشهور بإسم الآخوند الخراساني) في ظروفٍ غامضة بل مريبة بينما كان عازماً على السفر الى تفقد مناطق تعرضت الى هجمات من جيوش روسية وبريطانية في خضم الاستعدادات للحرب العالمية الأولى، اذ اعتبر في عصره من أشهر مراجع الدين القائلين بمشروعية دولة مدنية دستورية منبثقة من الشعب مباشرة وليس من الفقه وهو ما عرف به تلميذه محمد حسين النائيني (1869-1936) صاحب الكتاب الكبير «تنبيه الامة وتنزيه الملة» الذي صدر في عام 1909، والذي لعبت آراؤه دوراً مهماً في تعزيز وجهات نظر أنصار حركة الدستور آنذاك.

* ورقة بمناسبة الملتقى الدولي «جابر عصفور.. الإنجاز والتنوير»، المنعقد في القاهرة الاسبوع الماضي بتنظيم من المجلس الاعلى للثقافة في مصر بالتعاون مع مؤسسة العويس الثقافية في الإمارات، ومشاركة كتاب ومفكرين من 15 دولة في مقدمتها العراق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top