الفنان الإيطالي موراندي..صورة صادقة عن معنى الحياة للموجودات اليومية الصامتة

الفنان الإيطالي موراندي..صورة صادقة عن معنى الحياة للموجودات اليومية الصامتة

روما: موسى الخميسي

في صالات (كاليري ماتيا دي لوكا) التي تعتبر، أبرز كالريات روما المخصصة لكبار الفنانين في العالم،

افتتح معرض للفنان الإيطالي “جورجو موراندي” اقامته وزارة الكنوز الثقافية بالتعاون مع مركز بحوث جورجو موراندي في مدينة بولونيا. أربعون عملا زيتيا مع مجموعة من اللوحات الغرافيكية والتخطيطات. يستمر المعرض حتى نهاية شهر تموز القادم.

الفنان الراحل (جورجو موراندي 1890-1964) والذي لا يزال وإلى يومنا هذا العديد من الكاليريات في العالم الأوروبي تعرض أعماله وبكثافة ملحوظة، تمثل أعماله العديد من الأساليب المتعددة ابتداءاً من واقعيته الأولى ومروراً بانضوائه تحت لواء المستقبلية الايطالية، وخروجه منها بعد أن انحرفت أهدافها بعد أن وقعت تحت واجهات الواجب القومي الذي نهض به التيار الايديولودجي للجماعات الفاشية، وحتى استقراره على أسلوبه الأخير في رسم الطبيعة الصامتة للاواني والقناني، والتي وجد نفسه من خلالها جزءاً لا يتجزأ من الواقع اللانهائي المحيط به، إذ بدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وأعلان الجمهورية الايطالية، يصارع هذا الواقع من خلال يومياته البسيطة والعادية، فكانت المواجهة هي الخروج من طور (الخلق) الى التسجيل، إذ اكتشف بهذه الطريقة اندماجه كلية بالواقع، وهي حالة لا يمكن وصفها بأنها خالية من الحياة على الاطلاق، لأن الهدف الذي اختاره لنفسه كان واعيا، بل كان «موراندي» يشعر بأنه أرقى أشكال الوعي التي يمكن للفرد ان يبلغها ما دامت تجسد الاحساس الكلي ب-»أنا» الفنان.

وكان «موراندي» يعبر عن هذه الحالة بكل وضوح في كتاباته ورسائله الى اصدقائه من الفنانين فهو كان يشعر بأنه يحتوي الانسانية بأسرها من خلال ذلك السحر الصوفي في رؤية تلك القناني بأحجامها المختلفة وهي أمامه، تتحول وتتبدل، وتتغير بألوانها وظلالها وهي تخضع لسيطرة الانسان التي هي بالنسبة له «نافذة» اسطورية متفردة استطاع ان يطل من خلالها على العالم، وهي على حد تعبيره «الملجأ» الذي باستطاعته أن يحتضن وجوده الكلي.

قد يجد العديد من متبعي الفن التشكيلي بأن أعمال «موراندي» هذه لا تعدو أن تكون مجرد مطابقة لا تتجه الى الادهاش الفني، فهي تحمل التكرار والطبيعة الفوتغرافية، إلا أن مثل هذه الآراء لم تعد تنتمي الى مفاهيم عصرنا الحالية، هذا العصر الذي بدأ يزيح عنه كل أطر الضيق والجمود، فالفن أصبح اليوم مجرد مسألة فردية بحته، فكما قال غوته بأن (مطلب اليوم... هو مطلب العصر) وهذه المقولة تعتبر قانوناً للفن الانساني في كل العصور، فالفنان الأصيل قادر على ان يضفي على عوالمه الفنية مضامين جمالية جديدة وفي أي وقت وزمان وذلك لأن التجديد ليس شيئاً مصنعاً، فلا يمكن أن يكون هذا التجديد بالتقليد، لأن المشهد الانساني يتغير وتتغير لغته، والمعاصرة التي ينادي بها العديد من النقاد لا يمكن أن تكون هدفاً نهائياً للفن، بل هي وسيلة، ففي الوقت الذي رسم فيه الفنان الفرنسي الخالد «ديلاكروا» لوحته العظيمة (الحرية تقود الشعب) كانت بمثابة تعبير عن ذكرى تلك الثورة الفرنسية والتي لا يمكن تكرارها في العصر الفرنسي الحالي، فإن كرر أي فنان أوروبي، مثل هذا التوجه الثوري، فإنه يشير الى نفسه بالابتذال والشكلية والافتقار، وانقطاع صلته بالواقع، كما أنه لا يمكن في الوقت ذاته تجديد الدعوات التي نادى بها أصحاب (الواقعية الاشتراكية) بأن ما يتدفق على أوروبا من اتجاهات فنية جديدة، ما هي إلا ردود فعل مريضة لأناس يعيشون في عالم بلا مستقبل، ولا يحمل مثلاً عليا أو حباً للانسان أو الحياة. إذ جميع الاتجاهات في الفن تكفلت بحرية الابداع الفني، وتقبلت كل ميادين التفسير الفني للحياة، ولا يمكن أن تكون أسلوباً أو نهجاً واحداً دون سواه قادراً على احتواء حرية الابداع لوحده، لأن من شأن ذلك أن يعكس فهماً قاصراً ولا يتسم بأي واقعية، حتى ان مقولة (التحزب) باعتباره أرقى أشكال الانتماء الطبقي، أصبحت هي الأخرى تثير الشكوك الكبيرة في حرية الابداع ليس في الفن، بل وفي الحياة أيضاً فهي لا تسمو بالفرد وحريته.

إن أعمال الفنان (موراندي) تتسم بالواقعية، وقبول هذا الأسلوب من الواقعية يعني اتساع الرؤيا والرغبة في المضي نحو رؤية فنية جديدة صادقة، ذلك لأن الصدق يرتبط عند الفنان بنظرته للأشياء وتمثله لتراثه القومي واختياره للغته التصويرية. إن عملية (الخلق) بصيغها التقليدية التي اعتاد العديد منا على سماعها، لا يمكن لها أن تنقد الفنان، إذا لم يكن هناك صدق عميق في المشاعر التعبيرية، فكل شيء مهم في عمل الفنان، الخط والتخطيط، وضربة الفرشاة، ومعالجة الكتلة، وبناء السطح... الخ فالواقعية لا تزحف فوق سطح الاشياء والظواهر، بل يمكن رؤية جميع جوانبها وروابطها التأريخية والوجودية في جميع ما يخرج من ريشة الفنان، لأن القناعة والصورة هما قلب الفنان، وهما قانونه الفني وصرحه. فالجمال موجود في كل مكان، فهو يستمر برؤية البيوت وقناني (موراندي) وخطوط المترو، والميادين وعيون الناس، والقرميد الأحمر الذي يغطي الكاتدرائيات. كل ذلك يصلح لأن يكون حافزاً لكل فنان على الابداع، وما يرسمه (موراندي) هو جزء عضوي من تكوينات حياتنا، فكما قال (اناتول فرانس) (ليس هناك شكلان للفن تطبيقي ورفيع).

لقد عبر العديد من الفنانين في كل أنحاء العالم، وفي حقب تأريخية مختلفة عن أفكار إنسانية شاملة قريبة وعزيزة على البشرية. إلا أن الزمن الحالي افترض بأن يكرس كل فنان عمله وأفكاره ومشاعره باللغة التي يختارها هو، لأن أحد المبادئ الاساسية في العمل الفني تقول بأنه يقوم على التقاليد، لكن كل فنان يتبع التقاليد السائدة في حياة مجتمعه بصورة عمياء لا يمكن له أن يصبح فناناً حقيقيا.

إن الواقع الحقيقي وموجوداته اليومية يمكن أن يكون التربة الاصيلة التي تنبع منها مادة الفنان. كما أن هذا الواقع يعكس من ناحية أخرى فكرة الطبيعي في حالة اعتماده الصورة الصادقة والحقيقية من الواقع.

والفنان عادة يقوم باختيار الكثير من الظواهر المتغيرة الضرورية من أجل توضيح أهدافه ويقوم بتعميم العديد من الظواهر الذاتية، ذلك لأن الحقائق الفنية تتطلب تصوير الصفات الأساسية المميزة بما فيها الصفات العضوية والظاهرية للحياة، وهذا ما أكد عليه (موراندي) في إعطائه صورة صادقة عن معنى الحياة لهذه الموجودات اليومية الصامتة. ومن موقعها الحقيقي وأهميتها الجمالية بين مجمل وقائع وحوادث الحياة، كما أنه ربط ما بين هذه الموجودات ومنطقها الداخلي، فقياس أصالة نتاج الفنان (موراندي) يجب أن تكون على أساس عمق صدقه الفني من ناحية، وعلى أساس تلك الحقائق الفنية وصفاتها الأساسية المميزة.

لقد نظر (موراندي) إلى أعماق الروح الإنسانية من منظار يختلف كلية عن العديد من الفنانين في محاولة للتفريق بين طبيعة الإنسان، وبين جميع الاشياء التي تحيطه من الخارج بمقدرة قوية، وحيوية لاستيعاب وفهم العالم، بمعنى آخر مقدرته على صيانة وتنمية شكل الشيء داخل نفسه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top