مستقبل الأمن الاجتماعي: تداعيات عقد إجتماعي جديد

آراء وأفكار 2022/07/05 11:11:15 م

مستقبل الأمن الاجتماعي:  تداعيات  عقد إجتماعي جديد

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

تطالعنا الانباء يوميا بإن مجتمعنا العراقي يتعرض إلى مخاطر وتحديات قد تهدد مستقبل الأمن الاجتماعي مع كل التداعيات السلبية المتوقعة للامن “الفردي والجماعي” في كافة حقول الحياة.

الامر الذي يدفعنا لإعادة صياغة مفهوم الامن الاجتماعي في إطاره ومضمونه الشامل بصورة وضح بعض جوانبها الباحث محسن باقر محمد صالح الموسوي: “يكفل (الامن الاجتماعي) كل الجوانب الامنية التي يحتاجها الفرد في مجتمعه. أمنه على نفسه من الاخطار المحدقة به. وأمنه على ماله من اللصوص وشركات السطو والاحتكار. وأمنه على عائلته وأبنائه وبناته من الثقافات المستوردة والمعلبة بإشكال مغرية. وأمنه الغذائي بمواجهة عوامل التخريب الاقتصادي ومكافحة البطالة المستشرية.” إن الانتصار الساحق على داعش وتحرير ما يقارب من ثلث اراضي العراق مكن العراق من الوصول لمرحلة مشرقة يفترض معها أن تعزز الوحدة الانسجام والتآلف الوطني بين العراقيون بمختلف أطيافهم عبر مساحة العراق الجيوستراتيجية خاصة كون الجميع يرنو للعيش معا في ظل مناخ آمن مجتمعيا واقتصاديا وثقافيا بعيدا عن كل ما يجري من إنقسامات سياسية أو ايدولوجية أوتقاليد وأعراف مجتمعية عفى عليها الزمن “الدكة العشائرية، الثأر القبلي وغيرها”. علما بإن ما يقع يوميا من أحداث مؤسفة تصيب المجتمع المدني العراقي بأضرار جسيمة ينبأ عن صور مآساوية أنسانيا تتمثل بأختراق نسيج المجتمع العراقي بقصد إضعافه معها يحتاج معها العراق إلى تأسيس عقد إجتماعي جديد تسوده المشاركة السياسية “الديمقراطية الحقيقية” الفاعلة في ظل من العدالة الاجتماعية وإتساقا مع الفرص المناسبة لأدارة البلاد وفقا للحكم الرشيد Good Governance من خلال الانفتاح الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة بصورة تجسد حقيقة نتائج الانتخابات الاخيرة التي خاضها العراقيون في العاشر من أوكتوبر 2021 والتي اعتمدها المجتمع الدولي باعتبارها الاكثر نزاهة برغم قلة نسبة المشاركة الشعبية (مايقارب 35‌%).

لعل من أبرز التحديات التي تحتاج لمواجهة حكومية ومجتمعية شاملة تلك التي تبين أهمية متابعة مسار المواجهة الجادة للمخاطر الامنية التي يتعرض لها شعبنا في الداخل ابرزها أنحدار منحنى المسار البياني لأحترام حقوق الانسان وعلى رأسها الحق الاصيل في البقاء على الحياة ما يتطلب من السلطات الحكومية المعنية تفعيل أرادة سياسية وأمنية فولاذية لمواجهة كل انواع الارهاب والعنف منعا للاعتداءات المتكررة على فئات من نخب شعبنا منها مثلا الطواقم الطبية والتدريسية والتي وصلت لحد الجرائم الخطيرة ذهب ضحيتها عددا من الاطباء والتدريسيين وغيرهم من أصحاب المهن والكفاءات المتخصصة التي بفقدانها يخسر العراق نخب مميزة علميا “ثقافيا- أكاديميا”. خسارة جسيمة تضاف لخسائر بشرية متخصصة سابقا. من منظور مكمل لازالت بعض النزاعات العشائرية والقبلية خاصة في مناطق وسط وجنوب العراق تصل لحدود حمراء لايمكن السكوت عنها وبالتالي تحتاج لمعالجات جذرية بدءا من منظور آمني – أستخباري، إلى آخر أجتماعي – اقتصادي أوإعلامي – ثقافي “توعوي” يمنع أو يحجم نشوب نزاعات عشائرية مسلحة تستخدم السلاح المتوسط بل وربما الثقيل الذي من شأنه أزهاق أرواح العشرات.

مظاهر أخرى تسترعي الانتباه وتحتاج لمعالجة إستراتيجية حازمة تتمثل بتصاعد حالات الانتحار، الطلاق والانفصال وكذا الامر الخطير الغير مسبوق ممثلا بأنتشار آفة المخدرات التي تسير وفقا لمنحنى خطير بين شرائح متنوعة متعددة من شعبنا خاصة فئة شباب العراق المعول عليهم في بناء عراق حديث.هذا وينسحب الامربصورة تدمي القلوب على أطفال العراق الذين يعيشون حاليا أوضاعا مآساوية من امراض مستوطنة في ظل جهل سائد وفقر مدقع تنذر حالات كهذه بتصاعد المخاطر الامنية المجتمعية التي قد تضاعف من حجم ومساحة الاجرام في العراق. صورة مجتمعية يراد لها أن تكون جميلة مشرقة محملة بالامال الجميلة ولكنها على العكس من ذلك ترينا مسارا قاتما أنسانيا يخرق بإستمرار الجسد الاجتماعي – السياسي مهددة المنظومة القيمية – الاخلاقية – السلوكية - المجتمعية التي عرفها العراقيون في مراحل الزمن الجميل (الخمسينات إلى السبعينات) في ما يمكن أن نعرفها بظاهرة حافة الهاوية Brinkmanship التي يصعب بنائها مجددا على أسس سليمة. إذ أن بناء الانسان صحيا، عقليا وفكريا بشكل سليم مسألة حيوية تحتاج منا جميعا شعبا وحكومة الحفاظ على مصالح المواطنين جميعا من خلال تفعيل آليات متطورة تجسدها شبكة واسعة من جهود حيوية مادية ومعنوية. من منظور مكمل لابد من توافرأدوار مجتمعية لاتقل أهمية تنهض بها منظمات المجتمع المدني – الانساني يفترض أن تجسر فجوة عدم الثقة السائدة بين الشعب والحكومة من أجل إعطاء جميع افراد المجتمع فرصا متكافئة بعيدا عن أي تمييز او أقصاء لاسباب غير مبررة قانونيا او قضائيا. جهودا تشكل بمجوعها زخما وحراكا سياسيا مجتمعيا بل وأستراتيجيا مؤثرا أقتصاديا وتقنيا هدفه بناء منظومة صلدة للامن الاجتماعي بجميع مستوياتها وتفصيلاتها الهيكلية تأصيلا لدور العراق الحضاري الذي نرنو لتحقيق ولو جزء يسير من أنجازاته التاريخية. الاصل أن ينحو تفكيرنا وسلوكنا نحو بناء دولة في شكلها ومضمونها مدنية حضارية تمتلك طبقة سياسية جديدة مسؤولة تعمد لإستغلال جاد ومفيد لخيرات العراق التي لو أحسن استخدامها فعليا لأنعشت موازنات وإقتصادات دول متعددة.

حاليا مثل هذه الخيرات والموارد القائمة على اسس الدولة الريعية (عوائد النفط) لا تسهم إلا بالقليل ماديا ومعنويا في بناء مجتمع ودولة “عراقية” يحسب حسابها في أطار معادلة توازن القوى أقليميا ودوليا برغم من القيام بمحاولات حكومية حيوية مرحب بها للانفتاح الخارجي المنشود المستدام. إن تعددية العراق ممثلة بطيف واسع من الفئات المجتمعية توصف ب”شدة ورد ريحها طيب” لابد من الحفاظ عليها بل وتنميتها أنسانيا بكل الطرق والوسائل الممكنة أوغير المتصورة. من هنا، على أهل الحل والعقد أن يعترفوا بأن الانتماءات والهويات الثانوية “طائفية، عرقية، قومية، عشائرية، جهوية” رغم أحترامنا وتقديرنا لها لايجب أن تعلو على حساب مصلحة العراق الوطنية التي يمكن فقط إن أحسن التدبير أو بلورة “الحكم الرشيد” أن تسهم بإحداث نقلة نوعية “ثورية” في ترتيب أسس عقد أجتماعي جديد يليق بالعراق والعراقيين.. إن افتقاد الامن الاجتماعي يعني بالضرورة افتقاد الامن بصورته الكلية وبجميع ابعاده على الصعد الاقتصادية – المالية – الثقافية – العلمية – التقنية والتربوية - البيئية والاعلامية. ولعل أكثر الفئات تضررا هي فئة المحرومين والفقراء التي بحاجة للمزيد من الرعاية المجتمعية والخدمية الشاملة التي يفترض أن تبصر النور عقب عطلة عيد الاضحى المبارك من خلال حكومة خدمية تنهض بخدمات اساسية منها اولا: في مجالات الصحة السعي الحثيث لتكثيف حملات التلقيح لكوفيد -19 أوغيره من الاوبئة والامراض المعدية وغير المعدية خاصة بعد أن تصاعدت ارقام الاصابات كثيرا في الاشهر الماضية وثانيا: في حقل التعليم ضرورة استقطاب شريحة الاطفال مابين ال7 إلى 16 عاما للعودة مجددا لمقاعد الدراسة عقب تركهم لها ما يوفر مساحة مهمة للقضاء على الامية والجهل، فهل سيتحقق كل ذلك فعلا؟. علما بإن غياب المحاولات الجادة في تلبية مثل هذه الاحتياجات والمطالب الاجتماعية – الحياتية تعني أن مستقبل الامن الاجتماعي غير متيقن منه وقد يحمل مزيدا من المآسي الانسانية. من هنا أهمية أن يتحقق تصاعد كبير في الانفاق المالي لتلبية الاحتياجات المجتمعية في الموازنة المالية للعام 2022 مخصصا لنفقات الرعاية الاجتماعية للاسر الفقيرة والمعدمة والنازحة التي تصاعدت أعدادها بصورة غير مسبوقة منذ 2003 الامر الذي يقتضي تفعيل منظومة الانذار المبكر عن الازمات الاجتماعية. من الاجراءات الاخرى التي نراها عاجلة ضرورة الاهتمام بعوائل ذوي الهمم أو الاحتياجات الخاصة إهتماما متميزا كي يمارسوا أدوارهم الايجابية في خدمة بلادهم دون أي تمييز يحد من تفعيل دورهم الاجتماعي – الاقتصادي – الثقافي – العلمي والتقني.

أن درجة النجاح في خلق مجتمع عراقي متماسك وقوي تعتمد على مدى تمكن النظام السياسي العراقي من خلق واقع سياسي جديد تقوم عليه طبقة سياسية جديدة تدرك طبيعة المخاطر الامنية الداخلية والخارجية الناجمة بالضرورة عن تآخر العراق في مواكبة مسيرة التنمية الانسانية الشاملة والمستدامة.

من الحيوي إذن أن تفعل أرادة سياسية حازمة تتابع بشكل حثيث كل تفاصيل الصورة الكلية للمجتمع العراقي ومايحدث فيه من تغييرات سلبية أو إيجابية توجب القيام بحملات سياسية - مجتمعية جادة لمكافحة كل الآفات والامراض المجتمعية من خلال إعتماد آليات فاعلة تتكيف مع روح العصر مؤسسة لعقد إجتماعي جديد يبشر بالخير للعراقيين حيث يتحمل الجميع مسؤولية صناعة القرار والاستجابة السريعة لمعالجة الازمات وتداعياتها. كل ذلك يجري برغم تصاعد ايرادات النفط التي وصلت مؤخرا لإرقام عالية جدا من عوائد النفط (11.5 مليار دولار في شهر حزيران)، لاتوجه نحو الاستثمارات المنتجة أو نحو مشاريع التنمية الانسانية المستدامة بقدر توجهها نحو الانفاق على الموازنة التشغيلية (60 أو أكثر بالمائة) أو لسد عجز الدين الداخلي (50 مليار دولار) أو الخارجي (25مليار دولار). علما بإن الموازنة الاستثمارية للمشاريع الانتاجية المتطورة لازالت دون مستوى الطموح بكثير. يضاف إلى كل ذلك أهمية التخلص من منظومة الفساد الاداري – السياسي والاقتصادي وصولا لمرحلة تؤسس للشفافية وللمحاسبة الحقيقية لرؤوس الفساد الكبيرة التي أهدرت أموال الدولة مع كل التداعيات السلبية والخطيرة على مجتمعنا ماديا ومعنويا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top