عـونَـكِ يــا روح الـمــاءْ

عـونَـكِ يــا روح الـمــاءْ

ياسين طه حافظ

 

الأقنان يصلّون

ها هنا أتوقف، هذا الخفيُّ المضيءْ

كيف ادخل معبده وأنا

قد خرجت من منقعٍ بعدُ لم اغتسلْ

ابهذا العظيم الذي أبداً تشتعلْ

سيدٌ للمروءة انتَ، الكريمُ أقصى الكرَمْ

واهبٌ انت للنِعَمْ

نقدح في ظلمه روحي «تعالْ»

وأنا أيها المتعالْ

تثقل خطوي الجلابيبُ أجوب بها

وعثارٌ يسلّمني لعثارْ.

خاشعاً أطلب العفو منكَ

حتى يلامس رأسيَ يردَ الرخامْ

« إرفع الرأسَ،

مَلومٌ ولا إثمَ،

خبزك مرٌّ وعمرَك تحمل إبريقكَ

هم يغسلون الاكفَّ،

تلك الأكفُّ مغموسة للرسُغ.

متعبٌ أنت،

تعالَ، تعالْ!»

ايها الوهجُ الصلبُ، يا أيها الأبدُ المزدهرْ

ايها المورق كلَّ الفصولْ،

أتقولُ تعالْ؟

أنا يا سيدي من يريد المثولْ!

سيدي انت تعرف هذي السلالات

تَوارَثُ طوقَ قنانتها

وانحناء الرؤوس إلى العشب والوحلِ

فما عرفته، جمال الحياة، ولم تذق الكبرياءْ.

رحمةُ، أملاً يا سماءْ!

هو هذا الوباء الذي يفتك بالخلق

فهم شائهون ولا يعرفون طريقاً نظيفاً

ولا يبصرون ضياء

والمصائرُ تلك التي نعرف الآن

ومن يولدون غدا يعرفون.

ابهذا العظيم الذي لا اراه

كل صحبي هناك يموتون فوق السباخْ

وترانا، تراهم،

بغير قبورٍ وغير رثاء .

رحمةً،

أملا يا سماء!

****

عونكِ يا روحَ الماء

عونَكِ يا روح الماءْ

وخيوطاً خضراً من زمن تسبح عالقةً في الشطآن

أعيننا خذلتنا، لا عذرَ فقد أخطأنا الرؤية حَينْ

لم تأبهْ بالعشب اليابس، بالأشجار أحترقت

بالناس المنسيين

وسماء زرقتها تجرحها صلبانٌ سودٌ ومسامير

والثلج يودّع ماضيَهُ مرتحلاً لله حزينْ.

عونكِ

كل الماء هنا أخلى للملحِ مكاناً ومضى

بقيت شطآن بيضْ،

بقي الخوف يلاحقنا، بقيت آمال لائذةٌ

أن نلقى عنقوداً يتدلى، خطفة أرنب مهزومٍ

عزنوق خطأً حطّ هنا.

هل يخبرنا عن دنيا كان بها ام سيطيرُ

إلى أهليه ليخبرهم عن أرض شاسعة وبلا احدِ؟

أولئك ناس جمودا في مركبهم،

ماذا نفعل نحن المختبئين

تفتك بالكون رياح باردة ،

وتخض نوافذنا فبضات التنين؟

ما سيقوله من يأتي الأرضَ غداً ويرى

جدراناً متشققة وجسوراً ساقطةَ

ويرى بشراً بجلود يبست وحلازبناً مفترسات

تتراكض فوق الأرض السوداء...،

ويراني معتكفاً كاليربوع على المكتبِ،

هل سيقول :

هو مركبه، حاول أن ينجو، لكن أين البحرُ

وأين الماء؟

*****

وهي مدفئة هرمة

في الضباب الخفيض استدرنا

تركنا الجزيرة خلف زوارقنا،

رحلة في الهلام ولا من يرى في الغشاوة مرتحلين

المخاليق مهزومة أبداً من مصائرها

وتعود مهدّمةً تنحني لها.

أنه الليل يدنو

والسفائن تحفل بالأرجوان تعودُ

إلى شاطي نحن نعرفه ليس يعرفنا.

ما يزال السواد مقيما كما هو يومَ ارتحلنا

وكما نحن يوم ارتحلنا

نرصد الباب نخشى اقتحام سقيفتنا

ونهز الرؤوس لمدفئة هرمه.

هل نظل ندور بحومتنا، لا ضياء يلوح لنا؟

نجمة طلعت في البعيد

ولكنها اسفاً لا تضيء لنا.

أنا أذكر تلك الجزيرة، لكنها ابتعدت

وأنا مثلما طائر فرّ...، لم يستطع ،

سأشيخ هنا!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top