علي لفتة سعيد: الرواية قد تكون صورةً متخيّلةً يبحث عنها القارئ

علي لفتة سعيد: الرواية قد تكون صورةً متخيّلةً يبحث عنها القارئ

يرى أن الذين قرأوا الأدب الغربي لم يستطع الكثير منهم التخلّص من(عقدة) الخواجة

حاوره/ علاء المفرجي

أديب متعدد الاهتمامات.. يكتب في اغلب الاجناس الادبية.. ربما ابدع وبحسب النقاد في السرديات والشعر وكانت لديه حصة من الرسائل والأطاريح الجامعية،

إنها مسيرة تمتد لأكثر من 45 عاما أنتج خلالها 30 كتابا في الرواية والقصة والشعر والمسرح والنقد.. الأديب الشامل علي لفتة سعيد الذي وصف نفسه حين سُئل عن تعدّد هذه الاهتمامات من أنه خياطٌ ماهر، حين تأتيه الفكرة التي وصفها بأنها تشبه قطعة قماش فإنه يخيطها بحسب نوعها وليس بحسب الإقحام، لكي لا يولد الإنتاج مشوها.. والأهم هي طروحاته التي يبثها في مقالاته الثقافية وآرائه في الحياة والثقافة والتي ربما تكون ليست جديدة ولكنها ليست مكرورة أو معادة، بل فيها شيء من الجدية.. ولهذا فإن الحوار الذي أجريناه معه تركّز ليس على هذه الآراء التي تتبعناها والخاصة بالنقد والرواية بعيدا عن الاسئلة التقليدية التي تتكرّر معه في كل حوار.

 في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الثانية طرحت مصطلحًا أسميته (بنية الكتابة ) والذي تحوّل لديك الى ثلاثة كتبٍ نقدية في الشعر والقصة والرواية.. ماذا أردت أن تقول في هذا المصطلح؟

- إن بنية الكتابة ,ليست مصطلحًا علميا.. بل هي اجتراحٌ لرؤيةٍ خاصة , ونعني بها عملية تنظيم العمل على وفق أنساق سردية, تشير إلى نمطه ومن ثم إطلاق التسمية عليه على أنه عملٌ ينتمي إلى إحدى المسميات الإبداعية، ومن خلال ربط الأجزاء أو المستويات السردية المكوّنة للعمل يكون الإنتاج قد برز بشكلٍ ناضجٍ وقابلٍ لقطاف المتلقّي، إن ما نقصده ببنية الكتابة: هي متابعة أثر ما يشكله المبدع في عملية ترحاله التدويني لفعل الكتابة الذي أنجزه وقدمه إلينا كونه منجزا إبداعيا واستخلاص الأدوات بعد تحديد مستوياته السردية من أجل الوصول إلى فهم العملية الإنتاجية / طريقة التدوين التي سار عليها الكاتب، بعيدا عن مدلولات الفكرة (الموضوعة/ الثيمة) المستخلصة مما تطرحه الأفكار من حيثيات العمل (الحكائية)..أو لنقل بعيدا عما جاء في النصّ من أحداثٍ أدّت الى ترابط المستويات.. لأن الفكرة متروكة للمتلقّي في تقبّل واقعيتها ورفض خيالها أو العكس. بمعنى آخر إن البنية الكتابية هي مراقبة الأنساق التدوينية والمواد الأولية كمستوياتٍ داخلة في الإنتاجية وبالتالي رسم حدود الاشتغال وفك ارتباطاته المعلنة.. داخلين إلى بنياته عبر الدلالات والمدلولات لاستخراج العلائق السردية التي انطلق منها المبدع في كتابته. وقد توصلنا في قراءاتنا المتعددة إلى النتاج العام.. إن المستويات السردية المستخلصة في البنية الكتابية بعد كشفنا عن الأنساق التدوينية كانت كالآتي (مستوى تصويري) و(مستوى إخباري) و(مستوى تحليلي) و (مستوى قصدي) وكذلك (مستوى تأويلي) و( مستوى فلسفي)

 لكن ما ذكرته ليس بجديد فهي مستويات معروفة للمتلقّي والناقد والأديب؟

- بكل تأكيد، نحن نعيش في زحمة واحتشاد المصطلحات.. والعالم ينتج لنا في كلّ يوم مصطلحًا، والترجمة ليست مواكبة لنا في إيصال ما يزرع هناك لينمو هنا، بل نحن نأتي بالناتج المورّد إلينا وقد انتهى مفعوله الإنتاجي.. كما في البنيوية مثلا.. فضلا عن كوننا بيئة لا تقبل لمن يفكّر أن يأتي بشيءٍ جديدٍ بحجّة أن لا جذور ثقافية لنا، وأننا لا يجوز لنا مخالفة ما تم طرحه من مفكّرين أوربيين، بما يصطلح عليه (عقدة الخواجة).. لذك فأنا حين أطرح فكرةً جديدة، عليّ أن أدخل لها من مصطلحات الآخرين أوّلًا لتكون قريبةً من فهم المتلقّي ولا يتعب في البحث عن مخرجات التأويل، والثانية حتى لا يأتي الناقد المتزمّت الذي يعيش العقدة أن يبدأ بتفكيك السلبيات. لذلك طرحت الأمر على هذا النحو (بنية الكتابة) كونها قريبة الى البنيوية التي أعتقد أنها موجودة في كلّ الكتابات، وايضا للمستويات الستة، فإني أردت أن تكون ايضا مفهومةً حين اجترحتها لكي تكون مقبولة.. ولم أغيّر إلّا بالمستوى التصويري الذي هو أقرب الى المستوى الوصفي، لكني رأيت أن التصوير في الكتابة أقرب، لأن الكاتب عليه أن يصوّر المشهد بالكلمات ليكون أكثر قربًا من حالة التلقّي.

 لكنك طرحت ايضا في المدة الأخيرة ما اصطلحت عليه (الادب الغاضب) ونشرت بيانا له وربما هو كتاب سيصدر قريبا.. هل هو رؤية جديدة؟

- أنا لا أقرأ لكي اتمتع.. لذلك أرى المتلقّي يفكّر مثلي ولا أعني القارئ.. ولأني أقرأ الأدب العراقي أوّلًا ثم العربي وبعد ذلك الأجنبي لكي لا أخرج إلّا من بيئتي.. الذين قرأوا فقط الأدب الأجنبي لم يستطع الكثير منهم التخلّص من(عقدة) الإبداع الأجنبي، ليحاول مغازلة الطريقة التي يكتبون فيها، فيكتب مثلهم لكنهم يقعون في (مستنقع) التأثير السلبي.. لأن البيئة مختلفة والتجربة مختلفة، لذا علينا أن لا نغادر بيئتنا ولغتنا و(لعبتنا) لكي ندرك أين ستكون خطوتنا.. لذا فأنا كنت أقرأ بتفحّصٍ كامل الإنتاج العراقي بكثرة والعربي وما وقع بين يدي.. ولأن الكتابة بحد ذاتها هي صنعة فعل لفكرة ما.. هي مفعول جديد لفعل المخيّلة.. هي لعبة لإنتاج فعل قادر على الإتيان بأفكار جديدة.. لكني وجدت أن الكتابات الجديدة وإن كانت إنتاجًا مغايرًا وأكثر دهشة أو جرأة، لكنها لا تصنع فعلًا، بل هي كتابة بردّة فعل.. وهذه جاءت من فعل الواقع العربي بما أطلق عليه الربيع العربي, نعم هناك حرية تستوجب إنتاج نصٍّ جديد يواكب المرحلة الجديدة التي نعيشها سواء بالعراق أو الوطن العربي.. لكنه نصّ حمل الجرأة وليست الفكرية فحسب، بل هي ردّة فعلٍ لفعل الواقع سواء الواقع الماضوي أو الواقع الراهن، لأن منتج النصّ هو فردٌ من المجتمع.. يتأثّر بشكلٍ مباشرٍ وغريب أيضا في حالةٍ تحدث داخل مجتمعه.. وهنا أقصد المنتج المبدع وليس السطحي.. وهو ما حصل في أغلب الروايات التي ضمتها مناقشة الأدب الغاضب الذي نشرت بيانه.. وربما هو مصطلح نقدي عربي مثل مصطلح النص الديستوبيا أو ما بعد الكولونيالية وغيرها.. ولهذا فإن على الأديب العربي أن يصنع فعله, لأن ردّة الفعل التي كانت أحد أسبابها الحرية وغياب القمع السلطوي ومحاولة ردّ القهر الذي عاشه الأديب في زمن ما من أزمان الطغيان العربي سواء في هذه الدولة او تلك.. لأن هذه الردّة لن تدوم مثل شاعرٍ كتب دوما عن الحصار أو الحرب وحين انتهى كلّ شيء ضاع النص ونسي.

 نراك دائما تكرّر مفردة المتلقّي وتميزّها عن القارئ.. هل هناك حدود أو اختلاف بينهما؟

- نعم هناك قارئ وهناك متلقٍ للأدب.. القارئ الذي يبحث عن راحةٍ فكريةٍ وقضاء الوقت مع (حكاية) أو قصّةٍ مشوّقةٍ أو يبحث عمّن يقول نيابةً عنه من الأدباء ما لم يستطع قوله.. وهو قارئ لا يتعب مع النصّ في التفسير والتأويل والبحث عن اللعبة التدوينية والأاهداف والمقاصد، ولا يبحث عن الفكرة الأساسية، بل يبحث عن الهدف المباشر وهو ما أصفه ( يقرأ وراسه على الوسادة) من أجل الامتاع الشخصي لكنه قارئ مهم. لأنه إن غابت دهشة الكتاب والمتعة فيه فانه لا يكمله.. أما المتلقّي فهو الذي يفكّر مع منتج النص، يقرأ وهو جالس على منضده ورأسه باتجاه الكتاب.. يبحث عن الفكرة الأساس والمناقشة التي يريدها المنتج.. أي أنه المشارك في التحصيل النهائي لحاصد الكتابة وهدفها ومراميها.. هو المتلقّي المتقدّم .. وقد يكون هذا المتلقّي قارئ متقدّم وايضا هو الأديب وحتى الناقد.. لأنه هو من يصل الى مكامن النصّ واللعبة وتدهشه الحكاية أو المفردات فحسب، بل كل ما يحمله النص من عوامل البقاء بالفكرة والتأويل والقصد وحتى فلسفته.

 في مقالاتك الأخيرة بدأت تكتب في العناوين( اللعبة التدوينية ) وتذهب الى تفكيك النصوص السردية والشعرية، هل تحوّل الأدب الى لعبة؟

- نعم.. الكاتب منتجُ نصّ، وما أقصده بالكاتب هو من تمرّس على الكتابة الإبداعية، ولذا فإنه يجيد إنتاج نصّه سواء كان سرديًا أم شعريًا وحتى كاتب المقال والصحفي.. بمعنى أنه تخطّى مرحلة الموهبة الى مرحلة الإنتاج والاحتراف. ولذا فإن من أولى علامات الاحتراف هي القدرة على ايجاد الفكرة ومن ثم الإنتاج وإدارة الصنعة.. وهو بهذا يجيد صناعة النص وكيفية إخراجه الى المتلقّي المتربّص به واقصد المتلقّي المحلّي بما فيهم النقاد.. لأننا نعيش في وسطٍ لا يرحم إن وجد النصّ غير مكتمل الأوجه، لم تكتمل أدوات صناعته.. وكل هذا لأن الإنتاج يعتمد على مواد أولية وهي الحكاية وطريقة التدوين والممارسة الفعلية في الإنتاج، ولذا فإن الفكرة حتى تصل الى المتلقّي تحتاج الى مقدرةٍ على فهم اللعبة التي تنتج لنا النصّ، كون المنتج لا ينتج مادةً واحدةً لها شكل واحد أو ثوب واحد وقالب واحد ولغة واحدة وفكرة واحدة وحكاية واحدة، كأيّ مادة استهلاكية، لكي تمضي آلته الإنتاجية بالتتابع ليكون النصّ آليا متشابها. بل هو في كلّ مرّة ينتج نصًا مختلفًا وعليه أن يفهم اللعة المناسبة للفكرة التي تجعل المتلقّي قريبا منه، قادرًا على الوصول الى لحظة الدهشة التي تمنحه فرصة فهم كلّ عوامل الإنتاج.. اللعبة التدوينية لا يملكها إلّا من كان مبدعا في حقله الإنتاجي ويفهم (اللعبة ) الأدبية بكلّ تأكيد.

 تردّد دائما إن الكتابة السردية خاصة ليست حكاية.. وكتبت أكثر من مقال في هذا الاتجاه.. ألا يعد هذا النوع السردي يعتمد على الحكاية بالدرجة بالأساس؟

- نعم.. وكما أوضحت أن من يقود اللعبة الإنتاجية عليه أن يفهم أن اللعبة لا تعمد على الحكاية.. الكثير من الكتابات التي نقرأها وكأنها وعضية أو فيها حكم أو قصة اجتماعية أو حتى نصّ ما بعد الغضب كردّة فعل. ولكن هذه الآن لم تعد مقبولة، الرواية مثلا لم تعد مجرّد حكاية، رغم أن الحكاية هي العمود الفقري لأيّ نص حتى لو كان شعرًا أو مقالةً صحفية أو حوارا، بل أن المتلقّي يريد أن يفهم المقاصد.. أن دهشه بأنك تتحدّث عنه وله، و تريه ما لا يراه، أن تناقشه بشيءٍ جديد قد يكون غرائبيا، لأن المتلقّي اليوم يختلف عن الأمس.. مثلما اختلفت أدوات التعبير واللغة والمجتمع وأدوات التواصل الاجتماعي والوعي الثقافي ايضا.. المجتمع الآن غير المجتمع في الستينيات مثلا، الفرد الآن عيارة عن مجموعات محتشدة ومضخّمة من المعلومات سواء منها السياسية أو الدينية أو حتى الاجتماعية، وعليه لا يراد أن تنتج حكايةً تقود الأشخاص والصراع, بل أن تحمل فكرة داخل الحكاية.. أن تصنع عالمًا موازيًا للواقع وتنفخ فيه من روحك الإبداعية ولعبتك الانتاجية, وسبق أن قلت إن الكتابة ليست حكاية قد يملكها الجميع بلا استثناء، حتى الطفل الذي بإمكانه (يحكي/ يسولف) حكاية من عندياته، فينبهر بها البعض وبطريقة حكايتها، خاصة إذا ما وضع لها عقدة الصراع والتفاعل أو ما يمكن أن نطلق عليها الصفة الدرامية. ولكن هل يكفي هذا أن يمتلك منتج الأدب الحكاية فحسب؟ ان الإجابة هنا تأتي من تطوّر المجتمعات سواء من ناحية الوعي الثقافي أو الإطلاع الجديد، وفق التقنيات الحديثة. لذا على المنتج ألّا يعتمد على التلقّي العاطفي لنصّه، لأن العاطفة بقاء مرحلي.

 يقال ان الرواية الان هي المتسيّدة.. ولكنك تطرح نقاطا توضح أسباب هذا التسيّد من أنه ليس نتاج فعل الرواية، بل اسباب أخرى؟ هل ترى أن القصة والشعر من وجهة نظر ناقد، جنسان لهما من البريق الكثير؟

- نعم ، وهي ليست في وليدة اليوم. الرواية منذ أن دخلت المجال العربي في بدايات القرن الماضي للتفاعل بشكلٍ كبيرٍ ما بعد منتصف الخمسينيات وهي تأخذ حصتها مع بداية الألفية الجديدة في العراق مثلا.. لأن القصة والشعر كانا أساس الإبداع العراقي.. لكن تسيّد الرواية كونها تحمل القدرة على صناعة المخيّلة والصور، ولا تحتاج الى فهمٍ عميقٍ كما القصّة مثلا أو النصّ الشعري الذي يعتمد على الايحاء مثلا.. الرواية قد تكون صورةً متخيّلةً التي يبحث عنها القارئ.. هذا أولّا وثانيًا إن الرواية أكثر مقبولية في المجالات الطباعية لدور النشر التي تفضلها على الأجناس الأدبية كونها مقبولة ويقبل عليها مختلف القراء الذين يتأثرون فضلًا عن الرغبة في الاطلاع الهادئ والدهشة وقرب الرواية من عالمهم أو جزء من عالمهم، فانهم يتأثّرون بالإعلام والإعلان والكتابات النقدية فضلا عن المسابقات التي تجري هنا وهناك والتي تأخذ الحيّز الأكبر من اهتمام وسائل الإعلام التي توصل الخبر والأثر الى القارئ أكثر من اهتمامها بالمسابقات الأخر، بدءا من جائزة نوبل الى البوكر الى كتارا الى نجيب محفوظ والطيب صالح وغيرها من المسابقات في هذه الدولة أو تلك.. مما جعل تسوبق الرواية يكون أكثر من أيّ جنسٍ أدبي آخر، ولكن من الناحية الأخرى فإن إنتاج القصة والشعر أكثر من الرواية.. فلا يكاد يوم يمر دون إصدار مجموعة شعرية أو قصصية هنا وهناك، بل لا نكاد نرى صفحة ثقافية تخلو من هذين الجنسين.. ولكن الاعلام يسلط ضوءه على الرواية لأنها تخلق عالمًا موازيًا لعالم القارئ.

 يقودنا الأمر الى سؤال آخر حيث سبق لك أن قدمت تعريفًا للرواية.. هل هو تعريف جديد مخالف لما يمكن معرفته لدى النقاد الآخرين؟

- أنا لا أدّعي أني أقدم شيئا جديدًا، ولكن أفكر وأقول ما أؤمن به، سواء كان جديدًا أو هو تطوير لما قيل، أو البحث عن الأسباب والمسبّبات الجديدة. فلا يجوز البقاء بانتظار أفكار الآخرين الجديدة أو ننتظر الترجمات التي تصلنا لكي نبني عليها آراءنا.. فلنا أفكارنا ايضا، شرط أن نؤمن بها وأن يكون الآخر الناقد المتأثّر ألّا يكون قاسيًا حين نضع تعريفًا أو نجترح مصطلحًا، بحجّة أن هناك عوامل تفكيرية تسبق إيجاد المصطلح أو حتى الرأي.. هناك عملية مصادرة لكل ما هو محلّي.. ليس فقط (مطربة الحب لا تطرب) بل عن القبول بالاستماع أصلا والمناقشة والتفحّص. لذلك فإن آراء الآخرين مبنية على الأثر والتأثّر ، وعملية التأثير غائبة، إلّا من يطرح رأيًا من خارج البيئة، ليكون له أثرًا تسبقه المقولات والضخ الإعلامي.. فلو كان عبد الله الغذامي عراقيًا أو الجابري لما تم قبول آرائه.. لكن التأثير والتأثّر سبق وصول كتابات العرب، فتحوّلوا الى ناقلي الأثر لأنفسهم وكأنهم وجدوا ضالتهم.. وهذه حقيقة ليست سبّة بقدر ما هي حالة تأشير لواقعنا ووصفٌ لضعفنا أمام ما يطرحه الأخر.. لذلك نرى أن كتاباتنا لها أثر في المتلقّي غير العراقي لأنه ايضا العربي يعاني من ذات الموضوعة (مطربة الحي) فينزع الى قبول الآخر كونه غريب عن بيئته.. لذلك حين طرحت تعريفًا للرواية في مقال لي وضمّنته في كتابة ( بنية الكتابة في الرواية العربية) ، لم يقل به أحد بل تم اهماله.. بل الاعتراض عليه كونه لم يصدر من مفكّر أو باحث غربي له ممارسة نقدية فاعلة.. وقلت في هذا التعريف أن (الرواية ماهي إلّا كتابٌ حافلٌ بأجزاء المتناقضات والمتّفقات، وجامعٌ لأجزاء الدروس المختلفة للعلوم الأخرى، وحاملُ قصدياتٍ يراد منها تخويل الذات بمخاطبة الآخر من زاويةٍ غير منظورةٍ أو من خلال خطٍّ وهميٍّ يتّصل بالصفحات وينتهي بفهم المغزى, ومداعبة العقل واستغلال طاقاته الفيزياوية، لتكوين فعلٍ أخّاذ يتحرّك كحركة الذرّات التي تتلاقح لإنتاج خاصيةٍ فلسفية لها أبعاد تشويقية) واعتقد أنه مخالف او مجاور لطروحات الاخرين أو على الاقل اعر انه تعريف جاء بجهدٍ تفكيري خالص.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top