كلاكيت: صالات مدينتي التي رحلت

علاء المفرجي 2022/11/09 11:55:47 م

كلاكيت: صالات مدينتي التي رحلت

 علاء المفرجي

بين المدينة والسينما، كان لزاماً عليَّ ان اختار لموضوعي هذا شكل هذه العلاقة، بالطريقة التي اعشق فيها السينما كخيار مهني.. والطريقة التي أُقدس بها بغداد انا ابن كرخها.. فعمدت ان اطرق اكثر من شكل لهذه العلاقة، اشكال ارى انها تشير الى المكان والفن.. بغداد والسينما.. هي ليست على اية حال اشكال اخترعها، بل هي اشكال اقترحها.. عسى ان تفلح بتجسير هذه العلاقة.. واستميحكم عذراً ان لمستم انني في ورقتي اُفرط في ابراز ذاتي في موضوع ربما يبدو عاماً.

تختزن ذاكرة البغداديين للسينما (افلاماً، وعروضاً وقاعات) تقاليد وطقوسا، لا اُغالي ان قلت انها لا يمكن ان تكون إلا في بغداد.. ذلك أن قدر هذه المدينة ان تكون متضررة في كل شيء.. فبغداد تعاطت مع هذا بشكل مختلف تماماً عن غيرها.

واسمحوا لي ان اسقط تجربتي الذاتية مع السينما في صورتها وتاريخها في المدينة على الاقل في العقود الاربعة الماضية.

والخطوة الاولى تبدأ في نهاية الستينيات، صبي يحث الخطى بصحبة أخيه الاكبر الى سينما قدري في منطقة الكرخ وهي الصالة التي انشأها قدري الارضروملي الرجل الكرخي البغدادي الثري والتي حملت اسمه قبل ان تتحول بداية السبعينيات الى سينما بغداد.. وهي القاعة التي تعرض افلاماً سبعة تعرضها في صالات شارع الرشيد والباب الشرقي خاصة افلام الويسترن.. وهو ما كان حصة هذا الصبي الكرخي فيها وهو يشاهد احد هذه الافلام (القطار الاخير ) الذي جمع اثنين من ابرز نجوم السينما يوم ذاك (كيرك دوغلاس، و انتوني كوين) لتبدأ رحلة استكشاف لما تخفيه القاعات المظلمة او قاعات الاحلام كما يسميها رولان بارت..

وقاعات العرض في بغداد لا تعتمد على عددها او توزعها في اماكن هي على الاغلب في قلب المدينة.. بل في تخصصها في انواع الافلام التي تعرض بما يشبه اتفاقاً غير معلن بين اصحاب هذه الدور.. فسينما غرناطة كانت قد تخصصت في عروض الافلام الاجنبية ذات المستوى الفكري والفني الراقي.. وربما هي من احتكرت افلام النجم الفرنسي الن ديلون.. ومازلت اتذكر مشاهدة اهم فيلمين له بصحبة عبقري الاداء الفرنسي جان كابان (رجلان في مأزق) و(الارملة) والاخيرة ما كانت ولا سيمون سينوريه احد عبقريات السينما الفرنسية.. وبالطبع في غرناطة حاولنا ان نتقصى اسرار اغتيال المعارض المغربي (المهدي بن بركة) في الفيلم الفرنسي (الاغتيال).. وليس بعيداً عنها كانت سينما الخيام التي تخصصت بعرض افلام (الويسترن)، واذكر من هذه الافلام (الجندي الازرق) الذي مازلت اراه الفيلم الافضل في تناول موضوع الحرب الاهلية الامريكية، وايضاً بشاعة اليانكير...

وتختزن الذاكرة لصالة سمير أميس في شارع السعدون افلاماً اقترنت بنضوج الوعي السياسي بداية السبعينيات مع افلام مثل (Z) و (ساكو فانزبني) و (الى البوليسي مع التحيات) وهي افلام كانت تشحذ الحماسة فينا في الايام تلك.. وتستقر سميرأميس في ذاكرتي كونها آخر قاعة ادخلها لمشاهدة فيلم نهاية الثمانينيات وقبل ان تكتسحنا الفوضى في كل شيء.. وكان فيلم (حناك) لكوستا غافراس، الذي ما كان ليسمح بعرضه في ذلك الوقت لولا انتصاره لـ (القضية المركزية!).

ثم نتوقف عند سينما بابل التي تخصصت بمنهاج اسابيعها المختلفة وخاصة (اسبوع الفيلم السوفييتي) الذي كان يتكرر كل عام تقريباً.. ومازلت اتذكر مشاهدتي في هذه الصالة للانشودة السينمائية المعجزة (مخيم الغجر يصعد الى السماء) بتوقيع اميل لوتيانو.. عن احدى روائع مكسيم غوركي.

وعلى مقربة منها سينما النصر والافلام العربية الكبيرة.. وحدثها الأهم صيف عام 1973 عندما جعلتنا وجهاً لوجه مع النجم الذي نحب، كمال الشناوي وهو يفتتح عرض احد افلامه في بغداد.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top