ولي حاجة عند العراق وأهله

آراء وأفكار 2022/11/30 11:42:11 م

ولي حاجة عند العراق وأهله

عبدالله حبه

" القسم الثالث"

لقد أحب غائب طعمة فرمان وثمن الأدب الروسي منذ أيام الشباب. وحدث أن إرتبط به برباط وثيق خلال نصف حياته بصفته مترجما له الى اللغة العربية.وعاش غائب بموسكو 30 عاما(من عام 1960 الى عام 1990) وبقي مخلصا لجذوره الوطنية ولغته الأم التي كان يفكر ويكتب بها مؤلفاته المكرسة الى وطنه والناس البسطاء فيه.

لكنه قد "ترونس" كما يقال، و شاء القدر أن ترتبط حياته بروسيا أكثر من غيره، وتوغل في تاريخها الروحي وثقافتها، وكشفها ليس من أجل ذاته فقط، ولكن يمكن القول بلا مبالغة، من أجل ملايين الناس في العالم العربي، بفضل عمله الدؤوب طوال أعوام طويلة بصفة مترجم الأدب الروسي ولاسيما الروائي.

تمت دعوة غائب للعمل في الإتحد السوفيتي من قبل دار " التقدم " وإتحاد الكتاب السوفيت ووصل الى موسكو في صيف عام 1960. وفور وصوله بدأ يتعلم اللغة الروسية ، وبعد فترة قصيرة بدأ بترجمة أعمال الأدب الروسي والسوفيتي (سادت هذه التسمية للأدب في الفترة السوفيتية). وصادف نشاطه في الترجمة أعوام الستينيات المعروفة حيث بدأت " فترة الدفء " الخروشوفية التي سرعان ما ولدت الآمال في تحسن المناخ الإجتماعي والتغيرات الإجتماعية الديمقراطية، ولو إنها لم تتحقق. وقد إنعكس هذا الجو من الحماس والبحوث الإبداعية بأفضل شكل في أعمال الكتاب من رعيل " الستينيات"، الذين جرت الأحاديث والنقاشات والتقييمات لها، بصفتها تجربة في تفهم الأدب وطرح الإنتقادات للمشاكل الآنية والحادة في المجتمع، وذلك إنطلاقا ليس من المواقف الإيديولوجية، بل من وجهات النظر الإنسانية والبشرية العامة، مما كان يعتبر من وجهة نظر السلطات الرسمية تراجعا عن الأحكام اللازمة ونشرا للنزعات الإنهزامية.

من المعروف أن الترجمة تتطلب مهارة رفيعة وعملا دائبا ومصداقية. وبالأخص ترجمة الأعمال الأدبية التي كان غائب يمارسها خلال عشرات السنين. وهذا قطاع خاص يتطلب ليس معرفة اللغة فقط، بل التوغل بعمق في النص (وما وراء النص!)، وكذلك الحس المرهف للإسلوب بصفته نوعا من التأثر والإنفعال والتوغل في تركيب لغوي غريب. إن التجذر الطبيعي في اللغة، وفي الإسلوب، وفي التربة وما تحت التربة، من الصعب نقله بصورة عفوية الى لغة أخرى. ولهذا ليس من قبيل الصدف أن كانت الترجمة توصف دوما بأنها الخدمة والعمل الشاق الذي يشبه تنسك الرهبان. وكان على حق من قال: إن من يعمل في الترجمة يعرف ما هي الأشغال الشاقة. وفي الوقت نفسه إنه عمل مقدس وروحي وعريق في القدم.

يجب على المترجم أن يتحسس اللغة والكلمة ودقة الكلمة والمهارة في إستخدام التعابير وكثير ا من الأشياء الأخرى من أجل أن يكون عمله " ترجمة أدبية رفيعة " حسب قول كورنيه تشوكوفسكي. يجب إتقان تقنية عمل الكاتب، حين تكون ثمة حاجة ليس الى الحرف بل الى روح الأصل. إن جمود الإسلوب يقود الى الفشل، ويقضي على المبدع.

والشئ الرئيسي في هذا المجال التعرف على صواب روح الأصل ، وكان غائب بالفطرة صاحب إسلوب رائع، ولكنه عمل كثيرا، ودرس المصادر الدراسية وكتب اللغة. وكان يترجم بعد التوغل عميقا في النص. وبغية تحقيق الدقة كان يصحح الكلمة عدة مرات إعتمادا على عدة قواميس باللغتين الروسية والإنكليزية. إن قواميسه مليئة بالهوامش والتعابير التي يحاول تطويعها وإستخدامها في عمله. كما كان يكتب في المفكرات، كقاعدة، ليس الملاحظات بل الكلمات، وكان لديه العديد من هذه المفكرات. وكان يطالع كثيرا ولاسيما الأدب الروسي، ولو أنه في البداية كان يترجم من اللغة الإنكليزية. وقد أتقن اللغة الروسية في الدروس التي كان يتلقاها في البيت مع معلمة تعمل في دار النشر. وكما لاحظت فإن طريقتها في تعليم اللغة ليست من أفضل الطرق. لكن غائب كان يحصل على ما هو بحاجة إليه في عمله. وبعد مضي فترة تخلى عن الدروس، وواصل تطوير لغته بجهده الشخصي في سياق عملية الترجمة.

كانت الترجمة بالنسبة الى غائب مدرسة طور فيها تحسس اللغة وصياغة وشحذ مهارته كمترجم. لكن كان هذا عمله الرسمي. ولم يكن حرا في إختيار المؤلفين والكتب التي يترجمها. علما إن موقفه من المؤلفات الواجب ترجمتها لم يكن واحدا البتة. وتمت ترجمة كتب كثيرة لإعتبارات سياسية او أنها ذات مواضيع سياسية وإجتماعية. وكان بوسع غائب أن يتابع كيف يضطر الكاتب للتكيف مع أحكام النظام الشمولي الذي يتطلب من الكاتب إبداء الولاء للإيديولوجية الرسمية. علما إن بعضهم كان يتعاطف بصدق معها. وقال لي أكثر من مرة إن الشر العالمي يتجسد قبل كل شئ في عصر الشمولية بالسياسة، ولابد أن يمسه الكاتب. وبهذه الوسيلة فقط يمكن أن يرى المصداقية التاريخية التي يصبو إلى تفهمها والى إظهارها للناس. لكن هذا لا يعني إن التعامل مع السياسة يقتضي دعم إيديولوجية النظام.

حقا، إنني لا أتذكر النصوص التي كان غائب يهملها. وكان النص يبدو أحيانا وكأنه أعد خصيصا للترجمة: النثر بسيط وواضح وسهل. ومع ذلك فإن عمل الإنسان الموهوب غالبا ما يكون عملا " شاقا" ، وبالأخص بالنسبة الى الكاتب الذي يتمتع بصوته الذاتي. وقد كتبت ماريا س. بتروفيخ ، وهي شاعر جيدة، ترجمت الكثير من الكتب " حينما لا تتوغل التراجم في الروح...يعجز الكاتب عن الإبداع في عمله».

لقد صمد غائب لمصيره، ولو أن من المحزن الجزم أحيانا بأنه لم يقيض له أن يحيا بحرية. ولعل إن العزاء يكمن فقط في أن عمله فتح عالما جديدا للشعوب العربية، ووحد الناس – فقد كان يرى في ذلك بالذات حقيقة وجوهر أدب ليف تولستوي الذي كتب مرة:"إن عملنا شئ فظيع. ولا يعرف ذلك أحد غيرنا «.

في أعوام الستينيات صدرت التراجم الأولى لغائب فرمان. وكانت من المؤلفات التي عكست وجه روسيا المتغير (كانت ما تزال تشكل الإتحاد السوفيتي) والآمال في مستقبل أفضل لها، ومنها رواية يوري جيرمان " القضية اتي تخدمها " وروايات ي. تريفونوف وأ.بريستافكين وف. اكسيونوف وأ. كوزنتسوف وغيرها. وعلى سبيل المثال أشير الى دانييل جرانين، اللينينجرادي، التي كانت مراحل سيرته تتألف من الدراسة في المعهد التكنولوجي والعمل في مصنع كيروف وقيادة سرية دبابات في أثناء الحرب والعمل في معهد للبحوث العلمية، وجاء الى الأدب بهذه الخبرة. وقد حاز على الشهرة بعد صدور روايتيه " الباحثون " و"أنا أواجه العاصفة الرعدية ". ثم أصدر بعد ذلك " الثور الوحشي " و" كتاب الحصار" الذي كتبه سوية مع أ.أداموفتش، ورواية " الصورة " وغير ذلك من المؤلفات.إنه كاتب قصص وروايات ومقالات جيدة، كما إنه شخصية إجتماعية مرموقة، وقد قيل عنه أنه يواجه " العاصفة الرعدية «.

وسرعان ما أصبح بعض الكتاب الذين جسدوا البيريسترويكا "غير مرغوب فيهم" من قبل السلطات، أما الذين هاجروا أو تم نفيهم الى الغرب فقد إكتسبوا سمعة " مثيري الفضائح ". لكن أفكارهم مارست بلا ريب دورا تنويريا وتقدميا في تطور الأدب، وكذلك الحياة الإجتماعية عموما، كما يؤكد ذلك الواقع اليوم.

كما ترجم غائب في أعوام الستينيات أعمال أساتذة النثر البارزين في الجمهوريات القومية التي كانت ضمن قوام الإتحاد السوفيتي مثل جنكيز أيتماتوف وآيبك ونودار دومبادزه وفاضل يبك وفاضل إسكندر وغيرهم. وكان ذلك جزءا من سياسة البلاد التي وضعت هدفا لها إظهار الحياة السعيدة لشعوب الشرق والصداقة بين شعوبنا. وكان جنكيز أيتماتوف من أوائل الكتاب الذي ترجم غائب أعمالهم، علما بأنه كان قرينه تقريبا فقد ولد في عام 1928 في قيرغيزيا .

وكتب عددا كبيرا من القصص والروايات باللغة الروسية وتمت ترجمتها الى اللغات الأخرى، وكان شخصية إجتماعية ونائبا شعبيا وشغل مناصب عديدة في الدوائر الحكومية والمنظمات الإجتماعية وحاز على جائزة لينين وجائزة الدولة كما تمتع بعضوية عدد من الأكاديميات الدولية. وقد حاز على الشهرة بفضل ترجمة أعماله " جميلة " و" السفينة البيضاء" و "وداعا ياغولساري "و " يوم أطول من قرن " و" النطع " وغيرها.

وعندما تحدثنا أنا وغائب عنه قال أنه لا يعرف ماذا كان سيحدث لو لم يكن إيتماتوف شخصية حزبية مثالية مواليا للسلطة ورجل دولة وأدب. وتدل على ذلك أقواله في مختلف المناسبات الرسمية. فمثلا قال ايتماتوف بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس الإتحاد السوفيتي إن الإتحاد السوفيتي هو ظاهرة جديدة مبدئيا في تاريخ البشرية، وأورد أفضليات الإشتراكية بالنسبة لنظامنا الإجتماعي ، وأعرب عن إمتنانه الى الشعب السوفيتي والحزب (" برافدا" 1972. العدد 339(19847). ويمكن إيجاد الكثير مثل هذه الأقوال في المناسبات الرسمية.لكنه لم يكن من الكتاب " المطيعين". وقد حاول تفسير ظاهرته الكاتب أ. أداموفتش الذي أشار الى أن أيتماتوف بدأ الكتابة في فترة " الدفء" وقد أفلح في صيانة التوجه نحو المصداقية، ومن ثم تحول الى معالجة مشاكل العصر الهامة وحلها من مواقع المسئولية المدنية.

وأتذكر أن إيتماتوف زارنا في معهد الفلسفة حيث دعي للقاء مع الباحثين العلميين. وقد تحشد عدد كبير من الناس وإمتلأت بهم الصالة. وجاء الكاتب وتحدث على مضض، كما لو كان يريد أن يقول: ماذا تريدون مني، فأنتم تعرفون اصلا كل شئ عني. أنتم علماء بينما أنا أنهيت فقط مدرسة البيطرة (يرد في سيرته الذاتية الرسمية إنه تخرج من المعهد الزراعي). وأجاب عن الأسئلة بإقتضاب ، وتناول بصورة رئيسية العملية الإبداعية التي يصعب فعلا إعطاء تفسير لها. لكنه أجاب عن سؤال حول دور العنصر اللاعقلاني في إبداعه فقال إنه كان يتوقع طرح أسئلة من هذا النوع ، لكنه لا يستطيع إعطاء المزيد أكثر مما هو معروف لدى الجميع بقوله: يبدو إن مثل هذه اللحظات تتكشف في عملية إستعادة الذكريات من الماضي ، المنسية تماما كما يعتقد، وفي الحدس ، وفي الولادة العفوية للشخصيات وغير ذلك. وطرحت أسئلة كثيرة بصدد رواية " عام أطول من قرن».

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top