فاضل ثامر ونقد التجييل العقدي

فاضل ثامر ونقد التجييل العقدي

د. نادية هناوي

لا ترتهن الحداثة الفنية بالآفاق الزمانية بينما التجييل مرهون بها كاختمار وامتداد بين أمرين اثنين أحدهما راسخ والآخر مستجد.

ولا تعني الحداثة الانقطاع وإنما هي كل تحول يتناءى عن الجمود ويحتج على التقليد ويبتعد عن المجاراة. وكذلك هو التجييل مع إضافة البعد الزماني الذي به تكون الأحقية أكثر من مجرد تحولات وتطورات وانما هي الشرعية في أن يتخذ التجييل من الامتداد مع ما قبله قاعدة للانطلاق في الزمان مؤسسا بدوره عهدا جديدا لمن سيأتي بعده.

هذه الخيطية الرفيعة ما بين الحداثة والتجييل تبدو جد مهمة وحساسة ليس لأن فنية التحديث ليست تاريخية كالتجييل، بل هي أيضا منطقية في أن يكون وراء التسجيل التاريخي حدث فني عام في أبعاده وشامل في متغيراته فيتعاضد الفني والتاريخي على صنع الجيل الأدبي.

ولو كان أمر ولادة الجيل متوقفا على حدث حياتي مهم ووقائع استثنائية تسجل كوثائق اجتماعية وسياسية بحجة أنها من العمق والاتساع ما يجعلها حتما مؤثرة في الفن لكانت الاجيال بلا محددات ولغدت التحولات الفنية مستمرة على قدم وساق لاسيما في بلدان حبلى بالأحداث العاصفة كانقلابات وثورات وتيارات. وبعبارة أخرى نقول لو كان أمر استيلاد الاجيال مقصورا على التحديثات الفنية والتحولات الإبداعية وبغض النظر عن تاريخيتها لكان ظهور كل مذهب من المذاهب الأدبية التي عرفتها أوربا كالرومانسية أو الواقعية أو الرمزية وغيرها يرافقها ظهور أجيال أدبية.

ولا خلاف في أن التحييد العقلي هو أحد طرائق الظفر بالحقيقة التاريخية، لكن إصرار منظري التجييل العقدي على عدم التحييد حال دون اتخاذ النقاد العراقيين عامة والستينيين خاصة موقفا عقليا حازما وشجاعا من موضوعة التجييل. فشاعت مقولة الجيل واكتسبت نجاحات متواصلة ألقت بظلالها على نقاد المراحل اللاحقة، خاصة انهم كانوا أقل قدرة ومعرفة من سابقيهم فرددوا ما وجدوه قبل ظهورهم. وعلى الرغم من محاولة بعض النقاد رصد الظاهرة والتشكيك فيها، غير ان محاولتهم لم تسفر عن جديد بسبب غلبة النقد المرتكن إلى التقليد والميال إلى السير على ما سار عليه السابقون من أخطاء في التعميم والتقييم.

ولا مراء في أن ظهور جيل جديد لا يعني تحولا فنيا أو سياسيا حسب، بل هو أكثر من ذلك مصيرية، به تنقلب موازين التاريخ الأدبي ويهتز الوسط الثقافي هزا تماما كما يهز ظهور فلسفة جديدة أو تيار فكري أو تشكيل جماعي أوساط المهتمين فتشب صراعات بين القديم والجديد وتحصل نزاعات بين الآباء والأبناء وتحتدم الخلافات بين الشباب والشيوخ ضمن تكتلات وتحزبات حيث كل طرف يزعم هو الاحسن فيريد أن يكون هو الغالب. بهذه الطريقة يشتبك الفهم السياسي والثقافي والتاريخي مع الفهم النقدي ويكون للأدبية اثر وتكون متأثرة أيضا بكل شيء حياتي حتى وإن كان مناطقيا واثنيا مثلا. وأي جيل جديد هو ظاهرة ليست وليدة اللحظة أو طارئة، بل هي حقيقة حاصلة تعبر عن نفسها بكل وضوح من دون هيبة من سلطان جيل سابق أو ريبة من انضمام المزيد إليها في وقت القادم.

بهذه الطريقة يكون التجييل حقيقيا وبخلافه يكون مبنياً على أسس واهية وأهم هذه الأسس الصراعات الإيديولوجية التي تجعل الجيلية كأنها ظاهرة وليدة السياسة، وعندها لن يكون من وراء افتعال الجيل أي طائل فني يقتضي وجود تحول. ومهما بنى عليه اللاحقون فسيظل بناء افتعاليا لان متغيرات السياسة ليست كمتغيرات الأدب حتى يكون وراء استبداد الاشتراكي بالبرجوازي مثلا نتائج فنية وتحولات تجعل قصيدة الغالب فارضة بنيتها على قصيدة الخائب أو تكون الكثرة متدارية بسلطة القلة.

ومن غير المشروع أن نؤسس على مثل هذه الخلفية المؤدلجة أجيالا. وإذا أضفنا إلى ما تقدم المعيارية العقدية التي فيها السنوات العشر لا قبلها ولا بعدها كافية لإعلان الاجيال فعندها تغدو إشكالية التجييل اكبر اشكاليات نقدنا الأدبي المعاصر.

وإذا قلنا إن هذه الإشكالية مخصوصة بنقدنا العراقي وحده فلأن ما شهده العراق على مستوى التحولات الحداثية ومستوى الانتقالات في السلطات وتبدلات الأحزاب والتمرحلات الايديولوجية اقتضى بشكل أو بآخر تخصيص هذه الإشكالية بنقدنا دون سواه.

ونظرة فاحصة في خارطة نقدنا الأدبي منذ منتصف القرن العشرين إلى وقتنا الراهن ستكشف لنا كيف تغلغلت هذه الإشكالية في جهازنا المفاهيمي والاصطلاحي تغلغلا جعل نموه معوجا، فكأن التجييل العقدي هو حقنة هرمونية أساءت إلى معدلات نمو هذا الجهاز فكان تارة يفرط في نموه بشكل غير طبيعي وتارة أخرى يصيبه الضمور فلا يلحق حتى بالحد الطبيعي. ومن ثم لا نوافق القول بان إشكالية التجييل العقدي عادت بالنفع على نقدنا العراقي بمعنى أنها ظاهرة صحية.

ولم يكن الناقد العراقي في الغالب متصالحا مع موضوعة التجييل العقدي، بل كان على وعي بخطورة إشكالياتها منذ ان أخذت عدوى التجييل تسري في العقود اللاحقة.

وإذا كان الناقد عبد الجبار عباس قد طرق موضوعة التجييل ضمنيا من خلال انتقاد (الشعراء الستينيين) المتحمسين لفكرة الانقطاع عن الجيل السابق، فإن الناقد فاضل ثامر كان أكثر قصدية وهو يرى أن هاجس التجييل والانتماء إلى تجربة جيل شعري محدد أو حقبة زمنية معينة ظل يلاحق الشاعر العراقي.. بيد انه لمس وراء هاجس التجييل ايجابية تدفع نحو التجريب وتجاوز المألوف وكأحد القوى الدينامية الدافعة بحركة الحداثة الشعرية في العراق منذ الخمسينيات وحتى اليوم، رابطا بين قوة هذا الدافع ورغبة الشاعر الشاب في تحقيق التفرد والخصوصية.

ولذلك تتبع الناقد الحداثة الشعرية بمرحلتيها: الأولى المتمثلة بقصيدة التفعيلة التي وضع الشعراء الرواد تقاليدها في الخمسينيات وما بعدها والثانية المتمثلة بشعراء قصيدة النثر التي وضعت لها تقاليدها بنهاية القرن العشرين. وعد مجلة (شعر) اللبنانية رافدا من روافد هذه الحداثة لكنه تحفّظ على (حداثانية) هذه المجلة وعدّ حداثة يوسف الخال تنظيرية، مثلت المرحلة الأولى في الحداثة بينما حداثة ادونيس تطبيقية، مثلت المرحلة الثانية وعنيت بالتجديد الشكلي.

وشخّص الناقد تجارب رواد حركة الشعر الحر مبينا انه(لم يعد ممكنا الحديث عن أية حركة للحداثة الشعرية بمعزل عن الإضافات الإبداعية التأسيسية التي قدّمها جيل الرواد..) لكنه وإحساسا منه بأن في هذا القول حيفاً إزاء تجارب أصيلة شهدتها العقود اللاحقة للرواد ـ تراجع عن تحديده الصارم أعلاه، محددا لمفهوم الحداثة الشعرية ثلاث مراحل أو حلقات، ولكل حداثة سماتها. فوضع الشعر (الستيني) ضمن المرحلة الثانية للحداثة الشعرية مقرا بالعقدية بعبارات مثل(بدا الشاعر الستيني / تبلور موقف الشاعر الستيني)

ولان فهم الحداثة كتعبير جمالي عن الحاجة إلى التجديد يتضاد مع هذه السنوات العشرية التي فيها لا تتضح الحداثة بشكل جلي، عاد الناقد ليؤكد(أن التجربة الستينية لم تكن تجربة منسجمة فنيا ورؤيويا بشكل كامل..إلا ان هذه الصورة المراهقة لبدايات التجربة الستينية لم تستمر طويلا إذ سرعان ما راح الشاعر الستيني يعيد النظر في موقفه ورؤياه) ولا يخفى مقدار التوفيقية التي حالت دون اتخاذه موقفا محددا من الحداثة أو من التجييل.

وشبه الناقد فاضل ثامر ما وقع فيه مشروع ادونيس الحداثي وبيان الحداثة المنشور في مجلة(مواقف) بما وقع فيه شعراء العقد الستيني في العراق ومعهم تجارب شابة حاولت تتبع تجاربهم فكانت صدمة الحداثة هي في غيابها عن حياتنا لتظل مجرد مشروع نظري مطروح أمام المستقبل. أما ادونيس فظل أسير أوهام التجريب والتنظير ما بين المغايرة والمماثلة.

وأولى الناقد (البيان الشعري/ 1969) اهتماما ولم يجد في فقراته شكا أو أسئلة، ولكنه أشار إلى أن الأفكار السريالية كانت أهم مؤثر أجنبي ترك أثراً في الشعراء العراقيين.. ويخيل إليّ أنها تركت أثرا فقط في الطامحين إلى التجديد فقط ومنهم فاضل العزاوي. فكان البيان الشعري استنساخا لكثير من الأفكار السريالية عمل على تطبيقها العزاوي وحده وظل يجرِّب فيها فكانت سرياليته واضحة في شعره. وهذا مؤشر من مؤشرات فشل البيان في أن يكون معبرا عن (جيل شعري) ـ أن نحن افترضنا أن البيان الشعري كُتب على نية الانتهاج الجماعي للجيل ولم يكن على نية كتابة افتتاحية لمجلة تريد تقليد مجلة شعر اللبنانية ـ ولعل مجلة شعر نفسها منسوخة عن أصل أجنبي.! ثم كيف للسريالية أن تنجح داخل جيل وهي نفسها لم تستطع ترسيخ أفكارها، بل لم تلق نجاحا أصلا داخل حاضنتها التي ولدت فيها وهي أوربا !!.

ولم يكن التجييل بالنسبة إلى الناقد فاضل ثامر سوى هاجس حداثي يزاحمه النظر إليه بوصفه تحقيبا أيضا (وأدى وظيفته في مراحل أدبية معينة من تطور الأدب العربي الحديث في القرن العشرين إلا انه لا يمكن ان يطلق بصورة اعتباطية دونما مبرر فني أو مرحلي مقنع).

وبعد هذا التشابك بين التحديث والتحقيب، توصل الناقد إلى أن في مصطلح التجييل تعقيدا يثير كثيرا من الإشكاليات(فقد اعتاد الدارسون على افتراض توفر شيء من المساواة أو التكافؤ بين مصطلح الجيل الأدبي والعقد وكأن الجيل يساوي عقدا زمنيا واحدا.. ومع هذه الإشكاليات فقد أدى هذا المصطلح وظيفته المجازية وبدا مبررا وموفقا إلى حد كبير بوصفه مواضعة اصطلاحية ناجمة عن عقد بين الناقد والقارئ.. ينصرف تحديدا إلى اتجاه مذهبي أو فني محدد مثل جيل الستينات في الشعر..).

وإذا كانت إشكالية التجييل العقدي قد ولّدت عيوبا، فان الناقد اقترح تحويلها من الجيل إلى الأدب أي أن نقول أدب السبعينيات وأدب الثمانينيات..وهو ما نرى فيه نوعا من الوسطية في الحل من أجل تجاوز اشكاليات التجييل. ولقد كان الناقد مصيبا تماما وهو يربط هذه الإشكالية بما مر به المجتمع العراقي من ظروف جعلت الشعراء يتطلعون إلى تحديث بنية الشعر الداخلية والالتحاق بالعصر فوجد ان الشاعر (الخمسيني) بصورة عامة كان متوافقا مع واقعه وايجابيا في التعامل معه. وكان يعد نفسه إلى حد ما صوت المجتمع والمعبر عن همومه وأشواقه. اما الشاعر(الستيني) فكان في خصام مع الواقع الخارجي ولم يكن مشروعه لإصلاح المجتمع سوى مشروع فردي. ثم جاء الشاعر (السبعيني) ليعيد تدريجيا الصلة المقطوعة مع المؤسسة الاجتماعية. وواصل شاعر الثمانينيات الطريق نفسه وبلون من التداخل بين تجربتي شعراء السبعينيات والستينيات.

ومما أخذه الناقد فاضل ثامر على نقد الشعر في العراق، انه لم يضع حدا فارقا في فهم الحداثة في دراسة التجارب الشعرية، ومثّل على ذلك بالدراسات الأكاديمية قريبة العهد بدعوات التجييل كدراسة علي عباس علوان (تطور الشعر العربي الحديث في العراق) ومحسن اطيمش في كتابه(دير الملاك) أو طراد الكبيسي في كتابه (في الشعر العراقي الجديد) أو مالك المطلبي في كتابه(في التركيب اللغوي للشعر العراقي المعاصر). وعلل السبب بالامتداد لما كان شائعا آنذاك ــ أي ثمانينيات القرن الماضي ـــ في الدراسات النقدية للشعر العربي، متوصلا إلى أن التجييل تواصل وامتداد فني بين التجارب، فلا ولادة لجيل تفترض حتما وجود قطيعة وإنما هو حوار الاجيال باتجاه التجديد والتحديث في القصيدة العربية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top