هل بإمكان الورق البقاء في العصر الرقمي؟

هل بإمكان الورق البقاء في العصر الرقمي؟

أموال، قوانين، تذاكر، صحف، مع عدم الإشارة الى استخداماته المتعددة في الفن، وعلى الرغم من الثورة الرقمية فان عالمنا، ما زال قائماً على الورق، فما مدى انعكاسات إدمان هذه المادة البيضاء؟!

في عام 1885، وقع أكثر من 100 عالم مختص بالطبيعة على رسالة الى محافظ خزانة الدولة البريطانية، محتجين حول عرض التأريخ الطبيعي في المتحف البريطاني، وقدم كل من توماس هكسلي وجارلس دارون، عريضة بنفس الطلب.

ما أهمية متحف وطني أو متحف للتأريخ الوطني او الطبيعي؟! وتم جمع الأموال، وأعلن عن مسابقة لأفضل مبنى للمتحف الجديد، ووضعت الخطط وصممت نماذج عدة للمبنى، وتحول المتحف البريطاني للتأريخ الطبيعي إلى حقيقة، تفخر بها بريطانيا اليوم، كواحدة من مجوهراتها الثمينة، وقد افتتح هذا المتحف أمام الناس في ربيع عام 1881.

وفي بريطانيا اليوم: متحف علمي ومتحف للفنون الزخرفية، ولديها العديد من قاعات العرض الفنية في كل مكان وعلى الرغم من ذلك فإنها تفتقر الى متحف للورق.

فالحضارة تبنى على الورق، والنقود الورقية كانت أساس الاقتصاد، الخرائط الورقية قسمت الأرض، القوانين على الورق ساعدت الحكومة، والكتب الورقية شكلت أفكارنا، وعلى الرغم من أهمية – النظام الرقمي – ما زلنا جميعاً نستخدم الكثير من الورق للكتابة عليها، وتسجيل الملاحظات والقياسات وعد الأرقام والحاجيات المتعددة، للتأليف وللإحصاء والى آخره، فلماذا لا نسجل تأريخ الورق، وان كان ذلك على طريقة جيمس جويس، بتناول هذا التاريخ في حياة أمة واحدة، أو يوم واحد في مدينة واحدة أو شعب واحد! بل بالإمكان القول إن كتاب جويس الشهير عن دبلن، تألف من مجموعة قصاصات وكما قال لصديق له في عام 1917، (كتبت الملاحظات على ظهر أوراق الإعلانات، وأوراق صغيرة الحجم، بحجم الجيب، كافية لتذكيري بأمور سأكتب عنها لاحقاً).

لقد أصبحت الورقة اليوم جلدنا الثاني، فالواحد منا يشتري الأوراق باستمرار: أوراق للاستنساخ وأخرى للملاحظات، وأخرى على شكل مظروف للرسائل، وأعداد من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ثم الشهرية، وهناك ايضاً الطوابع.

فعالم اليوم غدا كثير الاستهلاك للورق أكثر من أي شيء آخر، إذ يجد المرء نفسه محاطاً به من كل جانب، فإضافة الى الصحف والمجلات والكتب، هناك ايضاً ملفات أخرى تخص العمل مثلاً، أو برامج التلفزيون أو دور السينما، وهناك ايصالات محال التنظيف وكيّ الملابس وبطاقات القطار وقوائم أجور المدارس، وفواتير شراء الحاجيات المختلفة.

وسواء كان الأمر سيتحول إلى الأسوأ او الأفضل فان الورق يبقى الوسيلة الأفضل للتعبير عن النفس، انه يتيح لنا التعبير عن أنفسنا، كأفضل ما يكون وايضاً كالأسوأ. ويخطر على البال، لو ان المرء قد جمع كل تلك الأوراق والقصاصات ونثرها في الهواء، فإنها ستملأ غرف المنزل، وتتحول إلى تيار يجرف ما أمامه حتى سكان البيت، كما حدث ذات يوم للأخوة الأميركيين كولير، هومر ولانغلي في الجادة الخامسة - مدينة نيويورك، حيث كان لهما بيت مملوء بالمواد الغذائية من الأرض وحتى السقف، وتوفيا وهما في حالة قذرة جداً، وجاء رجال الشرطة وأخرجوا من البيت 100 طن من الزبالة، وكان لانغلي قد توفي في داخل نفق صنعه من أوراق الصحف، في حين مات هومر جوعاً.

من اجل الأفضل أو الأسوأ، يبقى الورق حاضراً في حياتنا، ويلعب دوراً مهماً فيها، لنأخذ الفنون مثالاً، وبطبيعة الحال لا تحتاج كافة الفنون إلى الورق، كما ان بعض الفنون الورقية، قد لا تكون في نظر الجميع فنّاً فماذا نقول عن أوراق لوسيو فونتانا المثقوبة؟

أو قصاصات غوردن ماتا كلارك، او ما يفضله البعض، كتاب توم فريدمان، (1000 ساعة من التحديق) (1992-1997) حيث حدق ألف ساعة على قطعة من الورق مساحتها (32،2/1×32، 2/1) إنج، علماً أنها كانت بيضاء خالية من أي شيء، ولكن هذه النماذج معروفة، عن دور الورق في الفن، ومن الممكن القول أو مناقشة (دور الورق في تطور، أو معظم صنوف الفنون الحديثة، وكما قال الناقد كليمنت غرينبيرغ، (ثورة الورق اللاصق)، إذ أن استخدام طريقة الكولاج، (لصق صورة أو قطع من أقمشة على لوحة)، في أوائل القرن العشرين، حسبما قال غرينبيرغ، قد حرر الفن من الزخرفة أو محاكاة الحقيقة.

خوان ميرو - اغتيال الرسم وماتيس وقص الورق

في عام 1920 وما تلاه، قرر الرسام خوان ميرو (اغتيال الرسم) وكان أول تمرد قام به (دون اقتناع تام) كان لصق (بوست كارتات "بطاقات البريد" على قطعة من قماش (الكانفاس)، ولكنه بعدئذ، بدأ في عام 1933 قص صور للآلات والمكائن من (كتالوكات) ولصقها على قطع كبيرة من ورق معين، ثم أخذ يستخدم الخطوط الخارجية التي تشكلت من تلك القصاصات، كنماذج لرسوماته: وكانت تلك مفاجأته أو كشفه، وتخلصاً من التعبير الدائم عن النفس، وجد ميرو طريقة سهلة وغير متوقعة، وسيلة غامضة وسهلة ورمزية، تميّز أعماله الأخيرة، التي تتميز بمجموعاتها الفريدة، وعلاماتها وخطوطها.

ومن اجل إيجاد اللغة الحيّة الحقيقية للتعبير عن فنه، كان على ميرو البدء بالمقص والورق.

وهناك أيضاً ماتيس، الذي كرس أعوامه الأخيرة القليلة لقص الورق تقريباً، وقال في عام 1998، (اسمحوا لي الرسم بالألوان، انه أمر بسيط)، لقد سمح الورق لماتيس أن يعود الى الأسس، إلى ما هو هام: وكان ذلك - حياته الثانية - وكتب يقول، (لقد احتجت إلى كل تلك الأعوام من اجل الوصول إلى هذه المرحلة، حيث بإمكان قول ما أشاء) ولم يقل ما أراد إلا على الورق، ثم جاء استخدام (الورق المقوّى) وصنع أشكالاً فنيّة منها.

وفي استديو بيكستر في كاليفورنيا يعمل المصممون باستمرار ما يسمونه – ثقافة الورق- بعمل أنواع من الوحوش من الورق بمختلف أشكاله، وهناك في ذلك الاستديو دروس فنية يومية ترتكز على الرسم والتلوين، مفتوحة للجميع، وهم يعتمدون على كادر تدريسي، لعمل الأشكال الكبيرة الحجم والصغيرة منها، حيث تقطع وتلف في (بكرات) من اجل استخدامها في أعمال الكرافيك الخاصة بأفلام الكرتون.

الورق في عالم الأعمال والبناء والهندسة

لو تأملنا اليوم عالم الأعمال والبناء لوجدناه يتكون من الورق، فأولى خطواتها تشيّد على الورق ونحن نتخيل البيت، يرسمه المهندسون على الورق، وعندما نفكر في مدينة او ضاحية، فأنهم يرسمونها اولاً على قطعة اكبر من الورق، يتخيلونها ثم يحولونها الى حقيقة.

ففي رومانيا، أوائل أعوام التسعينات من القرن الماضي، تحدث عن خطط (شاوشيسكو) لقصره، (بيت الجمهورية) وسط بوخارست، وصمم احد المهندسين البارزين، نموذجاً له بالورق المقوّى في مبنى رياضي، ثم بدأ هو ومجموعته في رسم حوالي 5،000 مخطّط، قبل البدء بالعمل فعلاً، انطلاقاً من الورق.

والناس أيضاً تحيط نفسها بالأوراق الملصقة بالجدران.

وأول نوع من ورق الجدران في إنكلترا، اكتشف في كلية كريست - بجامعة كيمردج عام 1911، ويعود تأريخه الى 1509، وهو يختلف عن الورق المستخدم حالياً.

لقد أصبح ورق الجدران تقليداً سائداً في خلال القرن السابع عشر، وعندما تسلّق غوستاف فلوبير الهرم الأكبر عام 1849، فزع لرؤيته إعلاناً عن ورق الجدران في قمته، (بوفارد)، 79 شارع سان مارتن، مصنع لورق الجدران، وكانت الأحرف سوداء، أما أوسكار وايلد، وهو في غرفته وحيداً في الطابق الأول من فندق ألزاس – باريس، فقد تذمر قائلاً: (إن ورق الجدران يقتلني، ولا بد من أن يرحل واحد منا). ثم غادر وايلد الغرفة إثر ذلك.

وماذا عن العلوم الصعبة؟

يصف جيمس واتسون في كتابه عن اكتشافه بنية الـ (DNA) – عام 1968، كيف ان فريق العمل في مختبر كافينديش في كيمردج، كان عليهم تكوين نماذج من المعدن في محاولاتهم فهم بنية واسلوب ميكانيكية عمل حياة الانسان، "وهكذا أمضيتُ بقية المساء في قص ما يمثل أسس او قواعد تلك العلاقات، بأشكال من قطع الكرتون، وفي اليوم التالي أخليت المكتب من الأوراق، وبدأت العمل بقطع الكرتون، محاولاً الوصول الى أحجام عديدة وأشكال جديدة متصلة ببعضها، وفي فترة الغداء جاء فرانسيس زميل واتسون وقال له: (إن احد الزملاء كان يخبر كل واحد في المختبر، بأننا قد اكتشفنا سر الحياة).

وقد لعب الورق ايضاً دوراً صعباً في تطور الحاسوب، وجهاز جارلس باباجي والذي اسماه (جهاز التحليل) اعتمد على الورق المقوى كجزء أساسي يعتمد عليه، وساعد الورق على بدء العصر الحديث للكومبيوترات فقط، بل مرحلة ما بعد الحداثة أي الفضاء الالكتروني.

وللكتاب رغبة لا حد لها نحو الورق، وكان للشاعر كيبلينغ، على سبيل المثال، قطع خشبية تصنع خصيصاً له ليكتب عليها.

أما بايرون، فكان كاتباً مستعجلاً، ملاحظات وأجزاء من (دون جوان) كتب على ظهر (أوراق اللعب) اما تولكين فقد كتب أجزاء من (ملك الخواتم) على ظهر أوراق الامتحانات واعتاد ديكينز استخدام ورق خشن أزرق، وليس كالأوراق المستخدمة حالياً، وكان يكتب بسرعة وبجدية على جهة واحدة من الورقة.

وفي عصر ديكينز، أصبح الورق فأل خير، وفي تلك المرحلة تم تصنيع ماكنة جديدة للورق، وذلك في أوائل القرن التاسع عشر، وأدى ذلك إلى زيادة كميات الورق بشكل كبير، ولم يعد أصحاب مصانع الورق في حاجة إلى كميات من الخرق يعتمدون عليها في تلك الصناعة، وملأ الورق المدينة والشوارع مع دوران المصانع التي تنفذ الدخان في الفضاء.

إن تأريخ الورق هو تأريخنا في الواقع، ومع فجر العصر الرقمي، ألا يحق لنا الاحتفال بعصر الورق؟!

عن الغارديان

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top