عيد الذاكرة العراقية

عيد الذاكرة العراقية

محمد عارف*

يمكن قتل مليون عراقي، وتهجير وتشريد أربعة ملايين، وهذا ما فعله الاحتلال، والنظام الطائفي، والإرهاب.

ويمكن تدمير الدولة، والجيش، والفتك بعزيمة العراقيين وإرادتهم، وهذا ما فعلوه، لكن شيئاً واحداً فشلوا فيه، وهو قتل الذاكرة العراقية. والذاكرة تتكون من الذكريات، كالبناء يتكون من الأحجار، وركام الذكريات ليس الذاكرة، كما ركام الأحجار ليس البناء. وتحاول البناء ملاحقُ يومية تصدرها صحيفة "المدى" البغدادية بعنوان "ذاكرة عراقية"، و"عراقيون"، و"مدارات"، و"أوراق"، و"كان زمان"

وكمصباح علاء الدين السحري، عثروا على كنوز الثقافة الوطنية، ليس في عصور غابرة سومرية وبابلية وعباسية، بل في عهد الدولة العراقية الحديثة. وفيما يلي عناوين بعض ملاحق "ذاكرة عراقية"، التي تقوم برحلات استكشافية مثيرة في تاريخ وجغرافيا وثقافة ومجتمع العراق الحديث: "الحركة الوطنية في صراعاتها من أجل الديمقراطية.. محمد حديد بين النيابة والوزارة"، و"حديث عاصف مع أول وزير معارف في الدولة العراقية.. الشهرستاني من حكم الإعدام إلى منصب الوزير"، و"من دفاتر يوميات حسين جميل"، و"كيف انبثقت الحياة الحزبية في العراق سنة 1946؟"، و"فرق بغداد المسرحية وسينماتها في الجيل الماضي"، و"سينمات الموصل"، و"انتفاضة تشرين الثاني عام 1952 وموقف الجواهري الشاعر والصحفي من أحداثها"، و"كيف عرف العراقيون ثورة أكتوبر 1917؟"، و"كيف توسعت مدينة النجف وتعدّت سورها القديم سنة 1931؟"، و"الغزل والنسيج ودور معمل فتاح باشا".

وملحق "رحلة إلى البصرة وجوارها" نادر بين نصوص أدب الرحلات، يروي فيه كاتبه إبراهيم حلمي العمر مشاهداته من سطح باخرة "عثمانية" تمخر به من بغداد إلى البصرة مطلع القرن الماضي. وصفٌ شعري للرياض والحقول، وأنين النواعير، وخرير المياه وحفيف الأشجار، وتغريد الأطيار، وخوار العجول، "التي هي أوقع في النفوس من أوتار الموسيقار، وألّذ على القلوب من ضرب البيانو وغناء ربات الجمال". ومع "أريج الأزهار وروائح الأثمار" تضوع المقالة بمعلومات وأرقام عن جغرافية نهر دجلة، وكميات مياهه الجارية إلى الحقول الزراعية، ومساحاتها، وغلّتها، واقتصاد مزارعيها.

وبالصور والوثائق يعرض ملحق "عراقيون" في الإنترنت سيَر "الشريف محيي الدين حيدر" الذي أسس "مدرسة العود العراقية" عام 1936، والأكاديمي علي جواد الطاهر، أول أمين عام لاتحاد الأدباء العراقيين، والمؤرخ عبد الرزاق الحسني، والصحفي وأول وزير للصحافة رفائيل بطي، والأكاديمي جواد علي، مؤلف موسوعة "تاريخ العرب قبل الإسلام". ومعظم الملاحق تتكون من قراءات أمسيات في "بيت المدى" بشارع المتنبي، يشارك فيها باحثون وكتاب بارزون، كأمسية الرسام شاكر حسن آل سعيد، والنحات والرسام إسماعيل فتاح التُرك، والأديب ورجل الأعمال الساعاتي ناجي جواد.

ويرأس تحرير الملاحق علي حسين، ويحررها رفعت عبد الرزاق، وكلاهما من جيل مثقفين فتحوا ذاكراتهم، ولم يغلقوها على ثورات وحروب، صنعت العراق الحالي. وفخري كريم، رئيس مجلس إدارة "المدى" والذي لا يزال يواصل النشاط "المستحيل" كأنّ شيئاً لم يكُنْ.

وكما يقول "دي مونتين"، فيلسوف عصر النهضة الفرنسية، "لا شيء يُثّبت شيئاً بقوة في الذاكرة كالرغبة في نسيانه". وقد ناهضت مقالاتي هنا غداة احتلال العراق الرغبة المخبولة في نسيان العراق كوطنٍ ودولةٍ وتاريخٍ وثقافة. وليس كوضع العراق اليوم دليلٌ ملموس على عواقب ما تعتبره قوانين جميع الدول "الخيانة العظمى". والحواجز الإسمنتية والروحية التي أقامها نظام الاحتلال الطائفي، أوهى من حواجز عالمية أقيمت حول وداخل أنظمة دكتاتورية في روسيا ودول شرق أوروبا، وانهارت كما لو لم تكُنْ. وفي زيارتي لموسكو صُعقتُ لمرأى رايات الإمبراطورية الروسية الغابرة ترفرف داخل "الكرملين"!

*هذا المقال نشره الراحل عام 2019 في صحيفة الاتحاد الاماراتية يحيي فيه الملاحق التي تصدرها جريدة المدى

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top