محمد كامل عارف: صورة وطن

آراء وأفكار 2023/11/27 10:53:13 م

محمد كامل عارف: صورة وطن

صفاء جبارة

لا أغالي إذا قلت كلنا خرجنا من معطف محمد كامل عارف (وأعني بكلنا نحن الذين عملنا في الصحافة الثقافية العراقية منذ سبعينيات القرن الماضي ثم ثمانينياته وعقوده اللاحقة). وقد سبقني استاذنا أبو ياسر، المعلم سهيل سامي نادر، بالتنويه بدور أبي العباس في بناء الصحافة الثقافية وأثره في كثير من مجايليه، وهو منهم عبر عملهما معا في بناء تجربة صفحة آفاق الثقافية في جريدة الجمهورية، في كلماته الموجزة في نعيه.

لم أعمل مع محمد كامل عارف أو أتتلمذ على يديه في عملي الصحفي بشكل مباشر، وقادت ظروف العراق السياسية المضطربة وخروجه المبكر إلى المهجر إلى تأخر لقائي المباشر به إلى مرحلة متأخرة، لكنه ظل ماثلا أمامي بتجربته الثقافية المميزة، وحاضرا في مراحل ومنحنيات مهمة في حياتي المهنية.

ففي منتصف الثمانينيات، اختارني المعلم والإنسان النبيل، أمير الحلو، لإدارة القسم الثقافي في جريدة "القادسية"، وحين اعتذرت وتعللت بنقص خبرتي وبكوني في بداياتي، وجل عملي ينصب على الكتابة نفسها؛ الأدبية أو النقدية في مجال السينما وليس الإدارة الثقافية، وأن ثمة من الأدباء والكتاب في القسم الثقافي في الجريدة نفسها من هم أكثر خبرة ومنجزا وعمرا ورسوخا مني، واقترحت حينها اسمي القاص عبد الستار ناصر والشاعر معد الجبوري لروحيهما الطمأنينة والسلام. وتحججت بأنني شاب مثالي وحالم (حد الانفصال عن الواقع أحيانا)، وقد أُحرجه مع السقف الذي يعمل فيه الإعلام حينها، واتسبب بمشاكل نحن في غنى عنها. بيد أنني وُجهت بإصرار من أبي خالد صاغه حينها بلغته عالية التهذيب ودبلوماسيته المعروفة (رغم أنه كان يخاطب جنديا في الجيش حينها وهو آمره)، اعتبرها "عونة" اطلب منك أن تعينني كصديق، واستخدم حججي ضدي قائلا إنها ما يبحث عنه لبناء واحة ثقافية بعيدا عن ماهو سائد في الإعلام حينها، تجمع صفوة الصفوة في الثقافة العراقية، وتتيح لهم منبرا يعبر عن نتاجهم الثقافي المميز، بعيدا عن السقف الأيديولوجي السائد،" هذا اتركوه لنا أنا (سأعافر) في معاركه (وهذا ما أوضحه أبي خالد لاحقا في مقابلة تلفزيونية قبل رحيله، قائلا "كنت إدافع عنهم بيدي ورجلي"، وهذا ما حصل فعلا من هذا الإنسان النبيل).

عذرا لهذا الاستطراد الضروري للتوضيح، ولكنه حضر لتأكيد جملة كيف حضر محمد كامل عارف في مفترقات في حياتي، ففي حواري مع أبي خالد حينها، قلت له إن الأرض ممهدة أمامنا لبناء تجربة ثقافية مميزة وأنا لا أشعر بأي منافسة من الأقسام الثقافية في صحفنا المحدودة، ويمكن أن نتفوق عليهم بسهولة ونستقطب خيرة الكتاب، فلا منافسة في بناء صفحة ثقافية مميزة سوى من "تركة محمد كامل عارف في الجمهورية" التي تواصلت فيها تقاليد ثقافية مميزة بناها فيها، وأدارها بعده بنجاح الناقد ماجد السامرائي، وضمت نخبة من خيرة كتاب الصحافة العراقية ورموزها حينها، فضحك أمير مثنيا على كلامي بشأن ما اسميته "تركة محمد كامل عارف"، وقائلا لدينا عميل مزدوج هناك في إشارة إلى زوجته الروائية والمترجمة والإنسانة النبيلة ابتسام عبد الله، التي كانت تدير قسم الترجمة هناك.

وبعد نحو عقدين، وفي مفصل مهم آخر من حياتي، عندما انتقلت للعمل في بي بي سي في لندن، حضر محمد كامل عارف هذه المرة مجسدا بشخصه، ورافقني مثل ملاك، وكان من أوائل من استقبلوني عند وصولي إلى العاصمة البريطانية، على الرغم من أننا لم نلتق من قبل، واقتصرت أحاديثنا على اتصالات هاتفية، إذ دعاني حال وصولي إلى لندن إلى سهرة ومأدبة عامرة في بيته دعى إليها نخبة من رموز ثقافتنا العراقية في لندن، لا أريد أن أذكر الأسماء خشية أن تخونني ذاكرتي المتعبة في السهو عن ذكر أحد منهم.

لن أنسى ما حييت، لحظة لقائي بمحمد لأول مرة، بعد أن نقلتني شقيقته الصديقة الغالية والزميلة كفاح عارف من محطة القطار إلى بيته، ومدى حنو محمد عليّ لحظة لقائنا تلك وبهجة استقباله بدون حواجز، وكأننا صديقا عمر لم يتفارقا وليس شخصين يلتقيان وجها لوجه لأول مرة، ولن أنسى نظرته الحانية الممتلئة تضامنا، وعمق إصغائه لما كنت اتحدث به عن العراق وثقافته، التي ظل يسألني عن أدق التفاصيل فيها؛ وكأنه ينسج من هذه التفاصيل ويرتق فجوات ما قطعته سنوات الغربة عن مكانه الأحب. ربما كانت تلك التفاصيل تتعاشق مع فراغات في سجادة الحنين التي ظل محمد عارف ينسجها بدأب وآناة على مدى تلك السنين،حتى لم يعد يرى ما هو خارجها وغاب بصره في بصيرتها الرائية التي تركها لنا.

وتدخل في تلك الجلسة شاعرنا الكبير سعدي يوسف، الذي تبرع بعدها بإيصالي إلى محل سكني فقد كنت حديثا على المدينة حينها ولا أعرف طرقها) مخففا فيض الشجن في حديثنا محمد وأنا، عن الحنين للمكان الأول المكوّن، قائلا "عيوني صفاء.. هي كلها ٢٥ سنة غربة وتتعود مثلنا"! (واليوم وانا اقترب من ال ٢٥ سنة التي تحدث عنها سعدي وأرى أنني "لم أتعود" ولا سعدي نفسه الذي ظلت روحه تتفجر حنينا وأسى وشجنا وشعرا، كان تعوّد).

كنت أرى محمد كامل عارف؛ مثل صوفي عارف، يجلي ويصقل مرآة روحه كل يوم كي تحمل انعكاس ذاك المكان الذي يعشق والذي بات بعيدا ويتوارى. كان ينفض عنها ما يتطاير إليها من غبار الخديعة والانحطاط ورماد حرق قيم ومبادئ وأحلام عظيمة، اختار بعض من يعرفهم جيدا حرقها، استعدادا لدخول الحفلة التنكرية في بازار الخديعة، والذي فتح أبواب الجحيم على أهلهم وبلادهم، وارتضى بعضهم بدور المخبر والواشي والمهرج في كرنفال الخراب هذا، قبل أن يترك منبوذا بانتهاء دوره. لم تحتمل روح محمد كل هذا الانحطاط والخراب وظل منافحا عن وطنه وصورته التي يعرفها جيدا وجالدا لهم بسوط سخريته اللاذعة حينا، أو مترفعا عنهم منشغلا بالبحث والحديث التنويري بعيدا عن الأساطير المستوطنة في ثقافتنا وحالما بثقافة مستقبلية عمادها العلم والمعرفة الخالصة و خالية من ثقل الأوهام والأساطير المعرشة في ثقافتنا؛ ومنقبا في الوقت نفسه عن كل إلتماعة معرفية تنويرية في هذا الماضي في مقالاته التي اعتاد على نشرها في سنواته الأخيرة في جريدتي الحياة والاتحاد.

وانا بدوري في لقاءاتي معه كنت أصقل مرآة روحي جيدا (مترسما نصيحة مولانا الرومي) كي أرى انعكاس محمد العارف فيها، وعندما أمعن النظر فيها، لا أراه اليوم إلا في صورة وطن؛ نسجه بدأب وحنو وروية من فيض الحنين للعراق في روحه ومن حلمه برفعته ومحبته الغامرة.

تعليقات الزوار

  • عدي باش

    لمسة وفاء نبيلة لإستذكار أحد أيقونات الثقافة العراقية ، غادرنا إلى الدار الأبدية ... للفقيد الرحمة و الذكر العاطر

  • احمد معد

    رحم الله والدي الشاعر معد الجبوري ..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top