كتاب الأهوار.. عالم من العزلة المفرطة بجمال باذخ

كتاب الأهوار.. عالم من العزلة المفرطة بجمال باذخ

علاء المفرجي

في سلسلة موسوعة العراق المصورة التي تصدرها شبكة الاعلام العراقي، صدر حديثا كتاب (الأهوار)، تضمن عدد من الصور المعبرة لتاصيل الحياة في الأهوار التي التقطت بعين الفنان رغيب أموري الرماحي، مع دراسة مفصلة للخبير المختص بالأهوار د. حسن الجنابي بعنوان: (الأهوار.. عالم من العزلة المفرطة بجمال باذخ).

وتحت عنوان (الأهوار.. دع الكاميرا تتنفس) كتب د. نبيل جاسم مقلا افتتاحيا للكتاب جاء فيه: الأمرُ أكبرُ بكثيرٍ من مجرّد ظاهرة طبيعية أو "مسطّح مائيّ"، كما تعرّفُ العلوم ذلك المكان الساحر: الأهوار. فقبل الفوتوغراف، منذ أن كان الإنسان يؤرّخ ما يراه نحتاً، وبلاغةً في اللغة، ويجعلُ الخيال ما يجسّد تلك الأمكنة، كانت الأهوارُ المكان الساحر للذهن والمخيّلتين في بلاد ما بين النهرين، حتى قبل أن تحمل اسمها، لكن عناصرها الفذة كانت حاضرة في شتّى النصوص والملاحم، فكلّ ماء في الأساطير هو ماءُ الأهوار، كلّ قصب، كل إشارة لطير، وكلّ احتدام مع الطبيعة ومع الذات البشرية كان يشير إلى الأهوار. مضيفا أنه لسنوات لا تنتهي، وبدايتُها كانت مع فجر التأريخ، شكّلت الأهوار اللبنة الأساسية البدائية للحضارة، وعلى هامشِها نمت المدن، وتشكّلت بداية البشر، لكنها كانت لا تزال تمتلك جمالية البداية، والفطرة. وأشار الى أن من غير المستغرب أن ترى التفاصيل نفسها تتكرر بحذافيرها بين التأريخ والحاضر، فذاتُ الحيوانات الغريبة التي ينحتُها أطفال الهور، بذات الأشكال، تجدُ ما يشبهها في المتحف العراقي، وذات المضيف، وذات الطعام، وحتى الملبس لم يتمظهر كثيراً في تلك الآلاف من السنوات، وكأن هذا السحر المحلّي قد آلى على نفسه أن لا يتغيّر.

فيما كتب د. فلاح حسن الخطاط المشرف والمخرج الفني مقالا عن الفنان رغيب الرماحي بعنوان (رغيب أموري.. يشق الهور بمشحوف قوس قزح) جاء فيه: كتاب الأهوار هذا، يُجمل تجربة الفنان رغيب أموري الفوتوغرافية، عبر تفاعله مع الطبيعة، ونظرته الى الحياة واحساسه بنقاء الروح، ورؤيته لمتاعب سكان الأهوار وحياتهم المضنية، إذ يلاحقهم بجزئيات أعمالهم ونبض كدحهم، ليخرج لنا سره المخبوء بتعامله مع الكاميرا، فهو يرصد ويراقب بعين ثاقبة حركة الصيادين والفلاحين وما تبوح به أرواحهم الغضة، فضلاً عن ضفاف الأنهار ومضايف السومريين، ومشاحيف الهور وهي تعرف طريقها بين أعمدة القصب والبردي التي تتمايل على صدى الأغنيات السومرية، إذ تشق صمت الأهوار وبراءة الأطفال، ليقدمها ـ عبر منظوره الفني البصري ـ لقطات ثمينة يضعها أمام الرائي بكل معانيها العميقة، وبريقها الأخاذ نحو أسرار الدهشة، نحو عوالم بعيدة مطرزة بألوان قوس قزح.

مضيفا أن "تجربة أموري غنية بعمق تفصيلاتها التي امتدت منذ عام 2013 لغاية عام 2022، فهو يعتني بإختياراته، ويخضعها لتجاربه الموسومة بالتجديد، ويتأتى ذلك كله من حرصه على ما يقدمه من نتاج فني يرقى إلى أعمال كبار الفوتوغرافيين، إذ سجلت عدسته مشاهدات يومية اتسمت بالتنوع والشمولية، وهي أشبه بنص بصري يمثل الحياة الاجتماعية المتنوعة لسكان الأهوار. مؤسساً رؤية بصرية تستند إلى مدركاته المعرفية والثقافية والفنية."

وجاء في دراسة د. حسن الجنابي، وهي المستلة من كتابه المهم الأهوار: يختصر تاريخُ الأهوار تاريخَ هذه البلاد العتيقة. بل أن أحداث التاريخ التي شهدت ولادة العراق الذي نعرفه كانت ساحاتها الرئيسة هي الأهوار على الأغلب.

فقد بزغ فجر التاريخ المضيء على تلك المقاصب والمسطحات المائية الشاسعة أولاً، ومنها بدأت البشرية مسيرتها نحو آفاق الإنعتاق من عصور الظلام وما قبل التاريخ، الى البناء والإستقرار والحضارة والتاريخ المسجل بحروف من نور.

ما رافق ذلك النشوء من ابتكارات واختراعات وحكايا وملاحم وعبادات ومعابد ومعتقدات كانت بمجملها ذات طابع تأسيسي في مسيرة البشرية نحو الإنعتاق والتحرر والرقي.

كان المنجز الحضاري الرافديني مرتبطاً بالماء. وكانت حضارة سومر العريقة "حضارة مائية" بامتياز. فكل شيء في تلك الحياة البدائية لدى "العامة" والملوك وأنصاف الآلهة الباحثين عن الخلود، والآلهة المكتملة الأهلية ومجالسها، كان مرتبطاً بالمياه والمطر والغيوم والضباب والطوفان والبحار التي لا نهاية لها.

من هناك جاءت الكتابة، والعجلة، وفلسفة الحياة والوجود، وهندسة الأشياء، والزوارق، وصناعة القصب، وبيوت الطين، والزقورات الشاهقة الملتوية والمتناسقة تقرّباً من السماء والآلهة في الأعالي. فقد صنع العراقيون القدماء مجدهم على المياه في الأهوار، وغامر مليكهم العظيم جلجامش بعرشه ليُكسبهم حكمة العقل والتعقل والعمل والإبتكار والعيش في حواشي المياه وفي أعماقها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top