يوم الطفل العالمي و أطفال غزة

آراء وأفكار 2023/11/29 11:21:35 م

يوم الطفل العالمي و  أطفال غزة

د. احمد عبد الرزاق شكارة

يحتفل العالم سنويا بيوم الطفل العالمي في العشرين من تشرين الثاني / نوفمبر وفقا لما أقرته الجمعية العامة للامم المتحدة منذ عام 1979 حماية ـ إرتقاءا وتنمية إنسانية للطفل" اللبنة الاولى للاسرة " بشريا، ماديا ومعنويا (في جميع المجالات الانسانية) في ظل إنتهاكات صارخة لحياة وحقوق وحريات الاطفال ضمن أطار اوسع من خروق جلية لحقوق الانسان وحرياته الاساسية عالميا وإقليميا في"عالمنا العربي ".

لعل أكبر دليل لمعاناة الاطفال المستدامة ما جرى من معاناة أنسانية كبيرة بخاصة لسكان قطاع غزة حيث المجازر الانسانية التي شملت الاطفال لنسبة ما ينيف عن 40% إلى 50% مرجعها ديمومة أطول إحتلال إسرائيلي في العالم دام أكثر من ال 75 عاما. إن عدم احترام اسرائيل للقانون الدولي العام والقانون الدولي الانساني سمح لإعتداءات إسرائيلية متكررة تحرم أطفالنا الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الحياة الحرة والعيش الكريم إتساقا مع حالة فريدة من صمود اسطوري فلسطيني إذكاءا لروح مقاومة حرة وضعت نصب عينيها إما النصر أو الشهادة تحقيقا لهدف شرعي ومشروع في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. إن كل الاساليب الاسرائيلية المتشددة والمتطرفة "صهيونيا " إعتمدت النهج المنظم للقتل الجماعي حتى في داخل المشافي وخارجها بل وفي المدارس التي أسستها منظمة الأونروا للعناية بأيواء وحماية اللاجئين التي تحولت عقب قصفها من قبل اسرائيل إلى مقابر جماعية في إطار إستراتيجية تعرف" بجريمة الابادة لجميع الفلسطينيين " سواءا أكانوا صغارا" خدجا "، أو شبابا يافعين أوكبارا في السن من الجنسين.

اليونسييف وغيرها من منظمات دولية إنسانية وثقت ما حدث ويحدث في غزة على أنها جرائم مركبة الابعاد: ضد الانسانية، جرائم حروب خرقت قواعد ونصوص قانون الحرب وأتفاقات جنيف الرابعة مضافا لما اعتمدته الامم المتحدة من اعلان حقوق الطفل للعام 1959 ولاحقا أتفاقية حقوق الطفل في 20 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1989.من هنا، يمكننا بكل طمأنينة وثقة التاكيد على أن ممارسات اسرائيل العدوانية جرائم أبادة وتطهير عرقي – ديني وجهوي تحمل معها تداعيات خطيرة على الأمن بمفهومه الواسع "إنسانيا وإستراتيجيا". لذا من منظور قانوني - واقعي عدت منظمة اليونسييف أن قطاع غزة " أخطر مكان في العالم لعيش الاطفال " وهي في ذلك صادقة في كل ما تشير إليه حيث انه وعبر 47 يوما تقريبا فقدت غزة ما ينيف عن 6500 طفل وقاصر برئ بعيدا عن حسابات السياسة أوالصراع الدولي والاقليمي. مثل هذا الرقم الكبير للضحايا من الاطفال ستليه ارقاما أخرى مفجعة وصادمة أكثر بكثير عند إنكشاف الحقائق المآساوية للضحايا من الاطفال والنساء وكبار السن عقب جهود مراحل الانقاذ ورفع الانقاض او البناء في مراحل لاحقة حيث ستتصاعد ارقام الضحايا للشهداء الابرياء إلى ما لايقل عن نسبة 70% في المائة (حتى مابعد مرحلة الوقف الدائم لإطلاق النار). أكثر من ذلك، حذرت اليونيسيف ايضا " من أن حياة مليون طفل فلسطيني في قطاع غزة على شفير الهاوية، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الطبية وخدمات الرعاية الصحية ". لعل ابرزالظواهر الخطيرة المستقبلية ما تسفر منها عن إنعكاس وتداعيات جلية على حالة الاسر الفلسطينية التي فقدت اجيالا من الشباب والاطفال والنساء ستشمل من بقوا احياء حيث الظواهر النفسية و العقلية التي تحمل معها بصمات واضحة على مناح وإتجاهات السلوك التي هي اصلا لازالت تعاني من تداعيات مراحل النزوح القسري من مواقعها الاولى داخل فلسطين التاريخية بصورة تفوق أي تحليل علمي أو تشخيص أووصف دقيق كونها بلغت الذروة من التداعيات المنتجة لإمراض نفسية، جسدية وسلوكية ما قبل ومابعد السابع من أوكتوبر 2023. صورة تبدو كئيبة مؤلمة جدا مفادها جملة من" اضطرابات الافكار ومشاعر القلق والخوف والتوتر والتهيؤات، بالاضافة لردود فعل للجسم تطابق تلك التي ظهرت على جسم الطفل خلال الحرب ".

كي أكون صادقا في تحليلي الشامل الموضوعي لمختلف المعطيات والمتغيرات لابد ان من أشير إلى مناظير تحمل حالات متناقضة نسبيا مفادها أن السابع من اوكتوبر بقدر ما اوصلنا لحدود التألم والحزن الشديد لمعاناة أطفال غزة بل وللسكان الفلسطينيين جميعا من الجنسين نجد حالة جديدة في سبيلها للتبلور تحمل بعض السمات الايجابية النسبية ربما على المديات المتوسطة والطويلة مضمونها تفاؤل حذر بمستقبل واعد اكثر إشراقا نظرا لكون ما حققته حماس من ردع واضح للعدوان الاسرائيلي بل ولإنتصارها في مراحل الصمود والمجابهة الناجحة نسبيا سيردع أي عدوان مستقبلي اسرائيلي. صورة مفادها خلق واقعا سياسيا ودبلوماسيا جديدا يؤكد أولوية وصول فلسطين لمرحلة إعلان وبناء دولة فلسطين المستقلة وفقا لقرارات الامم المتحدة على حدود 1967 بإسرع وقت ممكن. إن أي ارتفاع في المعنويات النفسية ستسهل إمكانية البناء التنموي الصعب تمهيدا للشروع بتحقق تنمية إنسانية مستدامة نسبيا لجيل الاطفال والشباب من الجنسين ضمن أطار المجتمع الفلسطيني بكافة شرائحه وفئاته. من هذا المنطلق شارك مئات العراقيين مساء الاربعاء الماضي بوقفة أحتجاجية في ساحة التحرير هدفها إحياء" ذكرى سقوط أرواح الاطفال الفلسطيننيين طيلة حوالي ستة اسابيع من القصف الاسرائيلي المتواصل على قطاع غزة ". دماء عزيزة لا تعوض سفكت دون حسيب او محاسبة جدية حازمة من قبل المجتمع الدولي أو من قبل المحكمة الجنائية الدولية التي عجلت في قراراتها تجاه ازمة الحرب الروسية - الاوكرانية ولكنها لازالت حذرة لدرجة الشلل السريري مع مآساة أطفال غزة. علما أنه من المآمول أن تتم محاسبة اسرائيل وكافة قياداتها السياسية والعسكرية عن كافة جرائم الحرب المركبة في عناصرها وتداعياتها المدمرة للحرث والنسل حيث يمكن بيسر توثيقها بالصوت والصورة من خلال وسائل الاتصال الجماهيري وغيرها من الوثائق المهمة جدا.

ستبين صفقات تبادل الاسرى التي ستجري خلال الايام الاربعة القادمة من نهاية شهر نوفمبر أن اعدادا كبيرة نسبيا من الاطفال والقصر من الفلسطينيين في سجون اسرائيل غالبيتهم متهمون بجرائم ما يعرف ب- رشق الحجارة - او الشروع في القتل لقطعان المستوطنين الذين استوطنوا مستوطنات تعد غير قانونية دوليا.

أخيرا: لابد أن نشير ايضا أن من لم يمت من فلذات الاكباد بالموت إستشهادا مات عطشا وجوعا او مرضا بنتيجة عدم توفر العلاج اللازم له داخل المشافي. كما أنه ونظرا لحالة الحصار الاسرائيلي فإن إنقطاع مستمر للتيار الكهربائي وللاتصالات داخل المشافي عرض اجهزة حماية الاطفال الخدج وغيرها من أجهزة الكترونية للعلاج للتوقف كليا معها تنامت معدلات وفيات الاطفال. ضمن هذا السياق اعتبر القصف الاسرائيلي الشديد للمشافي وحتى في محيطها جريمة حرب مكتملة الاركان يجب أن تخضع للمحاسبة القانونية وفقا للقانون الدولي الانساني ولكل اتفاقات جنيف وعهود حقوق الطفل. علما بإن تدهور الاوضاع السيئة طبيا وتقنيا يرافقها محيط بيئي مرشح لتنامي الامراض ولانتشار الاوبئة الخطيرة مستقبلا.

أخيرا: عل من بيده الحل والعقد في المجتمع الدولي وفي عالمنا العربي ان يدرك أن معاناة اطفال غزة أنسانيا وصلت لحدود عليا مثلتها " الشهادة " قمة الايثار والتضحية على يد الاجرام الاسرائيلي المدعوم امريكيا وغربيا لحد بعيد الامر الذي يتطلب تفعيلا لارادة المواجهة الشعبية الشاملة من قبل المجتمع الدولي بكافة مؤسساته ومن ضمنها المنظمات الانسانية الدولية (مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الغذاء العالمي) وأخرى غير الحكومية (مثل الهلال الاحمر والصليب الاحمر وأطباء بلا حدود وغيرها) بكل اقتدار وجرآة لمواجهة كافة التحديات والازمات التي تواجه جيل الطفولة بصورة توصلنا ل"مرحلة التمكين الانساني" بهدف بناء الدولة الحديثة التي تعنى ببناء الانسان بناءا سليما جسديا وعقليا وسلوكيا معززة قدرة النظام السياسي للتكييف مع متطلبات التغيير الايجابي المعني بخلق دولة المؤسسات الحقيقية التي تعنى برعاية وحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية دون تمييز او تمايز على اسس عرقية - مذهبية وقبلية وغيرها من ظواهر سلبية خطيرة قد تهدد السلم والامن المجتمعي في الاطار الجيوسياسي- البيئي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top