غزة والنصوص المحنطة للقانون الدولي الانساني

آراء وأفكار 2023/11/29 11:22:05 م

غزة والنصوص المحنطة للقانون الدولي الانساني

هادي عزيز علي

القانون الدولي الانساني هو – (مجموعة القواعد القانونية الدولية التي تفضي الى الحد من المعاناة الانسانية وقت النزاعات المسلحة باعتمادها معايير السلوك الانساني المقيدة لوسائل واساليب العمليات الحربية بغية توفير الحماية بشكل اساس الى غير المشتركين في الاعمال الحربية وعلى وجه الخصوص المدنيين فضلا عن المقاتلين الجرحى والمرضى والاسرى) .

المرجعية التشريعية لهذا القانون ليست بحديثة اذ تناولتها اتفاقية لاهاي 1907 وحاز هذا القانون على امره التنظيمي بصدور ميثاق الامم المتحدة 1945 وجاءت قواعده الدولية الآمرة بصدور اتفاقات جنيف 1945 والبروتوكوليين الملحقين بالاتفاقيتين بخاصة الاول منهما المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية مرورا بالعديد من النصوص الاخرى والجهد التشريعي الملموس للامم المتحدة وصولا الى احكام نظام روما وتشكيل المحكمة الجنائية الدولية 1998حتى اصبح ارثا مشهودا للدراسات والبحوث المتعلقة بالقانون الدولي في شتى انحاء العالم. فالكيان الصهيوني ومتخصصوه وسياسيوه واكاديميوه ومراكز بحوثه على علم ودراية بهذا الارث الانساني والاثار القانونية المترتبة على مخالفته بما في ذلك الجزاء الواجب التطبيق، ومع ذلك فقد انتهكوا نصوصه وقواعده القانونية الدولية الآمرة وارتكبوا عن قصد واصرار مسبق الافعال التي صنفتها النصوص بالجرائم وعلى وفق التوصيفات الاتية:

اولا – الجرائم ضد الانسانية – الوارد تعريفها في النظام الاساس لمحكمة نورمبرغ العسكرية الدولية الصادر في 8 آب 1945 والوارد ايضا في المادة 7 من النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية وبموجبهما يعد القتل العمد جريمة ضد الانسانية اذا ارتكبت كجزء من هجوم واسع النطاق موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين مع علم الفاعل بادراكه لتصرفه هذا. وتعد ايضا جريمة ضد الانسانية ثانية: ابعاد السكان اونقلهم القسري عن اماكن وجودهم او طردهم من اماكن سكناهم او ترحيلهم بالتهديد والقوة وتتحقق اركان هذه الجريمة اذا كان المستهدفون موجودون في اماكنهم بصفة مشروعة مع علم الفاعل بمشروعية اشغالهم لتلك الاماكن وان يتم ذلك القسر كجزء من هجوم واسع النطاق ومقصود نحو المستهدفين. وثالثا الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة: بالسجن او الحرمان الشديد السالب للحرية والذي يعد مخالفا للقواعد الاساس للقانون الدولي وتتحقق اركان هذه الجريمة عندما يكون الحرمان شديدا من الحرية البدنية وان يعي الفاعل العمل الذي يقوم به قصدا ويتم ضمن هجوم واسع النطاق موجه ضد مجموعة من المدنيين. والجريمة الرابعة تحت هذا العنوان هي: جريمة الاختفاء القسري – وتتم بالقاء القبض على الاشخاص او احتجازهم او اختطافهم وحرمانهم من حرياتهم والامتناع عن اعطاء معلومات عن مصيرهم او اماكن وجودهم، وان يرتكب التصرف باسم الدولة اومنظمة سياسية او باذن او دعم منها وان ينصرف فعل الفاعل الى منع الحماية القانونية عنهم لمدة طويلة من الزمن ويتم ذلك ضمن هجوم واسع. وخامس الجرائم هنا هي جريمة الفصل العنصري: اذ تعد هذه الجريمة من الجرائم الخطرة كونها اجراء غير ماذون على وفق احكام القانون الدولي وتتم بالتوصيف الوارد نفسه في الجرائم المذكورة تحت هذا العنوان.

ثانيا – جرائم الحرب – هي الجرائم التي عرفها النظام الاساس لمحكمة نورمبرغ العسكرية الدولية في 8 آب 1945 والمادة 8 من النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية وهي: الجرائم العمدية التي تعد انتهاكا لحقوق الاشخاص المشمولين بالحماية على وفق احكام اتفاقية جنيف الرابعة 1945 التي اضفت الحماية على الاشخاص المدنيين في وقت الحرب، واتفاقية جنيف الثالثة واحكامها المتعلقة بمعاملة اسرى الحرب، واتفاقية جنيف الثانية المتضمنة تحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار واتفاقية جنيف الاولى المتضمنة تحسين حال جرحى ومرضى القوات المسلحة في الميدان. على ذلك فان الانتهاكات الجسيمة للاتفاقات المبينة في اعلاه توجب مساءلة مرتكبيها وعلى وفق احكام القانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان متى ما تثبت تحقق اركانها من قبل مرتكبيها على وفق ما يأتي: 1 – ان يتم الاعتداء على الاشخاص المشمولين بالحماية على وفق احكام الاتفاقات تلك. 2 – ان يرتكب الفاعل فعله على الاشخاص مع علمه انهم مشمولين بالحماية بموجب تلك الاتفاقات. 3 – ان يحصل الفعل ضمن نزاع مسلح ويكون مقترنا به. وقد حددت (المادة 8 من النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية) الجرائم المدرجة تحت عنوان جرائم الحرب وهي: القتل، التعذيب او المعاملة اللاانسانية، التدمير الواسع للممتلكات والاستيلاء عليها من دون ضرورة عسكرية، حرمان اسير الحرب من ان يحاكم محاكمة عادلة، الابعاد او النقل والحبس من دون مسوغ شرعي، اخذ الرهائن، الهجمات ضد المدنيين غير المشاركين في الحرب، الهجوم على مواقع مدنية لا تشكل اهدافا عسكرية، الهجوم على موظفين يعملون في مهام المساعدة الانسانية او حفظ السلام، قتل او جرح مقاتل استسلم مختارا والقى سلاحه، توجيه هجمات للمباني المخصصة للاغراض الدينية او التعليمية او الفنية او العلمية او الخيرية والمستشفيات واماكن تجمع المرضى والجرحى، فضلا عن الجرائم الاخرى التي تضمنها القسم الثالث من المادة 8 في اعلاه.

ثالثا – جرائم الابادة الجماعية – وهي الجريمة الوارد تعريفها في اتفاقية عام 1948 وكذلك في المادة 6 من النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية اذ يعد القتل ابادة جماعية اذا ارتكبت الجريمة - من قبل شخص او جماعة - بنية اهلاك جماعة قومية او اثنية او عرقية او دينية، وان يصدر ذلك التصرف في سياق سلوك ينطوي على نية اهلاك الجماعة. ويعد ابادة جماعية ايضا: اخضاع الجماعة لاحوال معيشية سيئة تفضي الى هلاكها كليا او جزئيا مع توفر القصد المسبق لهذا السلوك الممنهج. وكذلك تعد جريمة ابادة جماعية اذا افضى الفعل الى الحاق ضرر جسدي او عقلي جسيم بافراد الجماعة المستهدفة مع تحقق النية المسبقة لارتكاب الفعل المذكور وضمن سلوك مماثل وواضح. ويندرج تحت عنوان الابادة الجماعية ايضا نقل اطفال الجماعة عنوة شرط ان يكون المنقولين عنوة دون سن الثامنة عشرة مع علم الجاني انهم دون السن المذكورة مع تحقق ركن العمد من قبل الفاعل وان يؤدي الى هلاك الجماعة.

علما ان المعتدي الصهيوني هنا على قناعة تامة انه قادر على الافلات من العقاب، لان تلك النصوص على كثرتها ونوعيتها فانها فاقدة للآلية المطلوبة للتنفيذ بسبب ذات المثلبة الموجهة للقانون الدولي المتمثلة في غياب الجهاز المكلف بتطبيق القانون وتنفيذ الاحكام القضائية خلافا للقوانين الوطنية التي تملك تلك الاجهزة القادرة على التنفيذ وتحتكر السلاح بموجب قوانين الدولة. هذا اولا اما ثانيا فان المؤسسات والهيئات الدولية التي احدثتها تلك النصوص وذات الصلة بمواضيعها لا تملك الصلاحيات المطلوبة لفرض الجزاء على منتهك احكامها وحيث انها بهذا الوضع فهي ايضا غير قادرة على جبر ضرر المتضرر من تلك الانتهاكات. ثالثا - ان العديد من الدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة الامريكية في حالات كهذه تسعى جاهدة لتمكين المعتدي الصهيوني من الافلات من العقاب وبشتى السبل عن طريق استخدام ثقلها السياسي واللوجستي والاعلامي. رابعا – المحكمة الجنائية الدولية المنبثقة عن نظام روما وبوضعها الحالي مع الكلفة المالية الباهضة لرفع الدعاوى امامها وتراخي مواعيدها فضلا عن وضعها الارستقراطي في التشكيل والممارسة وتدخل الدول الكبرى في شؤونها تجعلها احدى الادوات المفضية للافلات من العقاب.

ان هذا الوضع المعيب المناقض لحقوق الانسان يجعل الامم المتحدة ومؤسساتها عاجزة عن تطبيق القانون الدولي الانساني وهذا العجز هو الذي اصاب امينها العام انطونيو غوتيرش بالرعب لمشهد الضحايا في غزة وعجز المؤسسة الاممية عن ردع المعتدي سواء كان ردعا عاما ام خاصا فضلا عن غياب الجبر للمتضررين يجعل من نصوص القانون الدولي الانساني نصوصا محنطة فاقدة لفاعليتها وفاقدة لقدرتها على التطبيق ولهذا الوضع يمكن القول ان الامم المتحدة ومؤسساتها وهي في هذا الوضع قد طالها التقادم فعلا ما دام الجاني يفلت من العقاب والمتضرر لا يجبر ضرره. هنا يجب التفكير جديا للبحث عن اليات اخرى لوضع القانون الدولي الانساني موضع التطبيق وصولا للعدالة المطلوبة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top