اخر مقالة كتبها الراحل محمد عارف ولم يتنسنى له نشرها: الوجود و العدم

آراء وأفكار 2023/11/29 11:24:31 م

اخر مقالة كتبها الراحل محمد عارف ولم يتنسنى له نشرها: الوجود و العدم

محمد عارف

((استيقظت صباح هذا اليوم ربما، وهل استيقظت؟ فأنا حتى هذه اللحظة وبعد مرور ساعات على استيقاظي ما زلت لم استيقظ بعد فانا اعيش في العدم الذي مشيت عبره منذ الاستيقاظ حيث رأيت في لحظة الاستيقاظ فتاة بالغة الجمال وانا اسير على سفح تل إلى أن وصلت إلى منزلي.

ثمة شعور يراودني بأنني لم استيقظ بعد! ومازلت أعيش في حلم منذ أن دخلت إلى منزلي في الصباح ولم أكن واثقا بأن هذا هو منزلي؛ ولم أكن واثقا بأن ما أراه حقيقيا. بيد أنه، وكالعاده، استقبلني في منزلي عامل الرعاية الصحية مثل كل صباح وأخذني إلى الحمام وساعدني على الاغتسال، ثم أعادني الى غرفة نومي حيث ساعدني في أن أجفف جسدي من مياه الحمام وألبس ملابسي وأغادر غرفة النوم الى غرفة الجلوس.

كل ذلك يحدث وأنا غير مصدق أن ذلك يحدث؛ وهذا ربما ما يسميه العلماء متلازمة شارل بونيه البصرية التي شخص بداياتها عندي طبيبي العائلي في لندن قبل نحو ثلاث سنوات، وانذاك لم ألتفت إليها لأنها كانت تمر مروراً عابراً في حياتي. هذه المتلازمة تريني ما لا وجود له في صورة تشكيلات ضوئية؛ وكل ما أراه موجوداً ربما ليس له وجود أو له وجوداً آخر ينشأ داخلي.

والآن هذا الشعور بالعدم الذي يلازمني، وأعتقد أن كبار الرسامين ربما كانت لديهم هذه المتلازمة، وهي قاعدة إبداعهم؛ وإلا من يصدق أشكال بيكاسو الذي يحيل كل شيء يراه إلى تكوينات لونية، كذلك أعمال مشاهير الفنانين العالميين أمثال: غوغان وسيزان وماتيس وبول كليي وشاكال صاحب الكائنات التي تطير في الهواء.

ربما تصيب متلازمة شارل بونيه ملايين الناس العاديين وليس العباقرة فحسب. وقد تفسر لنا كثيراً من المشاكل الإنسانية، التي قد يسبب بعضها أحداثاً مأساوية في النهاية. أن ترى شيئاً لا وجود له قد يدفعك حتى إلى اقتراف جريمة.

ووراء كل ذلك الوجود والعدم الذي يحكم حياتي. عندما استيقظت في الصباح تصورت أن كل ما أراه عَدما لا وجود له، لكنني الآن دهشت لأن ما أراه ليس عدماً.وقد أفردت منظمة الصحة البريطانية دراسة عن هذه المتلازمة ذكرت فيها ما يلي:

"متلازمة شارل بونيه تجعل الشخص الذي بدأ بصره يتدهور يرى الأشياء ليس كما هي، وربما كما يراها الفنانون في صورة تشكيلات ضوئية ولونية. وقد تكون أنماطا بسيطة أو صورا تفصيلية لأحداث أو أشخاص أو أماكن، فهي بصرية ولا تتضمن إشارات صوتية أو أحاسيس أخرى.

ومن المهم الانتباه إلى أن هذه المتلازمة سببها تدهور في الحاسة البصرية. وليس سببها مشكلة عقلية أو الخرف. والأشخاص الذين يعانون من هذه المتلازمة يدركون أن ما يرونه لا وجود له حتى إذا كانت التشكيلات التي يرونها شديدة الوضوح".

وتقدر نسية المصابين في المملكة المتحدة بهذه المتلازمة بين 20 الى 40 بالمئة من الذين فقدوا بصرهم، حسب معلومات تشارلز بونيه البريطانية.

واشتهرت هذه العلة باسم شارل بونيه نسبة إلى الفيلسوف السويسري الذي وصفها لأول مرة عام 1760 في مطبوعة وصف فيها حالة جده، ومع ذلك لم يطلق على هذه الحالة عالميا اسم متلازمة شارل بونيه حتى عام 1967 عندما أطلق عالم سويسري اسمه جورج دي مارسيه عليها هذا الاسم.وفي يونيو حزيران عام ٢٠١٩ صنفتها منظمة الصحة العالمية كحالة مرضية متميزة)).

كانت التشكيلات الضوئية تنتابه بين الحين والآخر، تبهره أحيانا بألوانها، وتزعجه أحيانا أخرى حينما يتهأ له أنها تنقله إلى أمكنة خارج البيت، وللتخفيف عنه قلت له إذا كان تشارلز بونية يصول ويجول بك دعه يأخذك إلى بغداد.

ضحك عاليا وقال: "والله خوش فكرة".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top