موسيقى الاحد: فاضل صاي وتنويعات غولدبرغ

موسيقى الاحد: فاضل صاي وتنويعات غولدبرغ

ثائر صالح

ذكرت الأحد الفائت أنني حضرت حفل فاضل صاي في قصر الثقافة في بودابست يوم 21 تشرين الأول الماضي،

قدم فيه تنويعات غولدبرغ لباخ. كان المقعد الذي حجزته على الشرفة تحت أنابيب الأورغن في خلفية المسرح، يبعد حوالي عشرة أمتار عن العازف الشهير. بذلك كانت حركات هذا الفنان واضحة وجلية، وكذلك تفاعله مع العمل وهو ما اشتهر به من قبيل الهمهمة وإصدار الأصوات بقدميه.

يعطي باخ في هذا العمل العازف مطلق الحرية في ترجمته وتقديمه لخلوه من الإرشادات المعتادة في المدونات الموسيقية، على الخصوص الإرشادات الديناميكية (قوة الصوت). لذلك نرى أن تقديمه يختلف من عازف لآخر. وكان أداء فاضل صاي لا ينسى، فقد تبينت مهاراته التقنية بشكل واضح، وطرّز عمل باخ بأسلوبه ومهره بتوقيعه المميز، وقدمه بروحية متميزة مثلما قدمه غلن غولد بروحية متميزة وخاصة به. ابتعد صاي عن الإداء التاريخي وعن كل محاولات غالبية الفنانين تخيل كيف كان باخ يود تقديمه. إذ كانت ترجمته ترجمة رومانتيكية، يُبرز فيها جمال هذا العمل الرائع وفهمه العميق له. حتى أنه أدى بعض المقاطع بروحية الجاز، فقد خيل لي تلاعبه بالنبض (سينكوبا) في موقع أو موقعين.

قابل الجمهور صاي بعاصفة من التصفيق وقوفاً إثر انتهائه من عمل باخ، فقدم مؤلفه الشهير "الأرض السوداء" التي يكتم فيه رنين أوتار البيانو بأصابعه لإصدار صوت يشبه الأدوات الشعبية، وهو عمل يستند إلى مادة شعبية أناضولية يتعامل معها ويطورها مستعملاً هارموني جريء وكوردات وإيقاعات مميزة للجاز.

يقوم فاضل صاي بجولة أوروبية كثيفة خلال هذه الأشهر، فقد قدم حفلاً في أوسلو قبل يومين من حفل بودابست، وقدم حفلا في أمستردام بعده بيومين، فهو يتنقل من مدينة إلى أخرى ومن بلد لآخر بشكل سريع. غير أن كل حفلاته في سويسرا التي كان من المزمع إقامتها في أواخر الشهر الماضي مع فرقة برمنغهام السيمفونية في زيورخ وبرن وجنيف ولوسرن أُلغيت من قبل الجهة المنظمة، ومن جانب واحد. ذكر بيان أصدره صاي أن السبب هو فيديو تحدث فيه عن ضرورة السلام، وثلاث تغريدات كتبها الفنان على تويتر أشار فيها إلى حزنه بسبب الارهاب، وإلى الأفق المسدود الذي ينتظر سياسة نتانياهو في الحرب التي وصفها بالخاطئة والقاسية، وأيد موقف أردوغان الذي يعتبره حساساً وينزع إلى السلمية. وعبر الفنان في بيانه إثر هذا الحادث عن خيبة أمله في حرية التعبير في أوروبا، وأن ثقته فيها قد تزعزعت.

وسبق أن قُدم أحدث أعمال صاي في أيار الماضي في بودابست، وهو كونشرتو لأداتي ترومبت. قدمت العمل فرقة براغ السيمفونية وأدى العزف المنفرد غابور بولدوتسكي وسرغي ناكارياكوف وقاد الأوركسترا آندري بوريكو. للفنان الكثير من الأعمال بينها ثلاث سيمفونيات (اسطنبول، ميزوبوتاميا والكون) واوراتوريو ناظم حكمت وكونشرتات (منها للناي والأوركسترا) وقام بإعادة توزيع أعمال مختلفة (مثل تحويل أحد أعمال دده أفندي الشهيرة إلى فانتازيا للجاز).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top