تحوّل إسرائيل الى عبء جيوستراتيجي على أمريكا وانعكاساته الاقليمية

آراء وأفكار 2023/12/03 10:26:16 م

تحوّل إسرائيل الى عبء جيوستراتيجي على أمريكا وانعكاساته الاقليمية

فراس ناجي

شاعت في العقود الماضية مفاهيم نمطية بان السبيل الأفضل لاستقرار الشرق الأوسط ورفاهية دوله هو التحالف مع أمريكا وذراعها الإقليمية الضاربة إسرائيل، لعدم جدوى مقاومتهم بسبب هيمنتهم على المنطقة ونجاحهم في تحقيق أهدافهم سواء بالعنف أو بالنفوذ.

لكن التغيرات العالمية نحو التعددية القطبية والحرب الجارية في غزة بعد معركة طوفان الأقصى قلبت هذه المفاهيم وحوّلت إسرائيل من الوكيل المنشود لضمان أمن حلفاء أمريكا الى عبء ثقيل عليها.

تاريخياً، ساند الغرب إسرائيل في حروبها ضد العرب ليكون لها أرجحية دائمة وفارقة في ميزان القوى على جيرانها لأنها مثّلت المرتكز الأهم لمصالحهم الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط خاصة خلال الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقي. كما استمر هذا الدور بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ودخول أمريكا المباشر في الشرق الوسط في حرب الكويت ومحاولتها تأسيس نظام إقليمي تندمج فيه إسرائيل عبر اتفاقيات صلح مع الفلسطينيين وبقية الدول العربية.

غير إن إسرائيل وجدت فرصتها الذهبية بعد هجمات سبتمبر 2001 وغزو العراق، عندما التقت أجندة أحزاب اليمين الاسرائيلي التوسعية مع أجندة حلفائهم المحافظين الجدد الذين سعوا لهيمنة أمريكا على العالم وعلى منابع النفط. فأصبحت إسرائيل المرتكز الرئيسي لتنفيذ الستراتيجية الامريكية في فرض هيمنة النظام الدولي الليبراليعلى العالم انطلاقاً من الشرق الأوسط لتعزيز العولمة من خلال حوكمة دولية مستمدة من القيم الغربية. فقد أعلن الرئيس بوش الأبن في 7 نوفمبر 2003 “إن انشاء عراق حر في قلب الشرق الأوسط سيكون حدثاً فاصلاً في الثورة الديمقراطية العالمية”.

لقد أستخدم المحافظون الجدد مصطلح “الفوضى الخلاقة” على اعتبار ان أثمان هدم المجتمعات التقليدية في الشرق الأوسط يمكن تحملّها من أجل بناء مجتمعاتها الخلاقة الجديدة،في تناظر لعملية التهديم والتغيير للقيم والمعايير التقليدية في المجتمع الأمريكي الليبرالي والتي يعدّونهاأساسية للمحافظة على طاقة المجتمع الإبداعية.غير إن “عقيدة بوش” الستراتيجية لم تحقق المثال للنظام الدولي الليبرالي في الشرق الأوسط الجديد، بل أفضت إلى نظام إقليمي أمني بقيادة الولايات المتحدة هيمنت فيه إسرائيل على الدول العربية التي أنهت صراعها أو طبعّت علاقاتها معها، بينما تشكلت محاور متصارعة بين دول المنطقة على أسس طائفية أو أيديولوجية (مصر والسعودية والامارات مقابل قطر، وتركيا مقابل إيران وأذرعها)، مع ساحات لهذه الصراعات – من ضمنها العراق – تعاني من أوضاع كارثية.

لكن الأولوية الجيوستراتيجية الأمريكية بدأت في التحول من الشرق الأوسط عبر عقيدة أوباما للتمحور في آسيا في 2011 لاحتواء قوة الصين المتعاظمة، ثم عبر سياسة أمريكا أولاً التي تشكك بجدوى النظام الدولي الليبرالي والتي اعتمدها الرئيس ترامب. في المقابل بدأت روسيا عبر الحرب في أوكرانيا والصين عبر الدفاع عن نفوذها في تايوان وبحر الصين الجنوبي، في ملئ الفراغ الناتج عن تضعضع نظام الهيمنة الأمريكية، وبدأ الوضع الجيوستراتيجي العالمي بالتحول نحو التعددية القطبية التي تعطي الأولوية الى تعزيز الأمن القومي حسب النظرية الواقعية Realism على حساب المصالح الاقتصادية والعولمة التي كان يسعى لها المحافظون الجدد من خلال النظام الدولي الليبرالي.

لقد انعكست هذه التغيرات الجيوستراتيجية العالمية على الرؤية الأمريكية للتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط باتجاه مطالبة إسرائيل بالقبول بالاتفاق الأممي حول البرنامج النووي الإيراني، ووقف بناء المستعمرات، والمضي في حل الدولتين. إذ نبّه العديد من الباحثين الأمريكيين المهمين - خاصة من مُنظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية - الى التباعد في الأهداف الستراتيجية الأمريكية عن تلك التي تعتمدها إسرائيل وتضغط على الإدارات الامريكية لتبنيها، مثل كريستوفر لاين الذي طالب منذ 2009 بتحول أمريكا نحو ستراتيجية “التوازن عن بعد”Offshore balancing في الشرق الأوسط، وروبرت بلاكويل في تقريره الى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في 2015.

أما جون ميرشايمر،فقد حذّر في كتابه “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية” من قدرة هذا اللوبي في التحكم بالإدارة الأمريكية لدعم سياسات اسرائيل لخدمة خططها التوسعية ولو كانت على الضد من المصالح الستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. لكن اسرائيل استمّرت في هذه السياسات، إذ تم تحقيق إنجازات مهمة مثل الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع ايران، وطرح اتفاق “صفقة القرن” التي ركزت على الحلول الاقتصادية للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، كما عززت اسرائيل علاقاتها مع الدول العربية المُطبّعة من خلال اتفاقات إبراهيم، وطوّرت التنسيق العسكري المشترك مع دول الخليج العربي من خلال البنية الأمنية الأمريكية للشرق الأوسط.

لقد كانت الستراتيجية الإسرائيلية في قمة انتصارها المُتوهم قبل أسابيع فقط من معركة طوفان الأقصى، فقد صرّح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلته مع فوكس نيوز ان هناك مفاوضات جيدة ومستمرة للتطبيع مع إسرائيل في سبيل “أن يسّهل حياة الفلسطينيين ويجعل إسرائيل أحد اللاعبين في الشرق الأوسط”، في حين أشار نتنياهو في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الى مشروع طريق الهند مع دول الخليج الذي أعلنه الرئيس بايدن مؤخراً وأظهر خريطة تبين إسرائيل - مع الدول العربية المتصالحة معها - وهي تحتل كل مساحة فلسطين التاريخية بدون أي أثر للدولة الفلسطينية؛ بينما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفانفي مؤتمر رعته مجلة أتلانتيك ان “منطقة الشرق الأوسط أكثر هدوءاً اليوم مما كانت عليه منذ عقدين من الزمن”.

لقدأسقطت معركة طوفان الأقصى– وبلا رجعة في المستقبل المنظور - معادلة التغول الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة مقابل الأمن والرفاه الاقتصادي للدول العربية بضمانة أمريكية، والتي كانت تدفع بها إسرائيل طوال عقود لتهميش القضية الفلسطينية من خلال فرض الأمر الواقع وتعزيز هيمنتها على محيطها العربي وتحجيم أي تهديد إقليمي لها. فقد تشكّل الآن شبه يقين عند أمريكا والغرب وباقي العالم بأن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها في أي مقاربة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، بل إن الحرب في غزة كشفت أن إسرائيل أصبحت هي التي تشكل التهديد الأكبر للأمن والاستقرار في المنطقة. كما منحت ستراتيجية إسرائيل الفاشلة التي أدت الى الصراع الحالي في الشرق الأوسط،فرصاً ثمينة لروسيا في تعزيز تفوقها على أوكرانيا وللصين في تعزيز نموها الاقتصادي وتدعيم نفوذها الدولي المتصاعد من خلال انخراط أمريكا الكلي في هذا الصراع، ما يعمّق التعارض بين المصلحة الأمريكية في الانسحاب من الشرق الأوسط والتحول نحو ستراتيجية التوازن من بعد وما بين الستراتيجية الإسرائيلية التوسعية.

ومن جهة أخرى أدّى الخطاب العنصري الفاضح لإسرائيل وجرائم الحرب التي ترتكبها في غزة الى تحول غير مسبوق لنسبة كبيرة من الرأي العام الأمريكي، خصوصا في اليسار ضد السياسة الإسرائيلية فأصبح الحزب الديمقراطي منقسماً حول الدعم المطلق لإسرائيل، فيما طالب أعضاء من مجلس الشيوخ بوقف الحرب في غزة. كما طالب صحفيون يهود يعّرفون أنفسهم كداعمين أقوياء لإسرائيل مثل توماس فريدمان بالضغط على إسرائيل لفرض حل الدولتين عليها.

كذلك تضاءل النفوذ العالمي والقوة الناعمة لأمريكا والغرب بسبب انكشاف موقفهم في التحيز المطلق الى إسرائيل على حساب قواعد النظام الدولي الذي يدافعون عنه، وتغطيتهم لجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل أو مشاركتهم فيها. وقد انعكس ذلك في قمة بريكس الافتراضية الأخيرة حول الحرب في غزة فطالب زعماءها بهدنة إنسانية فورية تؤدي إلى وقف الأعمال العدائية وتفعيل القرارات الدولية لحل الدولتين. أما بالنسبة للسعودية – وهي الدولة الأهم التي كانت إسرائيل تسعى الى تطبيع العلاقات معها لاعتبارات مادية ومعنوية – فقد لعبت دوراً مهما في تنظيم القمة العربية والإسلامية المشتركة في الرياض التي أدانت إسرائيل وطالبت بوقف الحرب وملاحقة اسرائيل على جرائمها، في حين طالب ولي العهد محمد بن سلمان بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل في قمة دول بريكس.

لقد مثّلت معركة طوفان الأقصى والحرب في غزة محطة فاصلة انكشفت فيها إسرائيل كعبء ستراتيجي ثقيل على أمريكا منكفئة في نظام عالمي يتجه الى التعددية القطبية، ما يدل على إن النظام الإقليمي للحقبة القادمة في الشرق الأوسط لن تكون اليد العليا فيه لأمريكا وإسرائيل أو لدول المنطقة المتحالفة معهم؛ خصوصاً إذا اخذنا في الاعتبار عجز أمريكا وإسرائيل لحد الان عن تحقيق أي انجاز يمكن أن يعيد الوضع الإقليمي الى ما قبل معركة طوفان الأقصى، وإنه من الصعب عليهم تحقيق ذلك في المستقبل المنظور.

لذلك عراقياً، لابد من التفاعل مع التغيرات العالمية والإقليمية من خلال تنضيج مشروع سياسي لاستعادة السيادة والاستقلال الوطني والمساهمة الفاعلة في بناء نظام أمني إقليمي خارج نطاق الهيمنة الأمريكية. لكن من اللافت حقاً إن الخطاب السياسي لجميع الأطراف الآن يكاد يخلو من أي إشارة الى السعي لاستقلال البلاد على الرغم من إن النظام السياسي الحالي لا يزال تحت الرقابة الدولية لمجلس الأمن، وعائدات مبيعات النفط يسيطر عليها البنك الفيدرالي الأمريكي، بينما يرتبط العراق عملياتياً بالتحالف الدولي ضد داعش؛ في حين كان الهاجس الأكبر لأحزاب المعارضة في مطلع تأسيس الدولة العراقية هو استقلال العراق وانهاء الانتداب البريطاني. فمن المفارقة، إنه بينما كانت بريطانيا حينها تبني مؤسسات الدولة على نمط الحداثة الأوربية وتدافع عن سيادة العراق، أصبح العراق الآن ساحة للصراع الإقليمي ودولة شبه فاشلة مؤسساتيا وانفاذا للقانون.

إن استمرار هذا القصور في التعامل مع الشأن الجيوستراتيجي يشكل خللاً كبيراً ليس فقط عبر التخلف عن التعامل مع تطورات الاحداث بفعالية وندية، بل أيضاً– وربما هو الأهم – عبر إبقاء العراق ساحة للصراع الإقليمي من جهة، ومنح الفرصة للآخرين لاستخدام العراق كورقة لخدمة مصالحهم التي قد تتعارض مع مصالح العراق الوطنية من جهة أخرى.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top