الرسام جاسم الفضل..  التنوع الذي لا حدود له

الرسام جاسم الفضل.. التنوع الذي لا حدود له

خالد خضير الصالحي

أقامت جمعية التشكيليين العراقيين فرع البصرة معرضا استعاديا للرسام العراقي الراحل جاسم الفضل، (البصرة 1955-2023)

الذي رحل، عن عالمنا، يوم 29.9.2022 اثر جلطة دماغية فارق على اثرها الحياة، وكان جاسم الفضل واحدا مما سمي بفناني جيل الثمانينيات العراقي الذي ينتمي له عدد من اهم رسامي البصرة:

عدنان عبد سلمان، وحامد مهدي الخفاجي، وجبار عبد الرضا، وهاشم حنون، وعيسى عبد الله وجنان محمد بينما كان ينتمي انتماءً (فكريا)، بدرجة ما الى الجيل السابق له، فكانت وشائجه الأقوى تشده الى جيل السبعينيات، ومنهم في البصرة: فيصل لعيبي وصلاح جياد، فكان جاسم الفضل يحمل بداخلة محنة تماثل محنة جيل الستينيين من الرسامين العراقيين الذين كانوا ينتمون تقنيا، وعبر المنجز المتحقق إلى أجيال ستعقبهم! وأهمها جيل الثمانينيات وذلك لان الستينيين قد وصلت تجارب بعضهم إلى ذرى تقنية عالية، كما هي عند صالح الجميعي، وسالم الدباغ، ومحمد مهر الدين وعلي طالب وضياء العزاوي وغيرهم، بينما كانوا ينتمون فكريا الى جيل عتيق سابق لهم هو جيل (الخمسينيات) الذي امتاز بتعظيم الرؤية والتنظير، بالتوازي مع المنجز المتحقق، وتعظيم الأيديولوجيات، والمدونات النظرية اللغوية، وهذان الجيلان الـ(سبعينـ ـ ثمانينـ)ـيـات القرن العشرين هم اجيال الحقبة التي أعقبت جيل الستينات في البصرة: محمد مهر الدين، وعلي طالب، وعجيل مزهر، وفاروق حسن وسلمان البصري وغيرهم، وتتلمذوا على أيديهم، وخاضوا أشرس وأجرأ تحولات الرسم العراقي، فجاء الجيل الـ(سبعينـ ـ ثمانينـ)ـي ليتحمل مهمتين متناقضتين هما: أولا، الاستجابة لما تفرضه الايدولوجيا التي أطبقت على الثقافة العراقية، والتشكيلية بشكل خاص باعتبارها جزءا جوهريا من الثقافة العراقية، في سبعينيات القرن العشرين، وثانيا، محاولة تحرير (الخطاب) الستيني الذي ظل ينهل من منطلقات خمسينية، كما قلنا، لتحريره من ربقة الايدولوجيا بعد أن تمكن هؤلاء الستينيون من تحرير (اللوحة) من ترابطاتها، وإحالاتها الخارجية، لتكرس اهتمامها إلى شيئيتها (ماديتها)؛ فكانت هاتان المهمتان المتناقضتان تلقيان بأثقالهما على كاهل عدد كبير من الرسامين العراقيين حتى الوقت الحاضر.

***

يبدو جاسم الفضل، في معرضه الاستعادي هذا، وكأنه قضى عمره الفني متوزعا بين أقنومين هما الرسم الأكاديمي، والرسم التجريدي، ومحاولته إيجاد وسط ذهبي بين هذين القطبين عبر الفن التعبيري الذي يقف مترددا بينهما، فكان منجزه سنوات طوال منقسماً بيم هذين الاقنومين المتنازعين بين التمثيليّ الواقعيّ، والتجريدي اللا تمثيلي، مرورا بالوسط (الذهبي) متمثلا بالرسم التعبيريّ؛ فكان اكاديميا يصور لقطات الواقع بأمانة رسام انطباعي متمكن من ادواته، ولكنه كان يحث الخطى، طوال منجزه السابق، لتقديم أولى بوادر تحوله عن الرسم الأكاديمي شيئا فشيئا نحو التجريد التعبيري عابرا من خلاله نحو تجريدية طفيفة، فكان تحوله حذرا ومدروسا نحو التعبيرية كمدرسة فنية، هيمنت على المشهد التشكيلي للرسم العراقي في ثمانينات القرن الماضي باعتبارها نسقا دائم الخضرة، ومتجددا وصالحا بشكل ابدي، رغم انه تحقق بفعل ربما عوامل اجتماعية (خارج مادية) أهمها، برأينا، ثقل وجسامة الحرب العراقية الإيرانية على الوضع الاجتماعـ/ـثقافي، حيث بشّر عدد من النقاد في ذلك الوقت بهذا النمط من الفن ووصفه بعضهم بقولهم ان "التعبيرية، خلال الثمانينات، كانت نزعة أسلوبية عامة" (مجلة الطليعة الأدبية، بغداد، العدد 3-4، 1990، ص 11)، حينما شكل الاتجاه التعبيري في ذلك الوقت، برأينا، ارتدادا على منجز الستينيات الذي تجاوز الرسم التعبيري، والوحشي المهيمن في مرحلة الرواد، فكانت لوحات جاسم الفضل تذكرنا بتلك المرحلة التي كان فيها عاصم عبد الأمير، وهاشم حنون، وجسام خضر، وخالد رحيم وهل، وفاخر محمد، وآخرون يرسمون بهذه الطريقة، فنا تعبيريا حاول جاسم الفضل أن يجعله قادرا على استيعاب الدفق العاطفي الذي يعتمل في داخل الفنان، ونقل دفق الإحساس اللوني، والحركة، حينما تخالطه لمسات من التجريد، وأسلبة الأشكال.

***

يكفي أن يُشاهد المتلقي، ولو معرضا صغيرا من أعمال الفضل؛ ليقتنع إن الثيمات، التي ستشكل (المداخل) الأهم للكتابة عن هذه التجربة تتراوح بين: (التنوع الخلاق) بأنماط المنجز المتحقق، وارتياده آفاقا مختلفة وإبداعه فيها كرسوم مجلات الأطفال وغيرها، وبين (الهيمنة على المادة)، وأسلوبه بما أسميته (التعبيرية المؤنسنة)..

الهيمنة على المادة:

رغم ان الكثيرين من المهتمين بالفن التشكيلي يعتبرون جاسم الفضل ذا نزعة تحاول جهدها الحفاظ على أمانة نقل موجودات الواقع دونما (تحريف) عما هو ماثل أمامه في الواقع المعيش، إلا أن غالبيتهم على انه كان يصب جهده على تقديم (اختلافه) و(فردانيته) تتمثل أهم مؤهلات جاسم الفضل في هيمنته على المواد التي يشتغل عليها مهما تنوعت المادة التي يشتغل عليها، ومن خلال متابعتنا لتجربته الفنية طوال (خمسين) عاما، اثبت جاسم الفضل تفوقه التقني في معالجاته لكل الخامات التي أشتغل عليها اشتغالا عاليا: من ابسط المواد إلى اعقدها، اغلاها، ومن أرخصها إلى أغلاها، فقد استخدم: أقلام الرصاص، والفحم، والحبر الصيني، وأصابع الباستيل، والالوان المائية والزيتية والاكرليك، وأيضا كان عاشقا للألوان المائية التي مكنه تفوقه في معالجتها إلى أن تشكل بالنسبة له ما يماثل دفتر الملاحظات للروائي؛ فكان يسجل فيها ما يدور حوله من وقائع الحياة اليومية في مدينته البصرة؛ لكنه لم يكن يعول على المهارة وحدها، كما وقع في هذا الفخ بعض التقنيين الاكاديميين، فلم يكتفِ يوما بالمهارة التقنية وحدها بل تجاوزها الى: تنويعِ الموضوعات، والمُعالجات.

الانطباعية الاكاديمية:

ان أولى الاتجاهات الاسلوبية التي حاول جاسم الفضل ان يرسخ اقدامه فيها كانت محاولة رسم موضوعات ذات موضوعات (محلية) صحيح أنها تهدف، في ما تهدف، الى تحقيق رغبته في (تسجيل) الحياة اليومية لمدينتهِ البصرة، ولكن تلك الموضوعات كانت مناسبة لتسجيل انطباعاته اللونية، كما كان يفعل الانطباعيون المكتفون بمؤهلاتهم الاكاديمية؛ فاكتفوا باشباع ولعهم التسجيلي للـ(يوميات) في البصرة: واجهات البيوت التراثية، والازقة والاهواروالصناعات اليدوية التي اوشكت على الانقراض، لقد انجز في هذا الاتجاه الكثير من الاعمال، مما يجعلنا نعتقد ان اهم أهدافه من تلك الاعمال التي تسجل الوقائع اليومية، تجربة واختبار الطاقة التعبيرية للمواد المختلفة واعتبار الموضوع مناسبة للرسم ليس الا.

التعبيرية المؤنسنة:

ان توجهات جاسم الفضل في تجاوز تجاربه الأكاديمية الانطباعية جعلته يقدم منجزا يحافظ فيه على الوجود الإنساني كمركز ثقل في التجربة، وهو ما كان ينتهجه أهم رسامي البصرة التعبيريين من الستينيين: علي طالب ومحمد مهر الدين وفاروق حسن، ومن مجايليه: حامد مهدي وعدنان عبد سلمان وجبار عبد الرضا؛ وكان هذا نمطا الآخر حاول فيه جاسم الفضل ان يكون مختلفا عن الاخرين ليشكل ملمحا اسلوبيا (تعبيريا) خاصا، كان يحقق فيه وجودا مهيمنا للمشخص، والشكل البشري تحديدا، وكان يقف فيه موقفا وسطا بين النمط الواقعي (الاكاديمي الانطباعي) الذي أتينا على ذكره، وبين النمط الذي اتجه به أحيانا وجهة تجريدية، وهذا النمط (التعبيري) نجده ذا "حمولات فكريةٍ واسعةٍ، وهموم مُعقدةٍ تصور محنة الإنسان، أي إنسان، وبالمعاني الواسعة للمحنة"، وهي تجربة تتجاوز (السمات المحلية) التي كرسها خطابُ عصر الرواد التشكيلي العراقي في الثلث الثاني من القرن الماضي، والتي نجدها في النمط الاكاديمي الذي يسجل عبره الحياة اليومية لمدينته البصرة؛ دون ان يتخلى لحظة عن محاولة تحقيق الروحَ المحلية عبر الموضوعات محلية مع المحافظة على سمات الفن الانطباعي الأكاديمي الذي تلقاه في سنوات الدراسة في معهد الفنون الجميلة في بغداد.

تجريدية الأثر

فكان يحاول لم يكتفِ جاسم الفضل بالرسم الواقعي، كمحطة اخيرة، وإنما كان يتجهُ الى الرسم التجريدي من خلال مرحلة وسيطة هي أسلوب الرسم المعروف (بالتعبيرية التجريدية) التي تكرس اهتماماً خاصة لتصوير محنةَ الانسان، فكان أسلوبه يشتركُ فيه مع رسامين اخرين ابرزهم الراحل كاظم حيدر من ناحية المعالجات اللونية الخشنة التي تتركُ أثر الضربات القوية القاسية للفرشاة على سطح اللوحة، حيث يحاصَر ابطالُه بمِحَن لا اخر لها، تماما كالمحن التي تحاضر ابطال الرسام فرنسيس بيكون (Francis Bacon)، فقد كان يحاصِر ابطالَه بمكعبات تقوم مقام جدران زنزانات السجون، وهي آلية سبق وأُخضِع لها شخوص اللوحة في تجارب الرسامين: كاظم حيدر ومحمد مهر الدين، فـ"تتطرز خلفية اللوحة بخطوط وحروف وأرقام ولطخات لونية عشوائية تؤدي وظيفة الهالة الدلالية المكملة للقصد المضمَر في وعي الفنان المنتج لعلاماته الأساسية وأهمها الجسد الإنساني" (هالات جاسم الفضل، محمد خضير).

تبادل التأثير والتعايش المشترك

إنَ الاتجاهات الثلاثة (الواقعية الانطباعية، والتعبيرية التجريدي، والتجريدية) كانت تتبادل التأثير، والاستعارات من بعضها البعض، فالخيول التي شكلت موضوعا اثيرا عند جاسم الفضل، حينما كان يصور مضارب البدو في الصحراء، يحل محلها، في اتجاهه التعبيري، كائن مستوحد ومسجون ومحاصر بالخطوط والمكعبات، وتتحول هذا الموضوعات، في اعماله التجريدية، الى، ما يسميه القاص محمد خضير (إكسيرَ الفنّ اللامسمّى).

ان هذه المدارس الفنية الثلاثة، عاشت متساوقةً معاً، في تجربة جاسم الفضل، وليست متعاقبةً بالضرورة، ألا انه يمكن القول بأن الاتجاه التجريدي كان أقل المراحلِ كمّاً بالإنجاز، وآخرها ربما زمناً، إضافة الى ان الهدف فيها واضح تماما، ان تكون اللوحةُ مناسبةً لمعالجة المادة تقنياً وليست وسيلة لتشكيل موضوع سردي.

***

جاسم الفضل في سطور

الفنان جاسم الفضل، تولد ١٩٥٥ البصرة، دبلوم معهد الفنون الجميلة، بكلوريوس كلية الفنون الجميلة، أقام العديد من المعارض الشخصية في البصرة وبغداد، اشترك في كثير من المعارض داخل العراق وخارجه، عمل في دار ثقافة الأطفال (مجلتي والمزمار).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top