أين التضامن العالمي من القضية الفلسطينية؟

آراء وأفكار 2023/12/04 11:01:09 م

أين التضامن العالمي من القضية الفلسطينية؟

د. احمد عبد الرزاق شكارة

ما يصبو إليه شعبنا الفلسطيني باصرار وصبر لايلين يأتي من خلال اذكاء حقيقي للدور الستراتيجي للمقاومة الوطنية الفلسطينية في مواجهة اسرائيل (التي تتصدرها حماس اولا ومن القوى الاخرى المساندة - على رأسها منظمات حزب الله والجهاد - ثانيا) بهدف ولادة دولة فلسطين الحرة المستقلة،

وهذا بالضبط ما ركزت عليه العديد من الخطب التي القيت من قبل ممثلي الدول الاعضاء في المجتمع الدولي في مجلس الامن الدولي في يوم ال29 من نوفمبر / تشرين الثاني 2023 بظرف استثنائي يحمل تداعيات أستراتيجية خطيرة على أمن ومستقبل المنطقة. إن الاجتماع الاخير للعام 2023 جرى في ظل تمديد للهدن المؤقتة التي تمحورت حول تبادل الاسرى بين حماس واسرائيل تحت وساطة قطرية – مصرية – أمريكية (وسيط منحاز لاسرائيل) في سبع جولات أخفقت اسرائيل إستكمالها بضربات شديدة جوية وبرية مدرعة وبحرية صاروخية لم ترحم طفلا، أمراة، شابا وشيخا. إن الازمة السياسية للصراع الراهن عبر عقود فجرت أخيرا - عقب آخر هدنة مؤقتة - دور صهيوني خارج القانون الانساني مارسته سلطة نتنياهو اليمينية ومجلس حربه المصغر إذ تم مواصلة العدوان الاسرائيلي والمجازر على اقسى صورها رعبا من التطهير والابادة الانسانية - مستندة على أحدث التقنيات والقدرات العسكرية المدمرة وفي المقدمة منها الامريكية بهدف إعطاء رئيس الوزراء الاسرائيلي شرعية هشة أو حصانة من حكم قضائي متوقع في القادم من الايام. جدير بالذكر أن تخاذل المجتمع الدولي عموما والعربي الاسلامي بخاصة في التصدي للعدوان الاسرائيلي الغادر أغلق إمكانية فتح كوة ولو كانت صغيرة في نافذة التسوية السلمية التي تؤذن بتأسيس مرحلة جديدة من مفاوضات دبلوماسية جادة تحت أشراف دولي للامم المتحدة هدفها الاتيان بخيارات إيجابية تمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته الحرة المستقلة على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967. إن إيجاد حل للمآزق السياسي - الدبلوماسي الاسرائيلي لايبدو مسألة هينة في ما يتوقع أن يحدث مستقبلا طالما استمرت اسرائيل تسوق للهدف المنشود في القضاء عسكريا على حماس، بينما حماس بإعتبارها فكرة ومقاومة مشروعة في حرب غير متناظرة كان يجب أن يكون لها دلالاتها وتداعياتها لحكام اسرائيل.

بمعنى أن استخدام القوة العسكرية لوحدها جاء اساسا لحفظ ولو جزءا يسيرا من ماء الوجه مسألة تعد حيوية في نظر حكام اسرائيل حتى في مرحلة مابعد نتنياهو كونها لا ترى سوى خيار الانتقام مما جرى في يوم السابع من اوكتوبر 2023 حيث زلزلت الارض من تحت الطغمة الاسرائيلية الحاكمة بشقيها السياسي/الدبلوماسي والعسكري - الامني - الاستخباري. إن المدى المتوقع لاسناد الادارة الامريكية للموقف المتطرف الاسرائيلي في شن هجماته الهمجية على سكان غزة من خلال الدعم العسكري – الامني والمالي يعتمد اساسا على الوقت من جهة وعلى مدى، طبيعة وحجم الضغوط التي يفترض أن تمارس على الادارة الامريكية من قبل القوى الدولية، العربية، وغير العربية الاسلامية. هذا إضافة إلى دور المنظمات الانسانية غير حكومية المناهضة لمثل هذا الدعم الامريكي المطلق للنظام السياسي الاسرائيلي متمثلا بإصدار حق الفيتو مرارا تجاه أي قرار لإيقاف الحرب تمهيدا لإقامة سلم وآمن دوليين. هذا ولعل ما مافاقم المآساة الانسانية لشعبنا الفلسطيني مضيفا الكثير من تداعياتها السلبية دور باهت أو ضعيف نسبيا ليس بمستوى أي طموح إنساني لدول عربية واسلامية يفترض أن تكون في مقدمة ركب الاحتجاج والمقاومة بمعناها الشامل خاصة وأن لدى بعضها قدرات حيوية تغطي مساحات مناسبة للقوة بمعناها الشامل (اقتصاديا - ماليا - دبلوماسيا - إعلاميا وثقافيا)وليس بالضرورة في الجانب العسكري - الامني فقط.

من منظور مكمل ما يحتاجه العالم اليوم بناء تكتل سياسي -دبلوماسي واقتصادي وثقافي - إعلامي موحد مع كافة القوى المحبة للسلم والامن الدولي باعتباره يشكل سدا منيعا ضد كل الهجمات الوحشية التي تشنها السلطات الاسرائيلية ضد السكان المدنيين الابرياء (أطفال ونساء =70% من مجمل السكان) في غزة الذين عانوا ويعانون من أهوال الحرب التي وصلت لمديات خطيرة من مآسي إنسانية يصعب تصورها أو احتمالها بعيدا عن إستثنائية وضرورة المحاسبة الجنائية الدولية للنظام السياسي الاسرائيلي. التساؤل المشروع يبقى شاخصا – هل بالامكان تصور تصاعد المد الجماهيري في الولايات المتحدة الامريكية، الدول الاوروبية بخاصة بريطانيا والمانيا وفرنسا وغيرها من قوى دولية في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية إلى درجة تحد من الدور الاسرائيلي الذي لايجد سوى خيار الانتقام لما حدث في ال7 من اوكتوبر 2023 بعيدا أية محاسبة جدية لحكام اسرائيل وفقا لإحكام القانون الدولي العام والقانون الدولي الانساني. الواضح أن اسرائيل باعتبارها الدولة المحتلة لايمكنها ان تدعي بحق الدفاع الشرعي عن النفس لانها اساسا دولة محتلة بل ومسؤولة عن حماية من تحتل اراضيه هذا من جهة، كما أنها من جهة أخرى مارست الانتقام بإستخدام نوع وحجم قوة مسلحة (لاتتناسب مع اي حق ذاتي للدفاع عن النفس) إذ أودت بحياة أكثر من 20 الف شخص مدني منهم حتى كتابة المقال ما ينيف عن 8000 طفل وما يقارب من ال 30000 جريح هذا إضافة لاعداد كبيرة جدا من المفقودين لم يتم إحصائهم بعد. كما أن اعداد المهجرين عن مناطق سكناهم تجاوزت مليون ونصف نسمة. هذا ولم تكتف اسرائيل بذلك بل تم قتل ما ينيف عن 118 شخص ينتمي للانروا وغيرها من منظمات الاغاثة الانسانية. هذا بالاضافة إلى اعداد قاربت التسعين صحفيا - (إعلاميا - مراسلا). إن الجرائم المركبة متعددة وخطيرة وصلت لحدود لايمكن مطلقا لإي إنسان لديه مشاعر إنسانية وضمير حي تقبلها مما جعل عددا من الدول الصديقة والمؤيدة للدولة الفلسطينية المقبلة تلجأ لتقديم دعاوى لمحاسبة حكام اسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية - كونها خرقت كليا القانون الدولي الانساني وإتفاقات جنيف الرابعة مضافا لها مختلف عهود ومواثيق حماية الاطفال والمدنيين وفقا لقانون الحرب.

إن خروج العرب والمسلمين في يوم الامم المتحدة للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني بموقف موحد قوي نسبيا سيكون له أكبر الأثر في تغيير الواقع السياسي المعاش نحو الافضل نسبيا ولكن ذلك لن يحدث طالما ظلت الاقوال حبيسة الحناجر، الخطب، الوثائق والاوراق الرسمية دون ترجمة عملية توصلنا لاستعادة الكرامة الانسانية وللحقوق وللحريات الانسانية أوحتى للسيادة الوطنية الحقيقية لكل دولة. إن أهمية وأولوية الموقف العالمي موحدا بخاصة على الصعيدين العالم العربي -الاسلامي تعني الكثير لكل من يتصدى لحرية واستقلال الشعب الفلسطيني على ارضه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، لان القضية الفلسطينية ترتبط اساسا بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفيين كونها قضية مقدسة للمسلمين وللمسيحيين بل وللانسانية جمعاء. إلا أن ما حدث ويحدث من إستمرار للهيمنة الاسرائيلية الغاشمة على القدس الشريف ودمجها كليا في الجسد الاسرائيلي مسالة لايمكن قبولها مطلقا عقب السابع من أوكتوبر 2023.

إن ما حدث او يحدث مستقبلا في غزة من مآسي إنسانية لابد من معالجته بكل حزم يعلي من اولوية الاهتمام بحقوق الانسان وحرياته الاساسية في ظل حكمة وتقدير واقعي - اقتصادي سياسي، ودبلوماسي وإعلامي للامور بصورة يتم من خلالها استقطاب وتأييد الرأي العام الدولي مختلف الكفايات والقدرات العلمية والتقنية والمهنية والمالية - الاقتصادية بصورة معها يمكن إعادة الاعمار والبناء في قطاع غزة. إن تحقق اهداف التنمية الانسانية المستدامة يعتمد على نجاح مشروعات بناء الانسان وإعادة الاعمار في غزة مسالة تتطلب دعما كبيرا جدا صحيا - بيئيا، ماليا واقتصاديا وعلميا - تقنيا بل ونفسيا - مجتمعيا خاصة في إطار من معالجات طبية ونفسية اساسية للاطفال ولباقي شرائح المجتمع الفلسطيني.

كلمة أخيرة لابد منها:

لعل التعويضات المادية الحيوية للحرب لصالح الشعب الفلسطيني من اسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من قوى غربية وقفت إلى جانب اسرائيل عسكريا، اقتصاديا ودبلوماسيا عبر شهرين تقريبا من هجمات اسرائيلية عدوانية مستمرة دمرت البنية التحتية وقتل الالاف من المدنيين تعد قضية يحسن الوقوف مليا وجديا عندها بهدف إيجاد حلول ناجعة تلبي الاهداف الجيوسياسية للتنمية الانسانية المستدامة لبرامج الامم المتحدة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top