الاستجداء عبر الإنترنت.. ظاهرة سلبية تستغل طيبة المجتمع العراقي

الاستجداء عبر الإنترنت.. ظاهرة سلبية تستغل طيبة المجتمع العراقي

المدى/ علي الحمداني

«بعد ما حصل معي أيقنت أن أغلب المتسوّلين عبر الإنترنت امتهنوا التسوّل كمهنة تُدرّ لهم أموالاً كثيرة، وليسوا فقراء فعلياً»، تقول أم دانيال من بغداد بامتعاض ونبرة غاضبة لاستيائها الشديد من الموقف الذي شهدته.

أم دانيال كانت لها تجربة مع ظاهرة الاستجداء عبر الإنترنت، حيث تروي لـ(المدى) تفاصيل الحادثة التي تعود إلى الشتاء الماضي،: «كنت أشاهد مقطعاً لإحدى المسلسات التي اتابعها مع عائلتي على موقع فيسبوك، وفجأة ظهر فيديو مُغاير لما كنا نُشاهده».

تصفُ أم دانيال المشهد بـ»الصادم»: «ظهر طفل لا يتعدى عمره 9 سنوات، وكانت ملابسه مُتّسخة ومُمزّقة وبالية، حافي القدمين، لون بشرته مُختلفاً من شدة برودة جسمه».

وتضيف، «بعد لحظات من استيعاب حال الطفل وهذا المشهد، بدأ الطفل يشرح وضعه المتردي ويشكو الفاقة ويطلب الأموال ليشتري بها ملابس وحذاء وغير ذلك لتدفئة جسمه».

وتقول أم دانيال: «استعطفني المنظر، واتصلت به بعد مراسلته في الخاص وأخذ رقم هاتفه، طلبتُ منه عنوان منزله لإرسال التبرعات إليه التي عزمت على جمعها من الأقارب والأصدقاء، لكن جوابه كان مُستغرباً». وتتابع، «حيث رفض الطفل التبرعات، وتفاجأت بطلب تحويل رصيد له بدل ذلك، عبر طرق الدفع الإلكتروني»، مختتماً طلبه بالقول: «إن كنتي ترغبين بمساعدتي فعلاً، قومي بالتحويل».

طلبه هذا دفع أم دانيال إلى سؤاله: «ألم تكن تريد الملابس والحذاء لتدفئتك، فماذا تفعل بالرصيد؟»، تقول: «جاء ردّهُ غاضباً حيث تجاوز عليّ بألفاظ غير لائقة ونابية، وأنهى الاتصال». وتشير أم دانيال إلى أن «موقف الطفل هذا كان يثير الشكوك، لذلك حاولت فهم قصته بالرجوع إلى الفيديو المنشور وقراءة التعليقات الخاصة به، ليتبين أن الطفل معروف عند بعض المُعلقين، وكتبوا أن والد هذا الطفل تاجر جُملة، وإن حالتهم المادية جيدة جداً، لكنه مُعتاد على هكذا عمل». وتؤكد في ختام حديثها، «بعد هذه الحادثة، أيقنت أن أغلب المتسوّلين عبر الإنترنت امتهنوا التسوّل كمهنة تدر لهم أموالاً كثيرة، وليسوا فقراء فعلياً».

يتميز الاستجداء عبر الإنترنت، وهو النسخة الإلكترونية عن التسوّل التقليدي، بأنه يصل إلى أعداد أكبر من المواطنين دون تكبد عناء التجول المستمر في الشوارع، أو الجلوس لساعات طويلة في الأماكن العامة، وطلب المساعدة المالية من السابلة.

إذ كل ما يتطلب هو إنشاء حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم البدء بطلب المساعدة المادية بطريقة تُثير عواطف المجتمع، كشراء دواء للأمراض المستعصية، أو دفع أقساط فواتير طبية، أو سد رمق عائلة أو شخص ما، أو حتى فتح مشروع صغير لشاب مُتعفف، وغيرها الكثير.

وما يميز المُتسوّل عبر الإنترنت هو مجهولية الهوية، فلا يمكن معرفة معلوماته الحقيقية ومكانته الاجتماعية، ما يُجنّبه الكثير من العوائق التي تواجه المُتسوّلين التقليديين، من الخزي والعار، ومُصادفة الأقارب، ومواقف محرجة مُختلفة يتعرضون لها يومياً.

يتداخل في قضية التسوّل عبر الإنترنت، الاحتيال والسرقة، وهي تمسّ أمن المواطنين وتستغل طيبة المجتمع العراقي، وتمنع سبيل المعروف، مما يؤثر سلباً على الفقراء والمستحقين الحقيقيين، وفق الخبير الاقتصادي، الدكتور علي عبدالكاظم.

ويضيف عبدالكاظم لـ(المدى)، أن «هذه الظاهرة السلبية تؤثر على أمن المجتمع وتركيبته بشكل مُتجدد، إذ قد تُؤدي بالشباب العاطلين عن العمل لاعتماد هذه الطريقة كمهنة لهم للحصول على الأموال، مما ستنعكس على سلوكهم وتصرفاتهم في المجتمع».

ويؤكد، أن «على المجتمع وعي الطرق المتجددة لهؤلاء، وان لا يقع في شباكهم من خلال اكتساب الثقافة الإلكترونية، خصوصاً وأننا مقبلون على التحوّل الرقمي، والتعامل مع بطاقات الدفع الإلكترونية بصورة كبيرة» .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top