الشعر يعيد ترميم العالم

الشعر يعيد ترميم العالم

فاضل ثامر

يبدو لي الشاعر فاضل السلطاني في شعره عموماً وفي ديوانه " ألوان السيدة المتغيرة" بشكل خاص، وهو منشغل بترميم العالم،

واعادة الحياة إليه، وسط ركام من الخراب والجثث والحروب التي تطل عليه في كل مكان، ولذا نراه في قصيدة " ماذا أفعل بهذه الحرب؟ وماذا أفعل بهذا الطاغية؟" يبحث عن طريقة مثلى يتخلص فيها من الحرب:

" ماذا سأفعل بالحرب هذه الليلة؟

كيف أقتلها؟

حتى لا تنهض في الصباح،

معربدة في الدروب" (ص 59)

ويكتشف الشاعر العلاقة الجدلية بين الحرب والطاغية الذي يطلقها في الشوارع عندما يستبد به الملل:

" ثم.. ماذا أفعل بهذا الطاغية

وهو يولدها

كلما إستبدّ به الملل." (60)

وسط انفلات وحش الحرب الخرافي هذا، يحاول الشاعر أن يقتنص فرصة للعيش بسلام ويحلم مثل جلجامش بالخلود، لكنه يصطدم بحكمة سيدوري، صاحبة الحانة،التي قدمتها لجلجامش، وهي تدعوه أن يكف عن الحلم ويواجه الواقع، ويقنع بما لديه:

" عُدْ أيها العجوز

لبيتك المملوء بك

للغرفة التي بنيتها عليكْ

للمائدة

حيث مزجت الخمر بالموسيقى." (ص 13)

كما يبدو الشاعر مفتوناً بالألوان وتغيراتها، ولذا يحاول ان يقتنص اللذة من هذا التحول اللا نهائي للألوان،فألوان السيدة متغيرة، حيث يتحول الفجر الابيض الى ثلج أزرق:

" زرقاء كنتِ تحت ذراعي

وكان الثلج الأزرق يمطر

زرقاء انت كأن السماء قبعتك

وكان الليل الأزرق يمطرْ." (ص 39)

ويذكرنا توظيف اللون هنا بالشاعر الاسباني لوركا الذي كان مفتوناً بالألوان وباللون الاخضر بشكل خاص:

" خضراء.. خضراء

اني أحبك خضراء

الريح خضراء

الغصن أخضر. "

والشاعر فاضل السلطاني هو الآخر مفتونٌ بالألوان، ويعشق هذا التغيير الدائم في الألوان. فعنوان الديوان ألوان السيدة المتغيرة، بوصفه عتبة نصية، يشي بمثل هذا الميل، عبر توظيف اللون الأخضر:

" زرقاء أنت تحت ذراعي

وكان الثلج الأزرق يمطر

زرقاء انتِ كأن السماء قبعتك." (ص 39)

لكن اللون الأبيض يحاول مزاحمة اللون الأزرق:

" كنت أريد أن أرى عينيك

بين الأزرق والأبيض

لكني رأيت دمعتين في عينيّ" (ص 40)

وليست ألوان السيدة هي التي تتغير فقط، بل كل الأشياء تتبدل. ففي قصيدة "ولادة" حتى الجدار يغير ألوانه،كما أن الكتاب يغير لونه ايضاً:

" شيء تغير حتى الكتاب

يغلق الآن عنوانهُ

والجدار يغير ألوانه

ويهرّب لوحاته.." (ص 15)

ويمكن القول أن الشاعر يكتب بفرشاة الرسام وهو يوزع الألوان ويغيرها بهارمونية مدهشة، كما نجد ذلك في قصيدة "رسّام":

" كيف أخرج منك الى الليل

حيث الإله

يرش على الأرض

ضوء المساء

وحيث الحياة

تبدل لوناً بلون. " (ص 47)

ونجد ثنائية الحرب والموت مهيمنة على الفضاء الشعري، وكأنها لعنة تطارد البشر، ففي قصيدة " ألوان السيدة المتغيرة" تتكرر مفردات الموت والحرب والجنود العائدين من الحرب والذاهبين اليها:

" وأسألي ساقيك المرحتين

هل عاد الجنود من الحرب" (ص 53)

وفي منفاه اللندني ينام الميتون:

" رأيتك واقفةً في الضباب

فوق جسر بلندن

حيث ينام الميتون. " (ص 55)

وتحفل قصيدة " الموت بالماء " بصور الموت:

" أنه الموت بالماء

أعذبُ موتْ

يتشربه الدم حتى تشفّ العروق." (ص 11)

أما قصيدة " وجه صديق مات" فهي مرثاة حزينة عن موت صديق:

" حين يشحب بين يديَّ

رداء المهرج، ثم يكتشف الرب

وجهي على وجهك المستدير

الى جهة الموت." (ص 20)

وفي قصيدة "صبرية" يطل الموت منذ السطر الاول:

" هل تذكرين وأنت في قبرك الآن،

كيف أطفأتِ حريق القصائد." (ص 33)

ومما يسترعي الإنتباه إحتشاد الديوان بالاسئلة المفتوحة، وهي اسئلة وجودية وكونية شاملة تكشف عن عمق انشغال الشاعر بالوجود، ففي قصيدة " صورة" سيل من الاسئلة الحارقة:

" هل تذكرين؟

كنت في وسط الصورة

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟.." (ص5)

وفي قصيدة (آر. اس. توماس) تنهال أسئلة الشاعر بدهشة:

" من كان اذن يدعوني؟

أو يدعوك طوال الليل؟

لا أحد

أصوات ضائعة في البرية؟." (ص 4)

لكن اللعبة الشعرية الأساسية التي يصطنعها الشاعر تتمثل في تحويل كل ما هو موضوعي وخارجي ومرئي الى ذوتنة، أو الى عملية تذويت subjectivization حيث تتحول كل الهموم والمشاغل الكونية أو الموضوعية الى بؤرة صغيرة داخل ذات الشاعر، كما نجد ذلك في قصيدة " سيدتي الجميلة" حيث الحلول الصوفي بين الذات الآخر:

" أناديك يا أنا

فأسمع صوتي. " (ص 51)

وفي قصيدة " العودة" تقترن صورة القرين بعملية التذويت في عملية حلول صوفية:

" هل تعرفني؟

ها أنذا عدتُ

ما زلتُ كما كنتُ

- اذن من هذا الشبح الواقف خلفك؟

إني أبصر شيئاً مني فيه." (ص65)

شعر فاضل السلطاني منشغل بالحياة مثلما هو منشغل بالموت في تنازع قلق بين الأمل واليأس:

"- تمهل قليلاً

أيها العابرُ، الهائل الخطوات

فلن يسبق الموتَ خطوُك

ليس سوى خطوتين الى البيت

تحزم شيئاً من الليل في جيب سترتك الهائلة

ثم تمضي سريعاً." (ص 8)

لكن الأمل بولادة جديدة موجودٌ دائماً، بحضور الزائر المستحيل:

" اسمع الزائر المستحيل

على الباب يطرقُ، والبيت يغلق أبوابه

..

انه الزائر المستحيل

طفلك المنتظر

ينضج الآن بين يديك." (ص 16)

ويدعو الشاعر الآخر/ الحبيبة، لتكون معه لمواجهة التحديات وإلحاق الهزيمة بالبحر، ولتشكيل نهرين،في إشارة واضحة الى نهري دجلة والفرات، كنايةً عن الوطن البعيد عن منفاه اللندني:

" ماذا لو كنتِ معي

لهزمنا البحرْ

ثم شققنا منه نهرين." (ص 31)

معظم قصائد الشاعر تنتمي الى قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر في ميلها الى التكثيف وتحقيق صدمات معرفية مفاجئة تخلخل سكون المتلقي، عبر لغة شعرية تتوسل بالاستعارات البعيدة والشاملة. كما يوظف الشاعر لعبة التوازي التي يتقنها لتحقيق بنية شعرية ذات تشكيل هارموني سلس، كما نجد من الجانب الآخر مقاطع شعرية تنتمي الى قصيدة النثر الحداثية:

" قد يخطئون الطريق الى الموت

ينعطفون يساراً الى البيت

قد يشترون

زهرة للجدار

ثم يمضون

قد تمرق امرأةً

فتزيح الغبار عن النافذة"

في هذه القصيدة نجد توظيفاً للون من التوازي الاستهلالي المكون من:

"قد + جملة فعلية"

وفي قصيدة " عشتار في متحف برلين: يتكرر التوازي الاستهلالي بتكرار مفردة "يمرُّ"

"يمرُّ الزائرون

يمرّ اوزريس

يمر الشعراء الموتى

يمر العاشقون بلا عشق. " (ص 38)

وفي قصيدة " ألوان السيدة المتغيرة" يتمثل التوازي الاستهلالي بتوظيف مفردة الأزرق خمس مرات والذي يذكرنا بالشاعر لوركا كما أشرنا سابقاً:

" زرقاء كنت تحت ذراعي

زرقاء أنت كأن السماء قبعتك

زرقاء أنت

كأن السماء تسترد منك الدماء

زرقاء فوق الحجر الأزرق."

الشاعر فاضل السلطاني يعيد تشكيل قصيدة الحداثة بإدراك عميق لعلاقة النص بالواقع الخارجي وبالمتلقي، وبلغة بسيطة ويومية،ربما إمتثالاً لدعوة ت.س. إليوت لتوظيف لغة الحياة اليومية في شعر الحداثة، بعيداً عن التعقيد البلاغي والاسلوبي المصطنع، وبذا فإن قصيدته تصل بسهولة الى عقل القارئ وقلبه معاً.

ديوان " ألوان السيدة المتغيرة" للشاعر فاضل السلطاني اضافة مهمة لمكتبة الشعر العربي، وللشاعر شخصياً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top