(رياح) يوسا: مبشرة أم منذرة؟

(رياح) يوسا: مبشرة أم منذرة؟

لطفية الدليمي

قرأتُ باهتمام ماكتبه الروائي (حسّونة المصباحي) في صحيفة عربية حول رواية (الرياح) أحدث روايات الكاتب العالمي (ماريو بارغاس يوسا). يستحقُّ يوسا هذا الاهتمام؛

فهو كاتب مُتوّج بالجائزة النوبلية، وذو اهتمامات سياسية وثقافية عالمية الابعاد غير منحصرة في نطاقات ضيقة فضلاً عن أنّه أحدُ كتّاب (الشرق الاوسط) الذين أقرأ مقالاتهم بانتظام

يبدو أنّ يوسا خالف في هذه (الرواية – النوفيلّا) تقليداً مستديماً له في كتابة المُطوّلات الروائية. هذه الرواية القصيرة لاتتجاوز في نسختها الفرنسية 184 صفحة، وقد شرعتُ بعد قراءة مراجعة المصباحي لها في البحث عن ترجمة انكليزية لها فلم أوفّقْ. يبدو أنها لم تُتَرْجَمْ حتى اليوم إلى الانكليزية؛ ولكن لاأظنُّ أنّ هذه الترجمة ستتأخّرُ كثيراً، وستعقبها بالتأكيد ترجمة عربية.

تنتمي الرواية إلى أدب الجولات في الشوارع (الليلية غالباً): صحافي عجوز يتجوّلُ ليلاً في شارع بالعاصمة مدريد ثمّ يشرعُ في مونولوج ذاتي هو مرثية نوستالجية لعالَمٍ مضى وانقضى، وفي الوقت ذاته هو نقدٌ قاسٍ لعالمنا المحكوم بسطوة العلم والتقنية. لنستذكرْ هذا التوصيف الدقيق للعجوز كما ورد في مقالة المصباحي:

".... كان صحافياً، يُقيم في غرفة في سطح إحدى العمارات بمدريد، ويعيش القلق والعزلة والخوف من الموت، ومن عالم بات قاسياً وعدوانياً يُشعره في كل لحظة بأنه يتوجّب عليه أن يرحل لأنه بات زائداً عن اللزوم في كرة أرضية تختنق بكثرة عدد سكانها، وبأمراض حضارة بلغت أوجَها، وتجرّدت من القيم الإنسانية لتصبح مُضرّة ومؤذية ومتوحّشة أكثر مما هي نافعة ورحيمة وإنسانية... ".

يبدو لي أنّ الروائي - أيّ روائيّ - عندما لايجد موضوعة تستجلب اهتمامه وتدفعه للكتابة بشغف فسوف يلجأ إلى طَرْق باب الموضوعات الانسانية الكبرى: الحب، الحنين إلى الماضي، الوحدة، الشيخوخة، العجز، الموت..... هذه سياسة روائية مقبولة وممكنة لأنّ الموضوعات الانسانية الكبرى ستبقى مهمّة ومهيمنة على الوجود البشري ويمكن روايتها بألف شكل ولون ومن واقع خبرات تتلوّن وتتبدّلُ حسب تنوّع الخبرات المستجدّة بتقادم الازمان. لكلّ منّا رؤيته الخاصة بشأن أية موضوعة من هذه الموضوعات الكبرى، ولو إمتلك القدرة الكتابية فيمكن له عرضُ حكايته للآخرين.

هنا ستجابهنا معضلة جوهرية: هل يمكنُ عدُّ العلم والتقنية من جملة الموضوعات الانسانية الكبرى؟ هل العلم مثل الموت والشيخوخة من حيث صلاحيته كثيمة روائية؟ وهل التقنية مثلُ الحب كموضوعة حكائية يمكن التعامل معها في سياق فعالية سردية؟ أظنّ أن معظمنا سيجيب بِـ (نعم) مغلّظة. أرى أنّ الجواب هو (لا) كبيرة. العلم والتقنية صناعتان بشريتان لم يمضِ عليهما سوى بضعة قرون؛ في حين أنّ الموت والحب والشيخوخة،،، إلخ حقائق ملازمة لكلّ عيش بشري. أنت لاتولدُ متى ماأحببت، ولاتموتُ (طبيعياً) متى ماقرّرت ذلك، ولاتستجلب لك الشيخوخة والمرض عندما تريد (هل ثمّة من يريد الشيخوخة والمرض؟؟). هذا هو الفرق الذي أحسبه جوهرياً. العلم والتقنية موضوعتان جوهريتان بمقاييس اللحظة الحاضرة وفي الحسابات الستراتيجية للدول وليس بالمقاييس الانطولوجية (الوجودية) الانسانية الفردية. هذه الحقائق بالطبع لها وقعٌ أساسي في فلسفة تشكيل الموضوعات الروائية.

يحدّثنا اللورد سنو في محاضرته الذائعة عن (الثقافتان) التي ألقاها بجامعة كامبردج عام 1959 عن جمهور واسع (أسماه اللوديين The Luddites) إندفع لتحطيم آلات المصانع الحديثة التي صارت عنوان عصر الثورة الصناعية. هل يريدنا يوسا أن نكون لوديين في القرن الحادي والعشرين؟ ثمّ يكمل سنو في مفارقة مثيرة؛ فيقول سأحترمُ كثيراً كلّ من يبشّرُ بموقف راديكالي مضاد للعلم والتقنية لو أنّه قبل العيش بمثل ماعاش أسلافه قبل مقدم الثورة العلمية والتقنية: أن يقبل بموت أطفاله نتيجة إسهال بسيط لعدم لجوئه إلى المضادات الحيوية، وأن يقبل بشحّ الغذاء والملبس والحياة المتقشّفة. هل يتصوّرُ يوسا كيف يمكن إطعامُ ثمانية مليارات من البشر – ومالبثوا يتزايدون -لولا التقنيات الحديثة في الهندسة الوراثية؟ لو شئنا اعتماد مقاربة اللورد (سنو) سنقول: لو أنّ يوسا غادر منزله الفخم في العاصمة الاسبانية وارتضى العيش في كوخ قصي على تخوم القارة القطبية الشمالية كنتُ سأستشعرُ شيئاً من المصداقية في رسالته النبوئية بمسؤولية العلم في التعجيل بنهاية درامية للعالم؛ أما التبشير بهذه النهاية والحديث عن العلم كما فعل غلاةُ الرومانتيكيين الثوريين من قبلُ فهذا سلوك ينطوي على تناقض إشكالي حتى لو جاء في شكل عمل روائي (تخييلي).

الامر أكبر من إشكالية شخصية. أحسبُ أنّ التخريجة الدقيقة لموضوعة مكانة العلم والتقنية في حياتنا يمكن تتبُّعُها على النحو التالي: سيسوّغُ كثيرون رؤية يوسا (المعروضة في صيغة العجوز المتقاعد) على أساس وجود فرق جوهري بين العلم وسياساته، وأنّ يوسا يوجّهُ إصبع النقد اللاذع لسياسات العلم التي هي في التحليل الاخير فعالية تصنعها سلوكيات بشرية لايجمعها ضابط معياري. أظنُّ هنا يحصل الخلط الاشكالي بين العلم وسياساته. العلم قيمة جوهرية تنطوي على معايير مفترضة من النزاهة والبحث الخالص عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه، ومن ثمّ محاولة تكييف هذه المعرفة (أو بعض أشكالها في الاقل) في تطبيقات مفيدة للصالح البشري. بهذا السياق يمكن القول (وهو ماتقودنا إليه سلسلة من الخبرات المتراكمة) أنّ العلم والتقنية هما العنصران الاكثر تأثيراً في الارتقاء بالاخلاقيات البشرية. كيف هذا؟ هذه أطروحة فلسفية كاملة.

لو تصوّرنا الطيف الاخلاقي سلسلة تبدأ من الصفر وتنتهي بالرقم عشرة – مثلاً – فالكائن الحائز على درجة (الصفر) هو كائن مصنوع من شر مطلق، والكائن الحائز على درجة (العشرة) هو كائن مصنوع من طهرانية مطلقة. البشر في العموم يتفاوتون في الحركة على هذه السلسلة صعوداً نحو الطهرانية أو إنزلاقاً نحو الشر، وأغلبهم يحسبون هذه الحركة تبعاً لمستوى إشباع حاجاتهم الاساسية التي تتدرّجُ من الحاجات البدائية الاولية (أكل وشرب ونوم وثياب،،،) ثم الحاجات التي تتجاوز البدائي نحو التخوم الفكرية المجرّدة. العلم (وذراعُهُ التقني) هو في أقلّ تقدير العنصر المعوّل عليه في إشباع الحاجات البدائية والفكرية معاً لأعداد واسعة من البشر. تصوّروا حال الاخلاقيات البشرية لو حصل تلكّؤ ليوم واحد في سلاسل الامداد العالمية من الغذاء وهو ماحصل بالفعل في بعض أيام الجائحة الكورونية؟ هل نتخيّلُ وجود أخلاقيات بأدنى المناسيب حينها؟ الامر ينسحبُ بالطريقة ذاتها على أمثلة كثيرة غير الغذاء. تصوّرْ معي لو أنّ صانع السياسات العلمية واجهته معضلة شحّ الغذاء إلى حدود غير مسبوقة. ماذا سيفعل؟ الافضل أن لانتخيّل هذا المشهد الجحيمي لأنّه سيقضي بموت أعداد كبيرة من البشر الذين تنقصهم عوامل التمكين القانوني والقدرة المادية.

الرفض أسهل من الفهم. الفهم يتطلّبُ جهداً ومشقّة. من اليسير أن تجلس وأنت شبعان لتنتقد العلم الذي خلق لنا مواد غذائية معاملة بوسائل الهندسة الوراثية بقصد تحسين كميتها وجعلها أكثر مقاومة لعوامل المناخ حتى لاتتلف بسرعة. أيهما أفضل: أن تأكل الاعداد المليارية المتزايدة من البشر غذاءً معدّلاً وراثياً أم أن تترك نهباً للجوع؟ من السهل أن تكتب بلغة رومانسيي القرن التاسع عشر عن (الطعام الذي تلاعبت فيه أيدي البشر ولم يكن صنيعة خالصة للطبيعة). كلامك هذا لن يشبع جائعاً.

كل تقنية مستحدثة تعقبُ ثورة علمية لابدّ أن تكون لها تبعاتها. التعامل مع هذه التبعات هو مسألة موكولة لنا وليس إلى العلم أو التقنية. على سبيل المثال: خُلِق الكائن البشري مشّاءً، وعندما حلّت الثورة الزراعية والصناعية والرقمية تطلّب الامر مكوثاً أكثر في المكان؛ ولكن يبقى دوماً في مستطاعنا أن نقتطع جزءاً من وقتنا للمشي اليومي المنتظم. لابأس أن نمتلك سيارة حديثة في مرآب الدار. الفضيلة الاخلاقية هي أن نمتلك الشيء ثمّ نقنّن استخدامه بدلاً من أن يمتلكنا ذلك الشيء ويجعلنا عبيداً له: أن نمتلك طعاماً كافياً ولكن لانأكل إلا بمقدار لأنّ كثرة الاكل مفسدة للجسد ويترتب عليها ضغط على الخدمات الصحية إذا مامرضنا فهذا فعل أخلاقي، وان نمتلك سيارة ونفضّلُ عليها المشي في أوقات محسوبة حتى لانساهم في تعظيم مناسيب التلوّث فهذا فعل أخلاقي أيضاً.

يركّزُ يوسا في روايته الاخيرة على الجانب الفرانكنشتايني المظلم من العلم ويتناسى الاشراقات البروميثيوسية الواعدة فيه. مايكتبه روائيون عالميون من طراز يوسا له تبعاته المؤثرة، وأظنّ أنّ بطل رواية يوسا الاخيرة تكريسٌ لرؤية رومانسية للعلم والتقنية من جانب إنسان تقاعد عن وظيفته الصحفية ولم يشأ أن يفهم سياسات العلم والتقنية وفضائلهما الاخلاقية، وفضّل بدلاً عن هذا الفهم الاكتفاء بصورة الانسان السلبي الذي يحنُّ لأيامه الماضية ويكتفي بإطلاق الريح ليلاً في شوارع مدريد.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top