مرساة: في فنّ السيرة

حيدر المحسن 2023/12/05 11:27:39 م

مرساة: في فنّ السيرة

 حيدر المحسن

هو شكل جديد من أشكال الأدب الحديث، افتتحه جان جاك روسو في القرن الثامن عشر بمؤلّفه "اعترافات جان جاك روسو"، وبرزت بعد ذلك أسماء عديدة دوّنت مذكّراتها في صفحات لا تقلّ الحياة فيها عن تلك التي تزخر بها كتب الأدب، من أمثال ستندال وغوته وأندريه جيد، وكثيرين غيرهم.

في الأدب العربي يحضرني الآن مثالان لكتب السيرة: "الأيّام" لطه حسين، و"الخبز الحافي" لمحمد شكري. وفي أدبنا العراقي لا أحد ينسى الصفحات الشيّقة في "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب" للراحل يوسف الصائغ. وكتب علي جواد الطاهر حياته بصورة مقالات تناثرت في مؤلفاته، وربما فاتني ذكر أدباء عراقيّين آخرين كتبوا مذكّراتهم، ولديّ في مكتبتي إصداران حديثان من هذا النوع، للناقدين عبد الواحد لؤلؤة وشجاع العاني.

هناك قاعدة أدبيّة تنصّ على أنه ليس بوسع المرء كتابة شيء مقروء إلا إذا كافح باستمرار لطمس شخصيّته، وأتابع في هذه الأيام ما ينشره فرج ياسين على صفحته في الفيسبوك تحت عنوان "أيامي"، وأجد فيه قيمة أدبيّة عالية، لأن صورة الكاتب غير مرئيّة في ما يدوّن من أحداث وأقوال، كأنك ترى شخصيّة قصصيّة تقوم في الصفحة، وبهذا تكون السيرة عامّة لكلّ البشر، وليست محدودة وخاصّة. إن مفهوم الأدب يتعلّق بالمعيشة المشتركة بين الناس، كلّما استطاع الكاتب إثباتها، ونجح في إشراك القارئ في تحقيق الكشف عنها، كان ما يقوم به إبداعا، أما تدوين المذكّرات الشخصيّة فهو عمل ذاتيّ يفيد المرء، وربما عائلته وأصدقاءه. وإذا كان المؤلّف من المشاهير فإن للصفحات قيمة تاريخيّة تضمحلّ بمرور السنين. الأهمّ في فنّ السيرة، في رأيي، هو قدرة الأديب على الإمساك بالجوهر الخالص للغة، مع لمسة الخيال التي يطبعها في النصّ، ويرمح بها نحو المجهول لغرض استشرافه، ويصحّ هذا الكلام على التأليف الأدبي في كافّة ألوانه.

من "أيامي" أنقل لكم هذه الصفحة من ذكريات فرج ياسين، وهي تحمل الرقم 90:

"كان عمري يقترب من الثالثة عشرة، حين ضجّت في محلتنا (الحارّة) ضوضاء شملت البيوت والدروب ورأيت الرجال والأطفال يهرعون الى منبسط السهل الفسيح متحدّرين من الربوة الصخرية التي نسميها العلوة، فركضت مع الأخرين ورأيت رجال الشرطة يشهرون مسدساتهم ويجرون في أرض السهل الحصوية والرملية ويطلقون عيارت نارية متواصلة. قيل لنا بعد ذلك أنهم يطاردون مجرما هاربا، ثم انقطع خيط التذكر عند هذه اللوحة.

في اليوم التالي حصل انقلاب الرابع عشر من تموّز ووّزعت صورتا عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وفي المساء وصلت صورة نجيب الربيعي، وخيّم الحزن والاستنكار والترقب في كافة بيوت محلتنا، لكن بيتنا كان أكثر البيوت استياء وإمعانا في الحزن. كان والدي المتديّن يبكي ويمسح الدمع بطرف يشماغه حزنا على الملوك الذين هم من نسل النبي، وعمّي الذي كان طيّارا في السرب الملكي قبل تقاعده لأسباب صحيّة منذ عام ينشج بصوت مسموع في ديوان البيت. أما نحن الصغار فقد كنّا في الشارع نهتف بحياة عبد الكريم قاسم بعبارات كما سمعناها من الشبّان الكبار المبتهجين في سوق المدينة، من دون ان ندرك أبعادها ودلالاتها.

وأذكر انني في ظهيرة يوم الانقلاب ذهبت مع ثلّة من أبناء المحلة الى السوق، فرأيت مظاهرة صغيرة يقودها شبّان كبار أعرف بعضهم. يتوقّف موكبهم أمام باب بيت القائمقام، ويهتفون غاضبين ممجّدين الثورة ورجالها. ورأيت الشاعر الشابّ إبراهيم الزبيدي وهو يتخلّف عن المظاهرة وبيده ورقة وقلم، يجلس مقرفصا ويكتب أبيات شعر، ثم يلتحق بالركب فيحملونه على الأكتاف ويلقي ما كتبه".

يلاحظ القارئ في هذا النصّ أن مؤلّفه اختفى بين السطور، وهناك بدلا منه راوٍ يوزّع الأدوار على الشخوص. إنه عملٌ سرديّ حيّ يًقيم حوارا بين الماضي والحاضر والمستقبل، من ناحيتي الأدب والواقع، وليس مجرّد ذكر للماضي بطريقة آليّة، مثلما يُطالعنا به كثير من كتب السّيرة مما يُطبع ويُنشر ويأخذ حيّزا في المكتبات.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top