الكتابة بين الغواية والملل

الكتابة بين الغواية والملل

كه يلان محمد

يصعبُ الاستمرار (الإستمرار)ف ي الكتابة بنسقٍ مشوقٍ وتطويع الصياغات التي تنقلُ الأفكار والهواجس بالسلاسة،

وعلى الرغم من العناءِ الذي يرافق الحركة في حلبة محفوفة بالتحديات.فإنَّ المسطور يجبُ أن يكون أبعدَ ما يمكنُ من اللغة الشاحبة ولاتطاله أجواء العراك مع حُبسة الكتابة والمساحة الفارغة.إذن (إذ) يبدو بأنَّ الكتابة بخلاف القراءة عملية لاتخلوُ من القسرِوالصراع (القسر و الصراع). ومايؤكدُ ذلك هو مرويات الكُتًّاب عن تجربتهم في هذا المعترك.الأمر الذي يكونُ خليقاً باستكشاف تفاصيل أبعاد الكتابة وماتتطلبهُ من النفس الماراثوني والتجلد في الحذف والمرونة في المحو والاستنئاف على الطرس.وبالطبع فإنَّ اللغة لاتتخفُ من الحشو قبل هذه المرحلة التي يختبرُ فيها الكاتبُ امكانية التجديد لمعجمه وترشيق العبارات.ربما الكلام يقعُ ثقيلاً على ذائقة كثير من المُتابعين ويرى فيه البعضُ مُخالفاً للفكرة السائدة عن الكتابة ومنطوق الوصايا التي يسديها أتباع المدرسة الرواقية.فالجانب الأهم عند حواري زينون هو القيمة العلاجية للكتابة وبدوره يتوسل الراهب المصري أنطونيوس من التدوين آلية لمعرفة جوهر الذات لذا ينصح بعدم التوقف عن الكتابة قائلاً "ليدون كل واحد منا ويسجل أفعاله وتقلبات نفسه، وكأننا سنقدم تقريراً عنها بعضنا لبعض" ومؤدى ما يفهم من الشذرة أنَّ الكتابة قد تكتسبُ وظيفة استشفائية فمايكتبهُ المرءُ عن أطواره المختلفة يزيدهُ معرفة بالعوامل المؤثرة على تكوينه النفسي ونمط تفكيره أكثر من ذلك فإنَّ الكتابةَ هي نقيض النزعة التدميرية.

الإرجاء إنَّ معظم من كتبوا عن الانتحار بوصفه حلاً لمأساة الحياة أمثال شوبنهاور وإميل سيوران كان موتهم طبيعياً وقد شاخ بهم العمر.مايعني أن تجربة الانتحار كانت مجازياً من خلال الكتابة.هنا من المناسب الإشارة إلى أنَّ الشاعر الألماني هولدرلين بعد انفصاله من حبيبته "سوزيته جينتار" وقبل أن يداهمهُ ليل الجنون قد كتب مسرحيته "موت إمبادوقليس" ومن المعروف أنَّ إمبادوقليس كان طبيباً وفيلسوفاً وكاهنا قد هبط في فوهة البركان تكفيراً عن ذنبه الذي اقترفه عندما وضع نفسه في مرتبة الآلهة.لاشكّ أن الشاعر قد وجد عزاءً في استدعاء هذه الشخصية التي ترمزُ إلى الاغتراب والصراع المُثخن مع الواقع الاجتماعي.يقول نجيب محفوظ مُعلقاً على انتقاله نحو الأدب اللامعقول بأنَّه لم يكن أمامه إلا الإنتحار أو التحول إلى العبث. ومن جانبه يرى البرتو مانغويل في الكتابة مواساةً في عالمٍ يضجُ بالجنون.ماتستشفه من هذه المواقف أنَّ الكتابة إرجاء للنهاية واختبار لتجربة الانتحار مجازياً والهروب منها فعلياً.غير أنّها مجال دونه التوتر والأرق وهذا ما يصرح به ريلكه "ينبغي أن تموت ألف مرة لكي تكتب حرفاً واحداً" كما يُعلن ألبر كامو بأنَّ لديه صعوبة كافية للعثور على كلمته الخاصة ويترآى الكاتب لبودلير في صورة الملاكم الذي يصارع اللغة لوحده. إذن من المحتمل أن تصبحَ الكتابة مصدراً للملل والخروج من منطقة الأمان النفسي. يتناولُ الروائي السوري خالد خليفة معاناته مع عُسر الكتابة مشيراً إلى أنَّه قد أراد الانضمام بالجدارة إلى نادي الإبداع الروائي وهو بصدد إكمال مشروع روايته "دفاتر القرباط" فإذا به يتعثرَ ويأبى السرد مُطاوعته لذلك يستشير بالأديب الكبير عبد الرحمن منيف علَّ يرشده بما يحلُ الحُبسة.وما يسمعه من صاحبُ "مدن الملح" يشحن بطارية الرواية على حد تعبير إنعام كجه جي.إذ يقولُ له " من يجلسُ إلى الطاولة لمدة شهر دون الكتابة ولايغادرها رغم الحبسة يربح الماراثون" وكان منيف بنُباهته الإبداعية قد لمح إلى ماتستوجبه كتابة الرواية تماماً هي أقرب إلى الماراثون بدايتها فاترة وما يلبثُ أن يهاجمَ المللُ عندما يقطعُ الكاتب أشواطاً.وقد يدفع بالعجلة إلى الخاتمة وهو لاتهمه الجودة بقدر ما يريدُ إقفال الحلقة.والكلام عن موضوع الكتابة يقودُ إلى بدايات أصحاب المهنة.وماتراكم في مطبخهم من المحاولات المُجربة فكان الروائي الأمريكي بول أوستر قد بدأ بكتابة الشعر لأن القصائد حسب تخمينه هي الأبسط قياساً على الأنواع الأدبية الأخرى التي تسلتزم الطول هذا فضلا على ضرورة الدراية بحيثياتها. ومما يسردهُ مؤلف "حماقات بروكلين" عن الحدث الذي يفتحُ له الطريق إلى عالم الكتابة يشهدُ على صحة الرأي بأنَّ قدر الإنسان هو طفولته وكل مايأتي لاحقاً ليس إلا إمتداداً لتلك المرحلة العُمرية.بينما يحضر أوستر وهو دون عشر سنوات من عمره مباراة كرة البيسبول في ملعب "بولو" برفقة والده يلبي القدر رغبته بلقاء البطل "ويلي ميس" ويطلبُ منه التوقيع ولايمنعُ ميس مرحباً بالطفل ويسألُ من الأخير أن يعطيه القلم،لكن من المفاجىء أن لايكون هناك قلمُ عند بول ولا عند أبيه وحتى لدى الأصدقاء لم يحصل على مايحقق به الأمنية.تحدو الخيبة بأوستر بأن يتدججَ بالقلم أينما ذهب تفادياً لتكرار موقف مشابه دون أن يكون مستعداً له.وهكذا بدأت مسيرة بول أوستر بالمفارقة.ومايقولهُ صاحبُ "حكاية الشتاء" عن برنامج عمله جديرُ بالتأمُل.فاليوم المثالي هو مايمضي فيه لمدة ثماني ساعات مُتابعاً خيط الكتابة.ولن تكون حصيلة هذا الوقت سوى صفحة واحدة.وإذا تمكن من المضي لمسافة أطول وكتب صفحتين فهذا يوم رائع.أما انجاز ثلاث صفحات فهو بمنزلة المُعجزة. الإيقاع قوام الكون برأي فيثاغورس هو الإيقاع والعدد.لايقعُ تصميم العالم الإبداعي خارجَ هذه القاعدة.ولولا الإيقاع لبدت النصوص متبعثرة وغير متناغمة.ومن المؤكد أنَّ الإيقاع الذي ينتظمُ عليه العمل الإبداعي يعكسُ مايسكنُ في أعماق الكاتب من المشاعر المكونة لإيقاعه يقولُ دافيد لوبورطون "إن إيقاع كل شخصٍ هو إيقاع موسيقاه الباطنة والأنشودة الحميمة التي تُحرك خطاه" فكل عمل فني إنما هو إيقاع واحد فريد في مذهب الشاعرة الرومانسية "بتينافون أرنيم". لايتسمرُ بول أوستر على الطاولة مترقباً إلهام الكتابة بل يطيبُ له أن يذرع غرفته جيئة وذهاباً إذ يجدُ في ذلك ترويضاً للأفكار والكلمات لأنَّ هناك نوعاً من الموسيقى داخل الجسد ويعني بها موسيقى اللغة ولاتولد الأفكار بنظر أوستر إلا خلال التجوال هنا يتقاطع رأيه مع ماقاله نيتشه بأنَّ الأفكار التي لاتأخذ بالتلابيب أثناء المشي لاتجدرُ أن تثق بها.يذكرُ بول أوستر في إطار حديثه عن العلاقة بين الكتابة والمشي ماقرأه في مقال للشاعر الروسي "أوسيب مالديشتام" عن شعر دانتي وتناغم إيقاعاته مع إحساس خطوات الإنسان حينما يتجولُ في الأرجاء.ربما أنَّ هذا الترابط بين الحركة الجسدية والكتابة هو مايجعل أوستر متطلعاً إلى العمل الرشيق وإذ يقول بأنَّه كلما نجح في تخليض النص من الفوائض اللغوية يزداد شعوراً بالسعادة.فالكتابة في منهج بول أوستر شكل من أشكال التأليف الموسيقي للأصوات وبالنسبة إليه أنَّ الفقرة هي وحدة التأليف في العمل الروائي كما أنَّ البيت الشعري هو وحدة التأليف في القصيدة. عليه فإنَّ مختبر الكتابة عند أوستر ماهو إلا حياته الشخصية لأنَّ المؤلفَ لايعرف حياة الناس بنفس القدر الذي يعرف حياته.هذا مايحيلنا إلى رأي الكاتب العراقي عبدالجبار الرفاعي واعتقاده بأنَّه ليست هناك كتابة جيدة لاتصطبغ بشيء من ذات الكاتب.ومن الملاحظ أن الكتابة عن تجربة الذات تلقى رواجاً على نطاق واسع فما نشرَ موخراً للكاتبة الأمريكية "كيت زمبرينو" بعنوان " أن تكتبَ كما ولو كنت ميتاً" تستمدُ مادته من الظروف التي بدأت فيها بالكتابة عن الروائي الفرنسي هيرفي غيبير كما أوردت ضمن مُؤلفها جانباً من النقاشات التي كانت تدور بينها وبين صديقاتها إفتراضياً بشأن الكتابة والإبداع. ومما يردُ في هذا السياق قول صديقتها سوزكي بأن الأدب رواية لحيواتنا المختلفة ويقعُ القارىء على آراء عددٍ من المفكرين والمنظرين في الحقل الأدبي حول كل مايتسع له حزام الأدب والفن والكتابة.كما تدون "زمبرينو" يوميات الوباء.وإشكالياتها مع الناشر.فالكتابة بالنسبة إليها هي ماتًمثل معنى الوقت.أما عن علاقتها بالكتب التي تنشرها تقول "كيت زمبرينو" بأنها ما إن يكون الكتاب في متناول القراء حتى تشعر بالقطيعة معه وتصبحَ خاوية منه. لاتقتصر مكابدات الإبداع على معاندة اللغة للكاتب وتحديق المساحة البيضاء على المسند بوجه الفنان بل التجاهل للعمل هو مايؤرق ويؤلم الروح. يكتبُ مونيه باثَّاً شكواه لبودلير من استقبال صادم لأعماله الفنية في صالون باريس فكان رد صاحب "أزهار الشر" قاسياً ومواسياً في الوقت نفسه إذ بلغه بأنه ليس أولَ من يذوق مرارة التهميش "هل أنت أكثر عبقرية من شاتوبريان وواغنر؟! ألا تعرف كم الاستهزاء الذي نالاه من الناس؟ لكن لا أحد منهما مات من الاستهزاء. " ما يجبُ الإشارة في الختام أنَّ الإبداع على وجه العموم والكتابة على وجه الخصوص قد يكون أداة لمراوغة النهاية والزمن والانتفاض بوجه الملل والجنون كما يمكن أن يلقي بالمرء في فوهة القلق والمطاردة الأبدية للأشباح.اللافت للإنتباه هو فئة من الكتاب الذين يتحركون خارج افتراضات القلق والتوجس من حبسة الكتابة.على غرار ماتقوم به الروائية السورية مها حسن إذ لايشغلها موضوع الصراع مع الكتابة عندما لاتكتبُ تنصرف إلى أشياء أخرى كأنَّ بذلك تبحث عن مداخل جديدة للعودة إلى الإبداع

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top