هل الفرويدية خرافة كما يقدمها أونفري؟

هل الفرويدية خرافة كما يقدمها أونفري؟

لطفية الدليمي

إجتذبت الاشكالية التي وسمت حياة فرويد واعماله جملة من ردّات الفعل المتباينة والاسئلة التي إمتدّت على طيف واسع من الاستقطابات الفكرية مابين أقاصي اليمين الفكري ويساره.

فقد ترددت اسئلة من قبيل: من أين جاء فرويد بمفاهيمه؟ وكيف يمكنك أن تجلس وتبتدع لنا مفهوماً مؤسساً على مسرحية إغريقية (على شاكلة العقدة الاوديبية) ثم ترى في هذا المفهوم إنعطافة علمية حقيقية؟ لم يكن هذا الامر غريباً؛ فالفرويدية – كما الماركسية – هي واحدة من المتبنّيات الآيديولوجية التي سعى مريدوها إلى إلباسها لبوس العلم الصلب.

أظنّهم أخفقوا في مسعاهم وأساؤوا إلى الفرويدية، وأرى أن مسعاهم هذا قد تعمّقت مسوّغات خلله المفاهيمي في عصرنا الذي بات يعتمد المعطيات العلمية الصلبة ويغادرُ حقب الآيديولوجيا حتى لو تجمّلت بفضائل عليا متخيّلة وخصال محمودة مفترضة. التأثير العملي المباشر الناجم عن خواص إرتقائية في الفكر البشري بات هو المعيار الفاصل، ولم تعُد الآيديولوجيا الخالصة جذّابة. العلم قبل الآيديولوجيا، والتحفيز التقني قبل اليوتوبيا الفكرية: هذا هو المعيار الحاكم في عالم اليوم، وهو معيارٌ له مسوّغاته العملية والتطوّرية المدعمة بأسانيد تاريخية.

الامر الحقيقي مع ماحصل في التطوّر التاريخي للفرويدية أبعدُ من محض كشوفات علمية مستحدثة جعلت المفاهيم الفرويدية تنزوي بعيداً. هناك عنصرٌ نوستالجي في تعاملنا مع فرويد والفرويدية. نشأ معظمنا من الجيل الذي تجاوز عقده الستيني والسبعيني في أجواء فكرية كانت الفرويدية واحدة من أعمدتها الراسخة، ولاننسى أنّ الترجمات الانيقة للفكر الفرويدي على يد الراحل جورج طرابيشي ساهمت مساهمة كبرى في إشاعة الفكر الفرويدي. عاملٌ آخر لايمكن ان نغفله وهو أنّ الفرويدية تغلغلت في الادب والانثروبولوجيا والسوسيولوجيا ولم تكن صندوقاً مقفلاً في نطاق دراسات علم النفس، وقد ساهم كثيرون في توظيف الفرويدية – أو بعض مفاهيمها في الاقل – في مناهجهم البحثية. يمكن الاشارة في هذا المجال إلى كتاب الفرويدية لميخائيل باختين، وكُتُب جاك لاكان ومجايليه من أقطاب المدرسة الفرنسية التي عشّقَت البنيوية المستحدثة بالفرويدية في إطار التوظيف الرمزي للمفاهيم والعلاقات الانسانية. حتى كولن ويلسون الذي شاع صيته في العالم العربي في العقد الستيني والسبعيني من القرن الماضي لم ينسَ الفرويدية، وقلّما ترى نصاً له لايحتفي بذكر فرويد؛ بل أنه كتب كتاباً عنوانه (مسارات جديدة في علم النفس مابعد الفرويدي) وهو غير مترجم إلى العربية. قد يبدو أساطين علم النفس ممّن أعقبوا فرويد مضادين له تماماً؛ لكنّ المساءلة الدقيقة ستكشف أنهم ماكانوا كذلك. كارل يونغ مثلاً أعلى شأن القيمة الرمزية في حياة الانسان، وهو في هذا لايختلف مع فرويد سوى في طبيعة الكينونة المقصودة بالتوظيف الرمزي.

لن يخفى على المتابع المعني بتاريخ العلم وبخاصة في حقل الانسانيات والعلوم الاجتماعية، وعلم النفس بالتحديد، أنّ ميلاً متعاظماً بات يميلُ لصالح تدعيم الرؤية القائمة على مسبّبات بيولوجية بدلاً من الاكتفاء بمفاهيم قائمة على رؤى شخصية مستلّة من تراث إنساني قديم أو من تجربة غارقة في فردانيتها. لو راجعنا كتب علم النفس – وبخاصة الاكلينيكي منها – سنرى أنْ لاذِكْرَ لفرويد أو الفرويدية إلا في عبارات قصيرة في سياق مراجعات تاريخية. صار العقل البشري ميداناً لسطوة نواقل عصبية دماغية، وصار السلوك البشري ميداناً يتحكّم فيه السيروتونين والدوبامين بدلاً من العقدة الاوديبية أو عقدة ألكترا، وصار الوسواس القهري عَرَضاً لإختلال بيولوجي محدّد. لعلّ من الغريب على سبيل المثال أنّ مفردة الهستيريا التي كانت شائعة في أدبيات علم النفس لن نرى لها ذكراً في مصنّفات ومراجع علم النفس الاكلينيكي الحديث.

إزاء هذه الخلفية التاريخية التي تعشّقت فيها الفرويدية بالتاريخ الشخصي لكثيرين منّا ستكون تجربة غير طيّبة أن نقرأ كتاباً عنوانه (أفول صنم: خرافة الفرويدية) للفرنسي المشتغل في الفكر الفلسفي (لايُعدّه كثيرون فيلسوفاً حقيقياً) ميشيل أونفري. العنوان لوحده سيكون جارحاً لهم وسيثيرُ فيهم نوازع نوستالجية مُرّة. أونفري في كتابه هذا سو يعمد الى تسفيه جهد كثيرين وسيجعل من قراءاتهم السابقة واجتهاداتهم الفكرية أقرب لعمل طاحونة تطحن الهواء! ! لكن برغم هذا علينا أن ننفض غبار هواجسنا النوستالجية ومطالعاتنا السابقة. الحقيقة العارية من الانحيازات المسبّقة في النهاية أحقُّ بالنظر والاعتبار.

يأتي كتاب أونفري في سياق حملة منظّمة لتسفيه فرويد كشخص والفرويدية كمفهوم. حتى نضع الامر في سياق التشخيص والتكثيف، وحتى لانضيع في حومة أفكار مشتبكة سألجأ لتحديد بضع موضوعات أوردها أونفري في كتابه وسأضعها موضع المساءلة:

1. لنبدأ من العنوان.(أفول صنم: خرافة الفرويدية) هو عنوانٌ محمّلٌ بحمولات تسفيهية غير مرغوبة في الكتابات الرصينة. العنوان جعل من فرويد صنماً ومن الفرويدية خرافة. لنأخذ مثالاً من الفيزياء (وهي من العلوم الصلبة Solid Science بمعنى أنّ هامش الاجتهادات الشخصية فيها يتضاءل إلى حدّ كبير): المثال هو نظرية الاوتار String Theory. ليس من معيار تجريبي يؤكّد إفتراضاتها؛ وبرغم هذا يوجد بين كبار الفيزيائيين من يدعمها. كثيرون لايرتاحون لهذه النظرية؛ لكن لاأحد وصفها بالخرافة، أو وصف المدافعين عنها بالأصنام التي ستأفل عمّا قريب. الكياسة مطلوبة في السلوك العام قبل أن تكون مطلوبة في أخلاقيات التعامل البحثي والاكاديمي.

2. يقال أنّ الفرويدية ليست علماً. هذا صحيح تماماً. الفرويدية وجهة نظر تطلّع مبتدعها إلى رفعها لمصاف وجهات النظر المعمّمة والجديرة بالاعتبار والتدقيق والامتحان. كثيرةٌ هي الحقول البحثية التي ليست علوماً (بمعنى العلم الصلب الخاضع لمعايير الاختبار التجريبي ومطابقة الوقائع المتحصلة مع المفترضات النظرية). الاقتصاد مثلاً ليس علماً؛ إنّه سياسات policies تسعى للإرتقاء بأحوال البشر. يمكن في هذا السياق أن نتساءل: هل الرأسمالية علم؟ أبداً. إنها سياسات فحسب.

3. عندما نقرأ كتاباً ذا عنوان دراماتيكي صاخب فيجب أن ننتبه كثيراً وكثيراً جدّاً. العناوين الصاخبة هي مقدّمات لجذب أكبر عدد من القراء، وهي بهذا جزء من سياسة تسويقية مُناوِرَة ومُخادِعة. ليس بالضرورة أن تقترن المخادعة بهذه العناوين؛ لكن علينا التدقيق في مثل هذه الكتب وعدم القبول التلقائي بمُتبنّيات كُتّابها. يميل أونفري كثيراً إلى هذه العناوين الصاخبة في كتبه العديدة التي يرمي من خلالها دغدغة النوستالجيا الدفينة عند قرّائه.

4. يكتب أونفري أنّ فرويد كان يطلب المال من وراء كشوفاته المستجدّة، ولم تكن جلسات التحليل النفسي سوى واسطته للتربّح. يذكر مثلاً أنّ جلسة واحدة كانت تكلّف صاحبها مايقاربُ العشرين دولاراً (مايعادل الخمسمائة دولار بمعايير زمننا). يمكن أن نتساءل: من كان يقدرُ على تحمّل تكاليف هذه الجلسات؟ الأثرياء بالطبع. هذا مالُهُم وهم أحرارٌ فيما يفعلون. التحليل النفسي أقرب إلى عمليات التجميل باهظة التكاليف في وقتنا الراهن: إذا وُجِد من هو مستعدٌ لدفع الاثمان فماذا بوسعك أن تفعل؟ لايمكنُ عدّ فرويد مذنباً في طلبه المال من الاثرياء. كثيرون ممّن يظهرون في الحوارات التلفازية العالمية – وبينهم فلاسفة وعلماء ذوو شهرة أكاديمية طاغية – يتقاضون مبالغ كبيرة. هذه حقيقة ليس بوسعنا وصفها بأنها مثلبة أخلاقية طالما أنها لاتخالف المعايير القانونية المعمول بها. الاثرياء من جانبهم كانوا يرون في جلسات التحليل النفسي ممارسة يتفاخرون بها مثلما يفعل نظراؤهم في الوقت الحاضر عندما يقتنون أغلى المجوهرات والسيارات ويتفنّنون في عرض (ماركات) ملابسهم وأحذيتهم.

5. يكتب أونفري في كتابه: " ما الهدف من هذا الكتاب؟ ليس تدمير فرويد، ولا تجاوزه، ولا إلغاءه، أو الحكم عليه، أو احتقاره، أو السخرية منه؛ لكن الهدف هو فهم أن علمه كان أولاً مغامرة وجودية سيرية، شخصية حصراً، نموذج للاستخدام مرة واحدة، وصيغة وجودية للعيش مع آلام كثيرة للكينونة ". يريد أونفري القول أنّ التجربة الشخصية – مهما توسّعت وتعاظمت - لايمكن رفعها لمصاف العلم أو الممارسة العلمية. هذا صحيح في ميدان العلم الفيزيائي وليس في ميدان اشتغال بحثي كان ناشئاً في زمن فرويد. البدايات دائماً تكتنفها العثرات والملابسات وبخاصة في حقل ملتبس مثل علم النفس الذي كان أقرب لممارسات السَحَرة قبل عهد فرويد. لايمكن تصوّر حدوث إنفصال تام بين التجربة الشخصية للباحث وميدان بحثه في حقل علم النفس وبالتحديد في بداياته المتعثّرة.

6. لنفترضْ أنّ فرويد كان مدلّساً في بعض كشوفاته التي كتب عنها، وروّج لوقائع غير متحقّقة سعياً لإعلاء شأن ممارسة التحليل النفسي؛ ألا يمكن تقديره من بوّابة الادب؟ حتى لو سقط في ميدان علم النفس وتهافتت آراؤه وتقادمت كثيراً و ماعادت تصلح لأية فعالية علاجية أو معرفية، هل يمكن غضّ الطرف عن كتاباته ذات القيمة الادبية والثقافية العامة؟ كان فرويد قريباً جدا من الحصول على جائزة نوبل الادبية في إحدى السنوات، ولاأظنّه أقلّ شأناً أدبياً من برتراند رسل أو ونستون تشرشل أو بوب ديلان الذين حازوا نوبل عبر بوّابة الادب وليس الفلسفة أو السياسة أو أغاني البوب.

اليوم يريد اونفري احراق فرويد، وسيتبعه آخرون في مظاهرة مماثلة لحرق تلك الاسماء الكبيرة التي احتلت وجداننا وأثّرت فينا طوال قرن من الزمان، الأفضل من إحتفاليات الحرق هذه أن نقرأ الافكار ونعيد إمتحانها في ضوء التطوّرات المستجدّة، وإذا ماتقادمت كثيراً فلندعها تستكن في متحف الفكر الانساني. هذا أفضل من الدعوة لحرق صُنّاعها بعد عقود عديدة لم يبقَ لهم فيها سوى أفكار مقروءة وعظام ترقد في سكون المقابر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top