مدينة بامبي في المتحف البريطاني..عرض جديد للناجين من الكارثة البركانية

مدينة بامبي في المتحف البريطاني..عرض جديد للناجين من الكارثة البركانية

عندما تتجول في مدينة بامبي الايطالية، فان اكبر الحشود تتجمع دائما حول التماثيل التشكيلية المؤثرة لقتلى الرومان – الذين لم تقتلهم الحمم وإنما الحرارة الشديدة والأبخرة التي انتشرت في الشوارع قبل أن تغرقهم الحمم البركانية. ستشعر فورا بتعاطف إنساني موجع مع هؤلاء المساكين؛ قدماء الايطاليين وهم يحنون أجسادهم بخوف شديد رغم مرور ألفي عام على موتهم. باختصار يمكن القول إن العنصر البشري هو ما يجعل قصة بومبي تفرض نفسها إلى آخر الزمان، وسيجعل الإقبال على المتحف البريطاني كبيرا في الربيع القادم كما حصل مع معرض بامبي الماضي الذي كان واحدا من اكبر العروض البريطانية لسنوات السبعينات سوية مع معرض توت عنخ آحون. ثورة البركان حافظت بأعجوبة على منازل بأكملها وعلى شبكات الشوارع والفسيفساء وتماثيل الجص المثيرة. لكن القصة البشرية هي التي تضمن استحواذ بامبي المستمر على خيال الناس وليس فقط القاعة الرئيسية المشتركة. بناء على المقتنيات في نابولي و بامبي، سيتضمن معرض المتحف البريطاني – من بين 250 معروضا - الناجين المترنحين. اغلب التماثيل لم تخرج من ايطاليا  بما في ذلك النقوش الرخامية الدقيقة و ألواح العاج المعقدة و اللوحة الجدارية المتحركة للخباز ترنتيوس نيرو و زوجته، مشيرة الى مواد الكتابة التي تكشف تعلمهم القراءة و الكتابة .

تأثرت مدينة هيركولينيوم – المدينة البحرية القريبة من ميناء بامبي التجاري الكبير – بطريقة مختلفة بالبركان مما أدى الى نجاة البعض بشكل فريد . ست قطع من الأثاث الخشبي تفحمت بسبب الرماد الحار المغلي الذي غطى هيروكلينيوم إلا أنها لم تطمس كما هي الحال في بامبي حيث كان البركان أقوى بكثير . يتضمن الأثاث صدرا من الكتان، مقعدا مطرزا، مصطبة حديقة، والاكثر تهييجا للعاطفة ، مهد طفل لا يزال يهتز قاعدته المقوسة.

مرة أخرى فان ذلك العنصر البشري يبقى معلقا بالقلب، كما هي الحال مع تماثيل الموتى القادمين إلى لندن. في احد التماثيل، يلتصق أبوان و طفلاهما معا تحت سلالم البيت و هم متجمدون من الخوف بنفس اللقطة التي كانوا عليها عام 79 للميلاد. في نفس المعرض هناك أشهر تمثال لكلب، ربما يكون نفس الكلب الذي ألهم عمل اشهر فسيفساء في الإمبراطورية الرومانية، تلك التي وضعت على شرفة احدهم و فوقها عبارة "حذار من الكلب".  إن بقاء التماثيل هو المعجزة، فلقد جرت أعمال الحفريات في بامبي في عام 1748 فقط وتم اكتشافها تدريجيا، لكن ما زال الكثير من هيركلينيوم و ثلث النصف الشمالي من بامبي و جزء كبير من القسم الجنوبي الشرقي غير مكتشف. الحمد لله، فالموقع غير المكتشف المغطى بالحمم ما زال محميا من الهواء و الرطوبة، بينما الجزء المكشوف قد أدى الى خسائر كبيرة. في عام 2010 انهار (بيت المحاربين) بسبب أمطار غزيرة قوضت البناء إذ ان الاقتصاد الايطالي المحفوف بالمخاطر لا يساعد في مثل هذه الأمور.

السرعة البطيئة للحفريات الأصلية كانت تعني أن معظم الموقع – و الكثير من الموتى – لم يتم اكتشافه في 1860 عندما وصل عالم الآثار جيوفاني فيوريلي إلى الموقع. فيوريلي هو الرجل الذي أتقن فن صب الجص في تجاويف الحمم المتكونة بسبب الجثث من اجل عمل تلك التماثيل الخالدة .

من أجل تلك المأساة، كان ثوران بركان فيزوفيوس هبة من السماء لعلماء الآثار الحاليين أو لكل من يريد النظر إلى حياة الرومان الحقيقية، و هو ما يركز عليه معرض المتحف البريطاني . كما انه هدية آثارية دائمة العطاء، ففي العام الحالي تم افتتاح جناح النساء في حمامات ستابيان في بامبي لأول مرة بجانب مدرج المسرح. يشكل (ثيرما ستابياني) مجمعا ترفيهيا واسعا مع حلبة مصارعة و جمناستك و مسبح و قاعة بولينغ. الحمامات نفسها مقسمة الى مجمع يضم غرفة ساخنة مع حوض للغسل و حمام للغطس، و حمام فاتر و حمام بارد ، بالإضافة الى غرف لتبديل الملابس و فرن لتسخين الماء .

مرارا و أنت تتجول في المتحف البريطاني، سيتم تذكيرك بمساهمة الرومان في الحضارة العصرية، و بما قدمه الرومان لأنفسهم من فن و تكنولوجيا و أدب . كانت بامبي مدينة مهمة لسببين، أولهما انها كانت رائدة في عمل السمك المملح و هي أكلة شعبية حيث يملحون أمعاء السمك و يتركونها تتخمر في الشمس لعدة اشهر.

إن شهرة اندلاع البركان عام 79 للميلاد قد تعززت على يد الرجل المسؤول عن الخفارة في القاعدة البحرية في ذلك اليوم المشؤوم من شهر آب؛ انه الفيلسوف بليني الكبير . فخلال إحدى المآسي التي خلّدت  ذكرى بامبي، أسرع بليني الفضولي نحو فيزوفيوس على متن قارب حالما رآه يثور ، بينما بقي ابن شقيقه الحذر – بليني الصغير البالغ 18 عاما – منغمسا في القراءة. من خلال رسائله الى صديقه المؤرخ الروماني تاسيتوس التي كتبت بعد ثلاثين عاما، فان بليني الصغير هو أول من زرع قصة بامبي في خيال الناس .

رسائل بليني الصغير تثير الفضول العلمي و تؤجج العاطفة في نفس الوقت. لقد لاحظ بليني الصغير  السحابة المخيفة فوق  فيزوفيوس "كأنها مظلة من شجرة الصنوبر ارتفعت عاليا ثم تفرعت إلى اغصان". كما أن حكاية موت عمه تبعث رجفة في العظام. عندما بدأ الرماد الأسود و الحجر المتصدع المتطاير من البركان يصبغ سماء الصيف بصبغة سوداء، هرب بليني الكبير الى ساحل البحر و هو مغطى بالأبخرة الكبريتية "وقف متكئا على اثنين من العبيد ثم انهار فجأة. عند بزوغ  الفجر تم العثور عليه سليما بكامل ملابسه،  كان أشبه بالنائم منه إلى الميت".

غالبا ما يستغرق بركان فيسوفيوس عقودا دون أن يثور، لكنه الان نائم و ليس ميتا، آخر مرة ثار فيها كانت في 1944 بعد نزول الحلفاء في جنوب ايطاليا مباشرة، و من المتوقع ثورانه مرة أخرى قريبا. اكتشف العلماء إن هناك خزيناً من المواد المنصهرة تحت البركان يمتد لمساحة 400 كيلومتر مربع. هناك (المنطقة الحمراء)  حول حافة البركان، مع مستشفى إقليمية و مصفى نفط على حافته مباشرة؛ من غير المرجح أن تنجوان من ثورته الكبيرة .

يبدو أن حياة اهالي بامبي قصيرة الأجل. كانت هناك ثورات سابقة منذ تأسيس المدينة في القرن السابع قبل الميلاد، كما حدث زلزال هناك عام 62 للميلاد. حينها قال الفيلسوف الروماني سينيكا "أي مخبأ نبحث عنه و أية مساعدة اذا كانت الأرض نفسها هي التي تسبب الدمار؟". الجواب هو، ليس هناك مكان للاختباء عندما تطلق الأرض العنان لقوتها التدميرية، كما سيبين ذلك معرض المتحف البريطاني بأسلوب يكاد يوقف القلب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top