أمسية عراقية بنكهة الحنين لبغداد.. علي عبد الأمير عجام يوقع كتابه الجديد

أمسية عراقية بنكهة الحنين لبغداد.. علي عبد الأمير عجام يوقع كتابه الجديد

احتضن غاليري الأورفلي في العاصمة الأردنية عمّان حفل توقيع الشاعر والناقد والإعلامي العراقي علي عبد الأمير عجام، "حنين بغدادي"، بحضور نوعي لنخبة من المثقفين والنقاد والإعلاميين العراقيين والعرب أعاد التذكير بالنخبة العراقية التي يتحدث الكتاب عنها أصلاً.

وفي هذا الحفل، الذي أداره بكثير من اللياقة الشاعر العراقي عبود الجابري، قدم الباحث والأكاديمي د. حيدر سعيد ورقة عن الكتاب المحتفى به، مشيرا إلى أنه "يجمع بين الأدب، والاستعارة، والصورة، والسيرة، والوثيقة، والريبورتاج. غير أن الماضي، الذي تعيد نصوصُ المكان إنتاجَه، هو ماض مشذّب، ومهذّب، ومنقّى، حُذفت منه المساحاتُ السود، ليقدَّم أبيضَ ناصعاً".

وأشار سعيد إلى أن "من يقرأ "حنين بغدادي"، يجد أن الألم، والدم، والعذاب، والقهر، يتخلل كل صور علي عجام، وكلماته، ووثائقه، يتخلل مساحات الجمال هذه، ولذلك، ليست (النوستالجيا)، هنا، دفاعاً عن ذاكرة وحسب، بل هي دفاع عن حلم، عن مستقبل لا يُراد له أن يُخلق، وتنبثق، (النوستالجيا)، هنا، هي فكرة سياسية، بامتياز، هي رفض للحاضر، بكناية الماضي، على ما فيه من ألم، وعذاب".

وفي وصفه لهُوية الكتاب، يؤكد د. حيدر سعيد، أن علي عبد الأمير يحاول أن يدافع عن فكرة أساسية، وهي أن هذا الكتاب ليس مجرد "نوستالجيا" وحنين شخصي، لمكان بدأ يتهدم، ويتهدم، بل هو دفاعٌ عن مساحات الجمال في الذاكرة العراقية، قائلا في هذا الشأن "ولعل هذا التمييز هو واحد من التفسيرات النادرة لتيار جارف، شغل الكتابةَ العراقية طويلاً، منذ نحو ربع القرن، في الأقل، وهو التيار الذي يستعيد المكان العراقي، بشكل نوستالجي، أو افتراضي، متخيّل".

يقول سعيد عن المؤلف: "لقد كان علي عجام، منذ أواسط التسعينيات في الأقل، أحدَ الذين تعاطوا وتداولوا حُلماً سياسياً لعراق ما بعد الدكتاتورية. وقد عمل، منذ ذاك، في المعارضة السياسية والثقافية، وكان أحدَ أبرز الأسماء فيها. وحين سقطت الدكتاتورية، عاد إلى البلاد سريعاً، ولكن البلاد -سريعاً أيضاً- لم تستطع أن تحتضنه، فوجد نفسَه، ثانية، خارجها، كما كان في عهد الدكتاتورية". لذلك، يضيف حيدر سعيد "بدأ الحلمُ يهتزّ ويتلاشى، بإزاء هجمة وحشية، يختلط فيها العنفُ بالهوية، والدينُ بالظلامية، والدولة بالاستبداد، وكأن العراق لم يغادر بيئةَ الخيبة بعدُ. النوستالجيا معطى نفسي. ولكنْ، حين تختلط السيكولوجيا بالسياسة، تنتج وثيقة كهذه، فيها من الحنين والوجد، بقدر ما فيها من الرفض والعصيان".

وأعقبه الشاعر والناقد عبد الخالق كيطان بقراءة ثانية للكتاب الذي وصفه "برحلة عمادُها التسامحُ في الزمان والمكان العراقي"، مشيرا إلى أنها "تندرج ضمن سلسلة الإصدارات العراقية التي تريد إعادة الاعتبار إلى المدينة المنتهكة، بل البلاد التي تناهبتها عواصفُ من الخراب والتخلف، ولم تترك شيئا إلا وضربته".

وفي سياق متصل، يضيف كيطان أن الكتاب "رحلة في الزمان والمكان يأخذك المؤلف فيها بلغة أقرب ما تكون إلى بوح مجروح، إلى قصص شكلت إرث أجيال عراقية عريضة، كانت الفنون والآداب فيها تتصاهر مع بعضها بعضا، وهي تنتج إنسانا متحضرا لم تكبّله الشعارات الحزبية، ولا الضغائن المجتمعية، ولا الخلافات الدينية أو القومية... رحلة تمتد على طول وعرض خريطة البلاد أسهم في صنعها كون المؤلف عمل في أكثر من مكان، سواء أكان عمله مدنيا أو عسكريا. وعبْر هذه الرحلة نمر على بيوت وشوارع ومقاه وبارات وجبال ومعسكرات وساحات قتال. أشخاص يمرون في ذاكرة الواحد منا فيتركون بصمة الأبدية وراءهم. لا يترك علي عبد الأمير عجام شاردة أو واردة في ذاكرته إلا ودوّنها في كتاب الرحلة هذا".

وعن الجانب الفني في نص "حنين بغدادي" يقول عبد الخالق كيطان "وكتاب علي عبد الأمير يثير عددا من النقاط الجوهرية في فن السيرة، وأولى تلك النقاط ما خص الأخلاق. فنحن، وإذ نوجه كشافات الإضاءة على حقبة من حياة مجتمعنا البغدادي والعراقي، بحاجة إلى أن تكون تلك الإضاءة مُنصفة، وأخلاقية، ومعبّرة بحق عن شجون ومسرات تلك الحقبة. سهلٌ أن ترمي الجميع بالتهم وتجعل من نفسك البريء الوحيد في جريمة صنعناها جميعا، ولكن الفروسية في أن تكون رحلتك أخلاقية لدرجة نكتشف معها علامات مضيئة أسهمت بتحويل الجريمة إلى ملاذ للأمل".

وفي الختام، رحب علي عبد الأمير بالحضور، وقدّم نبذة عن كتابه "حنين بغدادي"، قائلا: "ليس حنينا شخصيا... هو دفاع عن ذاكرة عراقية. إذن هو نوستالجيا. صحيح أن "نوستالجيا" عبارة قد تخدم وصف الحنين إلى الماضي، أو أنها تشير إلى الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه لبيته وخوفه من عدم تمكنه من العودة إليه إلى الأبد. وصحيح أيضا أنها قد توصف على أنها حال مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب، يعانيها الجنود الذين كانوا يصابون بها عند مغادرتهم لأوطانهم، وبمجرد عودتهم إلى الوطن تزول عنهم أعراضها".

وأضاف "قد تبدو عبارة مقاربة للرومانسية اتجاها أدبيا وفنيا، لجهة أنها حب شديد لأوقات ماضية بشخصياتها وأحداثها، لكنني أرى أنه صحيح أيضا أن أقرن "نوستالجيا" بفكرة أنها دفاع عن مساحات مضيئة، وإن كانت محاطة بظلال الماضي، دفاع عن ذاكرة عراقية ما، يراد لها أن لا تبدو حاضرة وبغير لمسة إنسانية، كي يكون ممكنا وهيّنا أمر تمرير الرداءات الحياتية والفكرية، انطلاقا من فكرة تحاول أن تجعل تاريخ العراق المعاصر قرين تلك الرداءات ونتاجها، كما يحلو لأصحاب قلوب غليظة وعقول فظة انتعشت في مراحل الكراهية أن تفعل".

ويختم علي عبد الأمير دفاعه عن الجرح الغائر الذي لا يندمل، بهذه العبارات المؤثرة: "هذا الكتاب ليس حنينا شخصيا لبغداد، ولا ذاكرة شخصية. إنه كتاب في التبصر، وإثارة الأسئلة، عبر الدفاع عن ذاكرة عراقية ومرحلة كانت تَعِدُ بالكثير".

ثم قرأ المحتفى به شيئاً من مقدمة الكتاب وفقرة منه قبل أن يختتم الحفل بتوقيع عجام نسخاً من كتابه الجديد على جمهور الأمسية وسط حفاوة كبيرة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top