مجانين في حياتي

سعدون محسن ضمد 2012/12/23 08:00:00 م

مجانين في حياتي

ترك المجانين تأثيرات كبيرة عليَّ في سنوات عمري الأولى، فقد سكن قريبا من بيتنا أربعة منهم كنت أعرفهم وأخافهم بشكل مستمر، لكن تأثير (أبو عروبة وجهيد) كان أكثر من تأثيرات البقية. فأبو عروبة، كان منبوذا بين صغار الحي لكنه وجد ملاذاً آمناً في بيتنا، ما ساعد على أن تتكون بيني وبينه صداقة طفولية جميلة، ولم أعرف أن صديقي هذا غير طبيعي إلا عندما حاول موظف الكهرباء قراءة عداد بيتهم، وكان غياب (أم عروبة) عن البيت سبباً في خوف الصغير وشعوره بالتهديد، ما جعله يرفض السماح للرجل بأداء مهمته. وكنت، لسوء حظي، قد تقدمت بدافع الفضول باتجاه الباب حيث وقف الموظف، ولم انتبه إلى أن ابو عروبة تسلح بـ(ربع طابوقة بناء)، وهكذا ما أن هم الموظف بدخول البيت حتى أرسل له صديقي طابوقته التي أصابت حافة محجر عيني اليمنى، وكانت على بعد مليمات قليلة من إتلاف عيني بالكامل. بعد ذلك فهمت ومن خلال تحذيرات أهلي، أن صديقي الصغير معتوه ويجب الحذر من تصرفاته.
أما (جهيد) فقد أثر عليَّ تأثيرات نفسية، وليست جسدية، كأثر أبو عروبة في حياتي، فابن جارنا هذا، الساكن في نهاية الزقاق، لم يكن مجنوناً كما اعتقدت طوال طفولتي، بل كان يعاني من مرض في أعصابه تجعل استجابة أعضاء جسمه بطيئة جداً، ما يجعل حركاته مخيفة. المهم لاحقني (جهيد) في أكثر أحلامي بل حولها إلى كوابيس مخيفة. كان يطاردني طوال الليل وهو يلاحقني بحركاته المتعثرة وجسده المعوج، وكنت أهرب بخوف وهلع مريرين، خاصة وأن تشنجات وجهه كانت تثير الخوف. لكن بعد أن كبرت قليلاً عرفت أن هذا الكائن مسالم جداً، وأن كل مظاهر الرعب في وجهه كانت بسبب محاولاته الابتسام، ولأن عضلاته لا تستجيب فان تقاطيع وجهه وكثافة الّلعاب النازل من فمه تجعلان هذه الابتسامة مشوهة ومخيفة للأطفال.
بعد أن غادرت حياة الطفولة وحيّها، اعتقدت أن رحلتي مع المجانين انتهت. لكن اليوم أشعر بأنني أعيش وسط مستشفى مجانين فحياتي يقودها مجانين ويتحكم بها آخرون، لكنهم مجانين من نمط مختلف عن (أبو عروبة) و(جهيد)، فقد كانوا مجانين حينا مسالمين وهادئين أغلب الأحيان. أما مجانين عراق ما بعد 2003، الذين أشعر بأنهم يضيقون علينا حياتينا ويتحكمون بمصائرنا، فهؤلاء يمثلون تجسيداً مباشراً للخطر.
بقيت طيلة طفولتي أحلم باليوم الذي ابتعد فيه عن حي يسكنه جهيد وأبو عروبة، واليوم أحن إلى ذلك الحي بزمنه المسالم. أريد أن ابتعد عن حياة حاصرنا فيها مجانين بأشكال وأحجام ومظاهر مختلفة؛ مجانين حرب، ومجانين فساد، ومجانين أزمات، ومجانين مؤامرات، كان جهيد يحاصرني في منامي وداخل كوابيسي، أما مجانين العراق الحالي فيحاصرونني في أحلامي وفي يقظتي وفي كل مسامة من مسامات حياتي.

تعليقات الزوار

  • حيدر العلاق

    ابدعت استاذ سعدون بهذا المقال واحسنت بهذا الربط الجميل واتقنت خلط حلاوة الدعابة بمرارة الحقيقة فاوجدت لذة مميزة لكل مقالاتك...احسنت يا بطل

  • يقظان القيسي

    ربط لا اجمل ... احسنت استاذ سعدون

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top