كتّاب وفنانون والحرب الأهلية الإسبانية

كتّاب وفنانون والحرب الأهلية الإسبانية

في شهر تشرين الأول من عام 1936، كانت مجموعة من الكتّاب الانكليز يقاتلون ضمن الحرب الأهلية الاسبانية، وكان الشاعر جون كورنفورد وأصدقاؤه، يقاتلون من مخبئهم في كلية الفلسفة، ويطلقون النيران من نوافذ المكتبة، ويسدونها بالكتب السميكة للفلسفة الألمانية، وهم ايضاً، في الفقرات الفاصلة ما بين المعارك، يقرؤون قصائد كوليرج ووردْ زوروث.

وكان الشاعر كورنفورد، يدرس التاريخ في جامعة كيمبرج، ولذلك كان سعيداً بانتقاله من جامعة إلى اخرى، (يطلق النيران بحماسة على الفاشيين).

وكونفورد، كان واحداً من عدة آلاف من الانكليز والأميركيين الذين حملوا السلاح، بالنيابة عن الحكومة الاسبانية الجمهورية التي تم الانقلاب عليها من قبل الفاشيين العسكريين عام 1936، وضم أولئك المتطوعون عدداً كبيراً من الكتاب والفنانين، المجموعة التي أطلق عليها اسم (أنا اسبانيا) ومن المعروف أن كتاباً ومن بينهم كونفورد، جورج اورويل ستيفن سبندر، وهـ.أودت، جون دوس باسوس وإيرنست همنغواي، شاركوا في تلك الحرب، وهذه هي المرة التي يتم الكشف عن كافة الأسماء وأين كانوا يقاتلون وتحركاتهم شهراً بعد شهر، في الكتاب الذي أصدره أخيراً ديفيد بويد هايكوك. والنتيجة كانت مدهشة وهايكوك مؤرخ متميز، فهو يقدم تحليلاً جيداً لآلية الحرب والخطط العسكرية والسياسية، وهو في الوقت نفسه يعيد تلك المعارك الى الحياة. وهايكوك كما هو واضح، استفاد من المجموعة المتميزة التي كتب عنها وأيضاً من أجواء الحرب وصور البطولة التي رافقتها.

وبالنسبة لجيل من الكتاب، فان جاذبية الحرب الأهلية الاسبانية لها صلة بمدى صواب خيار الاشتراك فيها، ضد الفاشية، بطبيعة الحال.

وكتب أورويل عن تلك الحرب: (عندما بدأ القتال في 18 تموز، أحسس كل أوربي يحمل مشاعر ضد الفاشية بموجة من الحماس)، إنهم كانوا يشكلون جيلاً فاتهم ما جرى من أحداث في الحرب العالمية الأولى، وكانوا يشتاقون الى فرصة للبرهنة على شجاعتهم، وهم لم يكونوا يقاتلون الفاشية فقط، بل يدافعون عن اسبانيا نفسها، التي أشادوا في العشرينيات من القرن بجمالها ورومانسيتها، وقد كتب همنغواي في عام 1923، (اسبانيا أرض طيبة) كما كتب كثيراً عن مصارعة الثيران فيها.

ولكن اسبانيا في الحرب الأهلية تلك كانت تختلف عن مصارعة الثيران، وسرعان ما أصبح هو وزملاؤه في وضع حرج وخطر.

وفي حادثة انفجار، أصيب كونفورد بالجراح، ونقل الى المستشفى، متحملا آلامه بصمت وهو يكتب، (لا توجد حرب نظيفة، والحرب الثورية قبيحة بدورها، وبعد شهر على ذلك قتل في معركة لـ (لوبيرا).

وإثر وفاة كونفورد، أحسسّ الكتّاب بشيء من التهيج والحماسة، ولكن ذلك الأمل البريء، مجرد إحساس بدا بعيداً عنهم.

لقد تميزت الحرب الاسبانية بانعطافاتها المفاجئة ففي عام 1937، أصبح واضحاً اضمحلال قضية الجمهورية عبر الفساد الذي سادها، وما أن وصل اورويل في كانون الثاني 1937، حتى بدأ متأثراً بشدة من تيار العمال الديمقراطي، وعلى أية حال، فانه سرعان ما أدرك أن القتال بين الشيوعيين ومنهم أنصار تروتكسي والفوضيين، يعتبر خيانة لفكرة الحكم الجمهوري اما همنغواي الذي أمضى معظم عام 1937 في اسبانيا منذ بقي مؤيداً لقضية الجمهورية، وكان مهتاجاً عندما تخلى دوس باسوس عن القتال بعد سماعه ان صديقاً حميماً له قد أعدم خطأ بعد اتهامه بالتجسس، قائلاً (ما قيمة حياة الرجل في زمن مثل هذا؟)، ولكن همنغواي، في مسرحيته – العمود الخامس- والتي كتبها ومدريد تنصب عليها النيران والقنابل، كتب مصوراً إسبانيا كابوساً يقتل فيه أناساً أبرياء عن طريق الخطأ.

وكان اشتراك كتاب كبار في الحرب الأهلية الاسبانية أمراً غريباً، وقد ذهبوا اليها وكأنها حدث خيالي. همنغواي يكتب مسرحية والقنابل تنفجر من حوله، وروبرت كابا يصوّر (مشهداً حربياً)، في تلك المعارك وهي الصورة الشهيرة باسم (لحظة تفصل بين الموت والحياة)، الحرب الاسبانية، كانت حرب الكلمات والصور، وكان الكتاب والفنانون واعين لما يكتبون أو يرسمون أو يصورون.

ومع أن كتاب بويد هايكوك (اسبانيا 1937)، يأخذ عنوانه من قصيدة لأودن، فإننا لا نرى تواجداً لأودن أو سبينسر فيه، ومع أنهما لم يشاركا في الحرب فعلاً، فان قصائدهما وتقاريرهما، كانت جزءاً من الدعاية لقضية اسبانيا، وعاملاً أضاف إليها تألقاً نادراً.

ففي مقالة عن (غورنيكا) لوحة بيكاسو الشهيرة، في عام 1938، كتب سبيندر أن لوحة بيكاسو لم تكن رد فعل لرعب شخصي، بل (رعب جاء ذكره في الصحف)، قرأ عنه بيكاسو في الصحف أو رأى صورا فوتوغرافية عن تلك المشاهد، وأضاف ايضاً أن تجربة بيكاسو، كانت ثانوية وليست مباشرة، إن القصائد والصور والأفلام التي نتجت عن الحرب الأهلية الاسبانية، مؤثرة جداً، لأنها تعكس تلك المشاهد للحرب بصورة مباشرة وأحاسيس الكتاب والفنانين الآنية لتلك اللحظات أو الدقائق.إن الفيلم الذي قدمه كل من همنغواي وجوريس آفينز (الأرض الاسبانية) يقدم صورا واقعية عن الحرب، إذ أن الناس لا تقدر على التمثيل في حضور الموت..

عن الغارديان

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top