موت الكلمة المكتوبة: القلم والورقة

موت الكلمة المكتوبة: القلم والورقة


هل للخط قيمة بإمكان الرسائل والكتابات الالكترونية الحلول مكانها؟ والكاتب فيليب هينشر يرثي الموت البطيء للكلمة ويتحدث عن أهمية وضع القلم على الورقة والكتابة.
أجل لقد أصبحنا لا نعرف خط اقرب الأصدقاء إلينا، مع أننا نعرفهم منذ أعوام طويلة، بل هناك عدد كبير منهم لم يجرب مرة واحدة الكتابة على الورق حتى ولو بعض الملاحظات ولم يفكروا في مجرد إرسال بطاقة بريدية إلى أحد ما وهو يزور بلداً بعيداً، أو قام برحلة سياحية.
وفي هذه الايام، ينتاب المرء إحساس أن الكتابة على وشك الاضمحلال من حياتنا.
فلا أحد يتواصل عليها ولم تعد الوسيلة الاساسية للتفاهم بين الناس حول عدد من الأمور كانت لها اهميتها من قبل.
والمرء عادة يبدأ دراسته في المرحلة الاولى بتعلم حروف اللغة وكيفية كتابتها وتحسين خطه، ثم يتطور الى التفنن في كتابة الحرف الواحد بأشكال متعددة، بعد ان يتعلم ايضاً كيفية ربط حرف بآخر (ألف. باء. جيم. وحاء..).
ويختلف خط الطالب المبتدئ عن خطوط الذين أمضوا سنوات في الدراسة، بل إن المبتدئين يبدون اعجابهم بذلك الخط الذي يتجاوز مقدرتهم كثيراً، ولكنهم سرعان ما يتعلمونه ويجيدونه بعد اعوام، مع تخصيص المدارس دروساً خاصة بالخط وكيفية كتابة الحرف الواحد بأشكال متميزة، وهو الفن الذي يعرف بـ(فن الخط) وتقام له معارض متعددة، ويبرز في مجالها خطاطون لهم مكانتهم وقيمتهم.
والمرء عادة يحاول تحسين خطه، وقد يقلد صديقه في كيفية كتابة (الكاف) أو (العين) أو (القاف) أو انه يجد أسلوباً آخر لخطّها، ويتفوق بذلك على تلاميذ صفه، وما أن يتقدم المرء في السن بضع سنوات، حتى يتوصل بعد تجارب عدة إلى (تشكيل) توقيعه الخاص وقد يتغير ذلك التوقيع مع الأعوام.
إن الطقوس الخاصة المرتبطة بالكتابة وعلاقة المرء الحميمة بالورقة والقلم، بدأت تختفي مع بدء علاقة أخرى بينه وبين (الكومبيوتر) والتي يمكن أن نصفها بـ(اللاعلاقة)، ولقد بدأت الدول الأوربية علاقتها بالكومبيوتر منذ أكثر من 20 سنة، وخاصة في المراحل الدراسية المتقدمة، مع انتشارها في كافة مجالات الأعمال الدراسية والخاصة، وأصبح أساتذة الجامعات لا يتسلمون (النصوص الخاصة بالأبحاث والدراسات العليا، إلا مطبوعة على الكومبيوتر) واختفت بذلك السمات الشخصية للفرد والمتعلقة بالقلم، لقد كان القلم مصاحباً ورفيقاً للإنسان منذ زمن طويل، وهو لا يثير الدفء في حواسنا فقط، بل يبدو حياً بالنسبة إلينا، مثل اصبع آخر، (الإصبع المتحرك يكتب، وقد كتب، يتحرك متواصلاً) وهذا شعر كتبه عمر الخيام وترجمه إدوارد فيتزجرالد، وكل واحد منا يعرف ماذا يعني ومدى اعتزازه بالقلم.
الكتابة والهواتف النقالة
وهناك أجهزة حديثة أخرى للكتابة، ومنها الهواتف النقالة، والتي بدأت تحتل جانباً نفسياً لدى مستخدميه أشبه بشكل ما للقلم، وقد كان الناس قبل عشرة أعوام يحتفظون بتلك الهواتف في جيوبهم، واليوم يحتفظون به في أيديهم بشكل دائم، ولا يفترقون عنه.
اجل ان الناس اليوم بدأوا بشكل ما يعتبرون هواتف (الموبايل) جزءاً ممتداً منهم، وقد استسلم الإنسان (خطه وكتاباته اليدوية) إلى شيء أكثر ميكانيكية، اقل إنسانية، وليس بقادر على التحدث عنا وهو أيضاً أقل حضوراً في لحظاتنا السعيدة جداً ومشاعرنا العميقة، إن الحبر يسري في عروقنا، يتحرك باليد لتسجيل علامات من الحبر على الورق، وقد اعتبرت هذه العملية منذ أعوام، بل منذ عقود، مفتاحاً للوجود البشري، ففي الماضي، كان الخط يعتبر الدلالة الأقوى للفرد، ففي عام 1847، كان مجرد توقيع واحد، عاملاً اساسياً للدلالة على أحقية الفرد وصدقه وبراءته في المحاكم، ان كانت العوامل الأخرى ضعيفة.
ان الخط هو الذي يعين فرديتنا، وهو علامة رسمتها ثقافتنا علينا، وهو علامة على مدى قوة مجتمع ما وثقافته وتفرده.
ومن الأمثلة على ضرورة الاهتمام بالخط، ما حدث في عام 2009، عندما تسلمت والدة جندي بريطاني قتل في أفغانستان، رسالة من (غوردون براون) الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك، وما ان قرأت الرسالة حتى هرعت الى احدى الصحف مذهولة، لقد كان بخط يده، وهو أمر نادر، ومما هو جدير بالاشارة، ان الاسطر القليلة كانت تحتوي أخطاء إملائية، اضافة الى رداءة الخط.
ان الانسان في حاجة الى الخط، فهو يقوّي صلتنا بالكلمة المكتوبة، ويدفعنا إلى قراءة ما يكتبه الآخرون والتفاعل معه، وربما إدخال السرور إلى قلوبنا.
وليس من الضروري أن تعود الكتابة على الورقة بواسطة القلم، إلى سابق عهدها، بعد ان اصبح (الكومبيوتر) او لوح الأحرف الأوتوماتيكية سيد الساحة، ولكننا نحتاج الى اوقات تخلو فيها بأنفسنا لنكتب للأصدقاء والأحباء، او حتى لأناس لا نلتقيهم عادة ولكننا نراسلهم من اجل الصداقة والتعرف فقط، اذ ان العلاقة ما بين الكلمات والحبر والورقة وحركة اليد والذراع أمور حميمية وفريدة يحسّها الانسان.
ومع ذلك فهناك إحساس بأن المعركة تبدو خاسرة ما بين القلم والورقة والأجهزة الآلية التي تزداد انتشاراً في العالم. ومن اجل الحفاظ على الكلمة المكتوبة، يتوجب تدريس مادة الخط في المدارس الأولية فهو الخيار الإنساني الأول.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top