حماقة الطائفيين

علي حسين 2013/02/08 08:00:00 م

حماقة الطائفيين

رسائل كثيرة تصلني من قراء أعزاء.. الكثير منها يعتقد أصحابها  ان ما نكتبه لا يلقى صدى لدى المسؤولين.. وإنهم يواجهوننا بالمقولة الشهيرة "حجي جرايد" والبعض الآخر يرى ان العلة ليست في الحكام وإنما في المحكومين الذين يصرون دوما على الانقياد لأهواء ورغبات الحاكم.. من بين هذه الرسائل رسالة لقارئ ذيلها باسم حسام يقول فيها: "يا اخي والله انت تعذبني بكتاباتك انا من القراء الدائمين للمدى..قبل أيام انا وجاري كنا مشغولين بتصريف الامطار في الشارع وضعنا مجموعة من الطابوق والحجر ليكون ممرا لعبور طلاب المدرسة، وشتمنا الحكومة المحلية لعدم اكتراثها بمعاناة الناس ووصلنا بالحديث عن الانتخابات، فسألت جاري هل بعد هذا كله ننتخبهم؟ فاجأني: نعم ننتخبهم، سألته: لماذا قال إنهم من طائفتنا، فأيقنت أننا نستحقهم وهم يستحقوننا".
يدرك المواطن جيدا ان المسؤول لا يتذكر سوى نفسه ويضرب حوله سياجا دائريا من الحرس والعيون ولا يترك ثغرة في هذا الجدار العازل تدخل منها آراء الناس ومشاكلهم، منذ ايام السلاطين تعلم الحكام ان الشعب لا يؤتمن وان الناس حمقى في آرائها وأهوائها، والاهم حمقى في اختياراتها. يكتب الفرنسي جلين بليك في كتابه المجادلة مع الحمقى "ان للحمقى أيضا من يعجب بهم وهم الأكثر حماقة منهم"، وقديما خصص احد التقاة " ابن الجوزي " كتابا سرد فيه اخبار الحمقى والمغفلين وضع فيه وصفاً للحمق قال: "معنى الحمق والتغفيل هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب، بخلاف الجنون، فإنه عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعاً، فالأحمق، سلوكه الطريق فاسد ورؤيته في الوصول إلى الغرض غير صحيحة".
العام 1885 أطلق بول لافارغ السياسي من أصل كوبي وصهر ماركس مقولته الشهيرة حول الحق بالحماقة، كانت المقولة في حينها مدهشة وجديدة وتعبر عن نوع من الحزن والاسى الى ما وصل اليه مجتمع الساسة آنذاك من الاستهتار بمقدرات الناس وعقولهم في مجتمعات شديدة الضغط على الإنسان، ويبدو أن مفهوم الحماقة اليوم بدأ يشمل الشعوب التي تسلم امرها بيد سياسيين فاقدي الصلاحية والاهلية  ويكفي أن نأخذ عينات من الحكومات العربية كي نرى حجم الاستخفاف بالإنسان، فشراء الذمم وتزوير إرادة الناس وسرقة المال العام والمحسوبية والرشوة، جعلت من المواطن العربي المسكين لايملك ارادته ويعيش على هامش الحياة، فالإنسان الذي أطلق عليه هربرت ماركيوز اسم الكائن الخلاق، تحول في مجتمعاتنا إلى كائن عاجز.
اليوم والمواطن العراقي يعيش وسط أكوام الضياع وصحراء القهر والغبن وتحت سماء تتسع باطراد من بطالة وخوف وموت مجاني، ليس أمام الغالبية من سيئي الحظ، سوى الوقوع في ثقب الحماقة واللامبالاة مع ما يحمله من بلسم كاذب ووهم خادع لجنة موعودة كبديل عن إفلاس مشاريع الجنة الأرضية، جنة العدالة الاجتماعية والتنمية والتقدم التي وعدت بها أنظمة تسعى للاستيلاء على أي شيء وكل شيء. يقول فؤاد زكريا "نعيش اليوم في أحدث نموذج لمجتمعات الحمقى والمغفلين التي لبس فيه السياسيون بدلات الجنرالات ودخنوا سيكارهم الكوبي في الوقت الذي أقاموا فيه حروب الكلمات وشيدوا جمهورية الشعارات وصنعوا ماكينة فرمت لحم الجماهير المغلوبة على أمرها  لتصنع منه عجينة لينة لكرسي الحكم".
ما معنى ان يدفعنا السياسيون في كل يوم نحو وطن لا يحده سوى اليأس والخراب، هل يدركون مدى اتساع الهوة بينهم وبين الناس.. بين من يملكون كل شيء والذين لم يعد لهم الحلم او حتى الأمل.. قال ديغول لوزير ثقافته مالرو "هل تذكر جملة البابا الشهيرة؟ الفرنسيون لا يحبون فرنسا" لا يمكن بناء وطن لا يؤمن اهله به ولا يثقون بغده، أو بغد أبنائهم.. وهذه الثقة لا يمنحها سوى سياسيين نزهاء وصالحين.
اليوم نشعر جميعاً أننا وسط حلبة مصارعة نتلقى فيها الضربة تلو الأخرى دون أن يلوح في الأفق أي تغيير في ميزان القوى لصالحنا؟ هل الحماقة أن نصمت وننعزل، أم الحماقة ان ندفع أعمارنا في الهتاف لسياسيين حمقى  وأغبياء.. إنها محنة مواطن يعتقد للأسف أن حماقة الطائفية هي طوق النجاة الاخير.

تعليقات الزوار

  • الموج الهادر

    استاذ علي تحية طيبه ... نحن العراقيين لازلنا نبحث عن الاسباب التي ادت بنا الى هذا الحال .. صدقني السبب هو نحن هذا المجتمع المتخلف ... ومشاكل العراق صدقني الخصها لك بهذه الكلمات ... انت تشاهد يومياً الناس تطالب بتنظيف الشوارع .. والسبب وكلنا نعرف اننا مجتم

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top