علي جواد الطاهر (1996-1911)..استذكار معلم النقـد الذي كان ولا يزال

علي جواد الطاهر (1996-1911)..استذكار معلم النقـد الذي كان ولا يزال

(القسم الثاني)

إننا حين ننطلق في هذا من الإجلال لمن يستحق الإجلال، الدكتور علي جواد الطاهر أستاذاً ومعلماً وراعياً، فإن ذلك لا يعني بالضرورة اتفاقاً معه في كل آرائه وتأييداً لكل ما يذهب إليه. فأنا شخصياً قد اختلفت وما زلت أختلف معه في أمور، ولكني لم أنسَ، في حياتي وفي دراستي ونقدي، عباءته التي خرج جُلَّ النقد العراقي من تحتها، مع عدم التقليل من أهمية ومكانات وأهمية عباءات نُقـاد آخرين بالطبع، ولكن مرة أخرى، أن نختلف معه شيءٌ وأن نتجاوز فضله ومكانته ودوره في حياتنا الثقافية وفي مسيرة الأدب شيءٌ آخر. فأليس غريباً، مثلاً، أن يتهم أديب مثل زيدان حمود أستاذاً كالطاهر بعدم القدرة على الاستمرار والتجديدوهو ما ينطوي عليه قوله رداً على الطاهر:

( 3 )

"إن الأدب الحديث بحاجة إلى لغة جديدة وإشارات دفينة يبثها النص الذي يبعث في المتلقي حالة الاستقرار"، ويتهمه بالتوقف وعدم التطور والتجاوز، وهو ما ينطوي عليه قوله:

"اعذرنا لأننا لا نستطيع أن نقف في حدود ما وقفتم عنده"؟

وهو لا يكتفي بهذا ،بل يتهمه بالتقصير وبالمواقف غير الإيجابية من بعض الكتّاب والتيارات، بما في ذلك مثلاً إهمال كتابات ما بعد الستينيات بينما يعرف من تابع الطاهر في كتاباته ونقوده أن من بين ما يقارب الخمسة والعشرين أو الثلاثين قاصاً الذين تميزوا خلال السبعينيات والثمانينيات- وبغض النظر عن انتماءاتهم الجيلية- كتب ناقدنا الكبير عن أكثر من نصفهم، من أمثال التكرلي وزنكنه والعبادي وأحمد خلف وعلي خيون ومحمد خضير وهشام الركابي وعبد الخالق الركابي. ولا نظن غيره قد استطاع فعل ذلك من دون الخروج عن حدود الدقة والموضوعية والعلمية ،بل التطور مما ميّز كتابات الطاهر على غزارتها. فمرة أخرى يعلم كل متابع لنشاط الناقد الراحل النقدي كم كان متطوراً ومتجدداً دائماً، وكم كان منفتحاً حتى على من (يتطور) بشكل واتجاه لا يتفق معهما، ولنا مواقفه من العديد من الاتجاهات والمناهج الحداثية أمثلة على ذلك حين لا ينكرها على غيره بمن فيهم تلامذته. ولكن نعود لنقول، ومرة ثالثة، التطور والتجدد شيء، والانفلات وعدم الارتكاز على أسس وتقاليد شيء آخر، ثم هل كثير على ناقد كالطاهر، امتلك نصف قرن من الكتابه والبحث، ليكون له موقف خاص من هذه الطريقة أو تلك من طرق الكتابة، ومن هذا الاتجاه أو في ذاك في الإبداع، ومن هذا المنهج أو ذاك في النقد؟ أما أن لا نتفق معه في مثل هذا، فلا نظن أن الطاهر ينكر علينا ذلك، كما ليس لنا ان ننكر عليه مواقفه وآراءه، يبقى أن أستاذنا الجليل لم يُسفِّه رأيا أو مدرسة، بل وجد بعضاً غير ملائم لأدبنا- وربما ضمن مراحل معينة- إذ يقول في الحوار الذي أجراه معه أحمد خلف:

"إننا في العراق ما بنا حاجة إلى ما وصل إلينا من نشاط فرضه أصحابه على أنه نقـد جديد".

بقي أن نشير هنا إلى ما يُسيىء بعض الأدباء والنقاد الشباب فهمه حالياً، وقد يصب مقال زيدان حمود فيه، مما يُسمى بـ(موت الأدب)، فمثل هؤلاء فهموا هذه المقولة بشكل ربما يصح معها أن نسميه (قتل الأب)، وبين هذا وذاك فرق، فإذ يعني مصطلح (موت الأب) أن لا تكون تابعاً في رأيك واتجاهك واختياراتك بالضرورة للوصي عليك من أب أو معلم أو رجل دين أو حاكم أو مَن هو أكبر منك، وألا تبقى تحت عباءته، فإن ممارسة هؤلاء الذين يسيئون الفهم ليتبوا، من حيث لا يعون، ما سميناه (قتل الأب)، تعني أنك بالضرورة يجب أن تثور على ذلك (الوصي) وأن تحطم كل ما يقول به، بل أن تسفّهه، والمهم أن تختلف معه حتى وإن كان على حق وكنت أنت على خطأ وباطل.

( 4 )

وإذا أردنا أن نتجرد وقتياً من عاطفيتنا ومما يسوقه حبنا للطاهر من انحياز، ونتجاوز موقف الإنسان الراعي والمحب المتجسد في شخصه وسلوكه، والتفتنا إلى فضله ودوره العلميين، فسنجده يتوزع بشكل رئيس على ثلاثة جوانب هي: الأول دور المعلم الأكاديمي من خلال عمله أستاذاً للنقد في جامعة بغداد وتحديداً في كلية الآداب فيها التي نذر جل عمره العلمي لها. والثاني دور الناقد التطبيقي، وخصوصاً دوره في النقد القصصي العراقي. والثالث هو دور الراعي العلمي الذي كان دوماً يحتضن من يلمح فيه أو في كتابته موهبةً أو قدرة غير عاديتين أو واعدتين للكتابة الإبداعية أو النقدية، طلبةً يدرسهم كانوا أم غير طلبة.

فهو، في دوره الأول، دور المعلم الأكاديمي، قد أسهم، بنحو جليّ بقيتْ امتداداته زمناً طويلاً، في تحديث مناهج الدراسة الأدبية الأكاديمية وإخراجها من تقليديتها وسلفيتها. فقد قاد الطاهر هذه الدراسات نحو الانفتاح على المناهج الحديثة، ولكن من دون التضحية بمعطيات النقد العربي القديم الذي ما انفصل عنه يوماً. وتعلقاً بذلك قاوم الإلغاء الذي نتذكر كيف تبنته مجموعة من الأدباء والنقاد والأكاديميين الشباب منتصف الثمانينيات ومارسته حتى تجاه مناهج النقد الغربية الحديثة التي كانت سائدة وقتها، ولم ترتض المعادلة التي يصعب على الكثيرين المحافظة عليها، بينما جاهد الطاهر في سبيل تحقيقها وممارستها، كما سعى، ضمن هذا الدور الأكاديمي، إلى بناء العلاقة العلمية والتربوية النموذجية بين الأستاذ والتلميذ وبما يقود إلى الكشف عن المواهب ورعايتها وتوجيهها، كما سنأتي إلى هذا في كلامنا عن دوره الثالث.

أما الدور الثاني، دور الناقد التطبيقي، فيتمثل في أن الطاهر إذا كان بحق أبا النقد الأدبي العراقي الحديث، فإنه أسهم أيضا بزخم غير مسبوق في رعاية القصة العراقية وتعزيز مسيرتها دراسةً وكشفاً لمواهبها، وربما توجيهها أو توجيه بعض كتّابها أحياناً، بل نزعم أننا لن نكون مبالغين إذا ما قلنا إنه قد أسهم بشكل فاعل، ما زالت لمساته واضحة الى جانب لمسات أعلام هذه القصة وبعض دارسيها ونقادها الآخرين بالطبع، في نقلها من مكانةٍ متواضعة ومحدودة المساحة كانت تحتلها في الخمسينيات والستينيات بين الآداب القصصية العربية، إلى مكانة اختلفت فناً ومساحةً وبشكل جوهري بدءاً بنهاية الستينيات وحتى رحيله وما بعد رحيله، وهو في ذلك كله منح حركة النقد الأدبي العراقي، وضمناً العربي زخماً وفاعليةً تجعل من غير الممكن لأي دارس أو ناقدِ نقدٍ، يستقرئ النقد العربي، أن يتجاهله اسماً ودوراً وآراءً، إذا ما أراد هذا الدارس أو ناقد النقد أن يكون في استقرائه علمياً أو أكاديمياً أو لنقل منصفاً.

في دوره الثالث، دور الراعي العلمي، سعى، كما قلنا، إلى بناء العلاقة العلمية والتربوية النموذجية بين الأستاذ والتلميذ في المؤسسة الأكاديمية وخارجها وبما يقود إلى الكشف عن المواهب ورعايتها وتوجيهها. والمهم في هذا أنه ما كان يقطع الصلة بأصحاب تلك المواهب بعد انتهاء دراستهم أو قراءة أوائل أعمالهم، ولا يوقف الرعاية، ويشرفني أنني كنت أحد هؤلاء التلاميذ الذين حباهم الطاهر برعياته، فما انقطعتُ عنه تلميذاً له في الكلية، ثم ممارساً أولى كتاباتي النقدية حينها وبعدها، ومكملاً لدراستي العليا في بريطانيا، حين بقيت أتواصل معه عبر الرسائل التي كنت أغتني بواسطته منه، ثم وأنا أصدر ثاني كتاب لي هو "التجربة الروائية في العراق" أهديته له وكان الطاهر نفسه خبيره، وأخيراً وأنا أستاذ في كلية الآداب، حيث بقيت تلميذاً له ومحط رعايته حتى وفاته رحمه الله، ولم تكن تجربتي هذه تلميذاً للطاهر إلا واحدة فقط من تجارب آخرين مثلي بالطبع.

( 5 )

لقد تجسدت خصائص الطاهر وثراؤه وشخصيته وبشكل عام عطاؤه، أكثر ما تجسد في كتبه التي زادت على الثلاثين كتاباً لعل أهمها "الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي"، والابن وسبع قصص أخرى"، و"لامية الطغرائي.. تحقيق. تحليل. مناقشة"، و"في القصص العراقي المعاصر.. نقد ومختارات"، و"محمود أحمد السيد – رائد القصة الحديثة في العراق"، و"منهج البحث الأدبي" وغيرها. وإذا كانت هذه الجهود العلمية قد أسهمت، وعبر كل هذه الميادين، في الإغناء والتربية والتوجيه والتجديد، فإنها ستبقى بلا شك، من خلال ما تركه أستاذنا في كتبه وتلامذته وتلامذة كتبه أقباسَ نورٍ تفتح لنا مغاليق النصوص وتهدينا إلى المناهج النقدية وطرائق الكتابة والتأليف، وتقودنا إلى تمثُّل شخصية صاحبها العلمية والتربوية والإنسانية. وهكذا، ومع أن (الموت) كلمة لا يمكن لنا إلا أن نؤمن بها، نعرف أيضا أنها حتى في ما تسببه من وجع هي لا تقوى على إنجاز الطاهر الذي من خلاله ستبقى أنفاسه تتردد، ونبضات قلبه تنبض في قاعات الدرس، وفي كتبه، وعلى منابر الندوات والمهرجانات الثقافية، وعلى الصفحات الثقافية للصحف والمجلات، فالإنسان يموت، لكن فضله يبقى.. رحم الله العلامة الدكتور علي جواد الطاهر إنساناً وناقداً وتربوياً وراعياً.

تعليقات الزوار

  • عامر اللبان

    أطيلي الحزن يالغه القرآنِ هوى عَلَمُالفصاحه والبيانِ ودبَّ الصمتُ في قلمٍ ذليقٍ وغالَ العِيُّ إفصاح اللسانِ مضى شيخ البيان, ولاقابٌّ لهُ حتى يؤوب القارظانِ بكى علم البديع أسىً عليه

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top