الخراب الثقافي بين البداية الواضحة والنهاية المجهولة

الخراب الثقافي بين البداية الواضحة والنهاية المجهولة

لعلَّ من اكبر الأخطاء التي تُطيح بالمشاريع الثقافية، هي تلك التي تحرِّف التفكير عن مسار العصر، ومن ذلك ارساء المنطلَق على أسس من الاحداث السياسية في زمن التحولات، أعني الأزمنة القلقة او المستباحة، فعلى ما يبدو من سلامة هذه الظاهرة آنياً، هي الغطاء التآمري الحقيقي على الحقائق الكامنة وراءه، وهي التهديد الدائم على الجدوى المستقبلية، فضلا عن الإعاقة اليومية.
قد يُوهم الحدث وقد يُرتَضى  ولكن لا ينبغي ان يرسّخ معتقداً أو رأياً. مثلاً، يستطيع اليساريون عزو الخراب الثقافي اليساري الى العمل المنظم الذي تم لنشر الثقافة القومية، هذا السبب مباشر، جد مباشر ولكنه ليس سبباً جذرياً، فهل لو لم يتبنَّ البعثيون وقبلهم عبد الناصر هذا التبني للفكر القومي، ستستمر ثقافة اليسار كما هي من قبل؟
نعود الى المسألة من نقطة اخرى بعد نشر وترسيخ، لحدٍ ما، الثقافة القومية في العراق ولمدة زادت على الثلاثة عقود، ماذا كانت النتيجة؟ مُسِحت الثقافة القومية وظلت شعارات وافكاراً محبَّبة لأهلها، فهي اقرب ما تكون للذكريات. ونعيد السؤال: لو لم يُطَحْ بالنظام السياسي وإزاحة البعث عن الحكم، اكانت الثقافة القومية تستمر ويظل الفكر القومي مقنعاً في العصر؟ هذا هو سؤالي الثاني والإجابة على الإثنين: كلا !
العصر واحتياجات شعوب العالم المتجددة تفعل فعلَها في الافكار وتضطر المنظّرين للتعديل او لإيجاد موازنات أو لتنظير معاصر جديد.
هذا الكلام، على ما يبدو من اتجاهه النظري، هو ايضاً وراء التحولات الآلية والادارية للثقافة، ففي الجانب النظري أعترضَ العصر، بحدّة احياناً، على العمومية المجردة المنسوبة للإمبريالية، والعصر قبل هذا اعترض بحدّة على الحسم اليساري بعد ان استقرت الدولة السوفييتية وبدأ كما يقول أيليا اهرنبورج، ذوبان الثلوج صارت الحماسات تحترم الموضوعية واحتياجات الانسان الجديد الذي نشأ على آمال انسانية واسعة فأخذ المنظّرون السوفييت يُعيدون النظر ويقدمون افكاراً جديدة في هذا الجانب.
كما ان انصار التعددية الثقافية اليوم، ينظرون الى الجماعات العرقية نظرتهم الى من يحتاجون الى تثقيف – نعم في اقل تقدير – واذا رغبوا لهم بالمزيد من "الخصوصية" يصحبه المزيد من النظر التفوقي، نكون قد فقدنا بعض ديمقراطيتنا او عدنا خطوة الى الوراء! لأن المنظور الذي يريده التحول الثقافي في العالم يتجه الى اتساع الأُفق والشمول الثقافي لا التحديد.
لكنني اشهد اليوم حركة ثقافية انسانية يشترك فيها روس وايطاليون وفرنسيون ويابانيون وامريكان، هذه الحركة تفكر في احترام  الثقافات التفصيلية في الثقافة العامة للعالم في مسعىً منها لخدمة الانسانية وحرية الفكر من جهة واغناء التيار الثقافي العالمي من جهة اخرى، وهذا التفكير ليس جديداً، فقد تبنى الاتحاد السوفييتي، كما في مناطق اخرى من العالم ومنها العراق، الاهتمام بثقافات الاقليات، ومهما اختلفنا على مديات التطبيق وآلياته، مُنِحت الاقليات ولغاتها وآدابها فرصة للتنمية بالتوازي مع النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وراء ذلك تفكير انساني وفيه احترام للثقافات المحلية، لكن ذلك جاء تلبية لمتطلبات ذلك الزمن وتلك المرحلة وهي اصلاً متطلبات سياسية، ويمكن ان نجد جذور هذا التفكير في القرن التاسع عشر. مفاد ذلك التفكير ان كل جماعة عرقية يجب ان تحافظ على وحدتها الثقافية، لكنني اعتقد بأن في هذا المنحى انكسارا لخط الثقافة الانسانية العالمية، ان ذلك الادعاء يبدو طيباً ومنصفاً، لكنه يحول دون خلاص الانسانية من تشرذماتها ويحصر الأقليات في حدودها القديمة.
العالم، شئنا أم أبينا، باتجاه توحده، باتجاه العالمية او الأممية او الوحدة الانسانية، ذلك حكم العصر، ومكاسب التقنية، والحكمة، تقتضي كسر الحدود المغلقة للانفتاح على العالم، للإفادة منه واخيراً للانتماء إليه، الفكر التقدمي والثقافة التقدمية يعنيان حراكاً باتجاه المستقبل!
وتكملةً للرأي، أقول: إن مزيداً من التحضر يثلم مزيداً من الهرمية العالمية. وزوال الهرمية - السياسية والاقتصادية يعني الغاء عدم المساواة سواء بين الأعراق او الألوان او الطبقات، وكسر هذه الحافات الصعبة يعني كسر الحواجز عن النِعَم المشتركة، طعاماً، ثقافةً، تقدماً اجتماعياً وادارياً.. وتيسّر وتنظيم توزيع الثروة وبرمجتها بعقل النفع الجمعي، سيصحبه تيسر وتنظيم العمل الثقافي والتعليمي. انتقال اليسر المادي يعني انتقال الكفاءات  والخبرات التنظيمية والمناهج الحديثة والرؤية الحديثة المتبصّرة للعصر ومتطلبات الانسان فيه.
لست ضد احترام حقوق الاقليات، على العكس، أُريدها على ألا تطوّقهم وتعزلهم عن المد الحضاري والفكر الحديث في العالم، وعلى ألا تسهم في ترسيخ الافكار والمفهومات التي تجاوزها العصر. نُريد لهم تطوراً في فهم تراثهم، في فهم احتياجاتهم الحديثة، في فهم العصر الذي يعيشون فيه والتأهل العلمي والفكري للمستقبل. إن هذا يعني تقبل المكاسب الانسانية المتحققة على الكوكب المشترك، حرمانهم بحجة حمايتهم هي جريمة مقنعة، اقل ما ورائها استغلالهم من دون مقابل.
يوماً، قال ماركس، وهو يعقب على الشعار الفرنسي في الحرية، المساواة والإخاء، "إنه لا ينبذه ولكنه ينظر اليه نظرةً اكثر جدية ممن ابتدعوه.." ذلك، كما اعتقد، لانه كان ينظر الى التضامن الاجتماعي العالمي لبناء عالم جديد. ولم يعتمد التجزئة وترضية الوحدات المتناثرة للبشرية، لقد نظر للمدى المجتمعي والعالمي كاملاً!
أظن ان الزمن، بمكاسبه المعلوماتية والحراك الثقافي الضخم، لا يرتضي بعد ثقافات معزولة، لتكن لها مزاياها، فهذا ما يُفيد التيار الكبير ويُضيف له، لكن لتكن لها رُؤاها الحديثة المشترَكة، واستيعابها لروح العصر وتحولاته وهنا المشاركة وهنا الإضافة!
تبقى مسألة آليات نشر الثقافة ومؤسساتها، فهذه أيضاً لن تكون منتجة اذا لم يكن وراءها عقل انساني متقدم، في حال اخرى، حال العرقيات والمذهبيات، ستنتج هذه المؤسسات، ما لا يُقرَأ او ما لا ينفع، بل ما يعمل على التشتت والتخلف وترسيخهما في وقت نريد ان نشهد التحرر منهما وخلاص البشرية من هذا الشر.
هل هي دعوة للإصلاح؟ هكذا اريدها ان تكون! في كل الاحوال، نحن ثقافياً في الأقل، نحتاج الى الإحساس بالدولة ، إدارياً وتنظيمياً ، ونحتاج الى احساس اكثر واشمل بالانسانية الكبيرة حولنا، لنطور ثقافة ولنمتلك من بعد حضوراً فاعلاً ومحترماً في عصرنا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top