بُنية الكتابة في قصيدة ( ليس يعنيني ) للشاعرة الأردنية عُلا السردي

بُنية الكتابة في قصيدة ( ليس يعنيني ) للشاعرة الأردنية عُلا السردي

القصيدة (ليس يعنيني)
ليس يعنيني هذا المساء
كما ليس يعنيني غيابكَ عن مقعدكَ الفوضوي
ليس الليلة و لا بعد ألف شمعة .... سأشتاقكَ والمساء
فأعبر ذاكرتي كظلِ شيءٍ لا ملامحَ له
وخـذ عني قصائد العشق المكدسة فوق أصابعي
وارتدِ شبحاً يشبه الغياب عند الموت ...... وارحل
فما عاد المساءُ يعنيني
ولا تلك العصافيرُ المهاجرةُ من قلبي إلى قلبك
ولا فصول السنة المؤجلة الى القبلة الأخيرة
ولا حتى دهشةَ الأرض ذاتَ زلزال
فأنا و أنت ... لم نعـد موجتين و لا نجمتين
نفضتنا الزنابق عن أوراقها حين التقينا آخر مرة
ولفظنا البحر
كأننا يوماً لم نكن
فاذهب الى حيث كواكب أخرى غيرَ الأرض
الى حيثُ نساءَ لا يشبهنني
إلى مساءٍ لا أعرفه ....... ولا يعنيني
للشعر وظيفة تعــد في بعض أوجهها مناورة لفظية لصناعة قصدية..ولذلك لا تعد الموهبة في الشعر وحدها قادرة على انتاج جمالية ، بل ان صناعتها هي التي تعطي رائحة التواجد لدى المتلقي من خلال قدرة التلاعب على موسيقى المفردة.
ولأن هذه الوظيفة تبقى حكراً على مَن يقدر ان يصنعها فان قصيدة الشاعرة عُلا السردي ليس يعنيني هذا المساء تعد واحدة من القصائد التي من الممكن ان نقول ان صانعتها ماهرة في انتاج التأويل. فهي تأخذ ما يمكن ان يقال عنه خاصية التساؤل من أجل الوصول الى التأويل المتلاحق لمعاني المفردات..فهي تجنح حتى وإن لم يكن السؤال بأئنا إلا انها تضع أخوات كان على رأس القصيدة لتبني فكرة الاستمرارية لماض ناقص..( ليس يعنيني هذا المساء) هنا توكيد ما بين ليس وهذا في الاستهلال ليزيح المعنى الجمعي لتأويل المفردة الى منطقة المتكلم وهو المنتج / المنتجة والمخاطب الذي هو المراد الوصول اليه ..كذلك تعتمد السردي على بلاغة المفردة ببساطتها لإعطائها قواماً ممشوقاً ..فجملة (ليس يعنيني هذا المساء ) تعني مستوى اخباريا ضمن مستويات بنية الكتابة الذي يتداخل معه المستوى التصويري ( عن مقعدك الفوضوي) هنا على المتلقي ان يرسم علامات دالة على خاصية الشعر لتكوين صورة قادرة على الامساك بتلابيب المعنى فيبقى يلاحق ( ليس الليلة .............) هذا المقعد الفوضوي ، بل له امتداد لما بعد الآن إلى بعد ألف شمعة وهنا بناء قصدية جديدة ، فالشمعة لا تعني الليلة ، بل الاحتفال بانتهاء عام وهي قصدية أخرى يتكئ عليها على المستوى التحليلي في بُنية الكتابة التي تنتهجها السردي التي تراوغ اللغة من جديد لتعلن عن هذا الغياب ليس له علاقة بالفوضى وبالتالي الرفض ، بل برغبة الاشتياق كل مساء ( سأشتاقك والمساء) وهنا يبرز المستوى القصدي لتعود لرسم ملاحم القصيدة بقوامها المتصاعد فتحوله من مخاطبة ذاتها اليه إلى المخاطبه المباشرة ( فعبر ذاكرتي) لتخبر كم هذا الشوق الذي اكتنز ذاكرة قوية فاضت قصائد مكدسة .
إن للمساء هنا خاصية إضاءة النص فهو زمان ومكان معني أي المساء حاضر بقوة فعله ليكون حجر الزاوية للمستوى التأويلي المختبئ بين طيات المستويات الآخرى لما فيها المستوى الفلسفي المستخلص للمعنى فالسردي تباغت اللغة عبر قصدية تارة أو انسياقاً بترتيب الافعال التي تأتي ما بين المضارع ( يعنيني ) والأمر ( ارتد) لتجد نفسها راحلة صوب الماضي للإتيان بمرحلة توضيح الاسباب لبيان المسبب ( نفضتنا الزنابق ) وهو فعل ماض ولفظنا البحر فهي تريد من خلال تغير أفعال الزمن إلى طرح معادل موضوعي مفاده أن الآخر لا يعنيها بدلالة ( كأنا يوما لم نكن ) و ( فاذهب إلى حيث الكواكب) وهذه الغاء التوكيدية التي تراجعت منها محاوله لأرخنة الحدث وإعطائه مستوى تحليلي لكنها بالتأكيد مراوغة ( لم نعد موجتين ولا نجمتين ) و (حين التقينا آخر مرة )  بمعنى استمرارية اللقاءات.
إن البُنية الكتابية في قصيدة ( السردي  ) تأخذ عاملين رئيسين الزمان وهو مساء وهو ذاته المكان الروحي والفيزياوي وكذلك خاصية الارتداد الزمني المهني على أساس إغاضة الزمن والمكان واستيفاء  إلى روحية المرأة ( إلى مساء لا أعرفه ) وهو توكيد وفعل إغاضة والانتهاء (ولا يعنيني ) وهو البقاء  إلى فعل الاشتياق الذي قيل في استهلال القصيدة كردة فعل مقصودة لمخاطبة ذاكره مملوءة بالذاكرة لكنها تتجرد على اساس ارتدادها شيئا يصل به حد الموت وهنا ايضا توكيد إلى مستوى فلسفي ان الموت للأشياء لا للأشباح والمخاطب الآخر كانت تقول له ( ارحل ) برغم انها تذكره  (العصافير المهاجرة من قلبي إلى قلبك).
إن المتلقي هنا سيكتشف لو توقف لبرهة أن هناك انزياحات كثيرة ليس بتلاعب المفردة فحسب وهي قد نجحت باستمالتها بل بإعطاء معنى المراوغة فعلا ملموسا يتوشح بعباءة أو يرتدي ثوباً آخر غير ما هو مقصود في اللوحة لان الاطار هنا مخاطبة ( لا يعنيني ) بتاويل ( يعنيني ) .عُلا السردي في نصها هذا أعطت ميزة سردية داخل جسد القصيدة النثر تمكنت من منح الصورة الشعرية مرآة أخرى للمتلقي .. وقد أفلحت .

تعليقات الزوار

  • بلال طلال

    قصيدة رائعة جدا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top