نايجل تالِس: العراقيون أسهموا في تقدّم الحضارة الإنسانية

نايجل تالِس: العراقيون أسهموا في تقدّم الحضارة الإنسانية

ضيّف المركز الثقافي العراقي بلندن الأستاذ نايجل تالِس، المتخصص في التاريخ وعلم الآثار الحربي في الشرق الأوسط في الحقب القديمة وأوائل القرون الوسطى، وبدراسة النقل البري والبحري، خاصة تطوير المركبات ذات العجلات واستعمال الحصان، إضافة إلى كونه قيِّماً على مجموعة كبيرة من القطع الفنية الآشورية والبابلية إلى تعود من 1500 إلى 539 ق. م. وقد ساهمت في تقديمه وإدارة الحوار بينه وبين الحاضرين الإعلامية العراقية وحيدة المقدادي التي وصفته بالضيف المُميز جداً، والخبير بتاريخ وآثار ما بين النهرين، وله ولع خاص بعجلات المركبات القديمة وأنظمة النقل المتبعة آنذاك. وأضافت بأن اكتشاف العجلة من قِبل أسلافنا هو واحد من أهم الانجازات التكنولوجية لحضارتنا العراقية الموغلة في القدم. درس تالس التاريخ وعلم الآثار في جامعة بيرمنغهام. كما قدّم العديد من المحاضرات في المملكة المتحدة وفي مختلف أرجاء العالم. أنجز بالاشتراك مع جي كيرتس كتاب " بوابات غالوات للملك آشور ناصربال الثاني"، ملك الإمبراطورية الآشورية، كما نظّم بعض المعارض التي تضم لُقى وتحفاً فنية من العراق أو ما كان يُعرف بـ "بلاد ما بين النهرين" وقد تمّ عرضها في المملكة المتحدة وإسبانيا والعاصمة الإماراتية أبو ظبي. وأضافت المقدادي بأن تالِس منهمك حالياً بكتابه الجديد الموسومبـ "سلطانيات نمرود البرونزية" التي تم العثور عليها عام 1985 والتي يقدَّر عمرها بنحو 2900. وختمت المقدادي تقديمها بالقول بأن تالِس سيتحدث عن عجلات المركبات في فن بلاد ما بين النهرين، بشقيه الأدبي والمثيولوجي منذ اختراع العجلة قبل خمسة آلاف سنة حتى عصر الأسكندر في القرن الرابع ق. م.
شكرَ تالِس في مستهل حديثه الإعلامية وحيدة المقدادي على تقديمها الرائع وقال بأنه يشعر بالغبطة الكبيرة للقائه بهذا العدد الكبير من المتلقين لمحاضرته. وأضاف بأن لديه ولع خاص بعجلات النقل القديمة ولهذا فقد درس التاريخ وعلم الآثار لتعميق هذا الولع والإلمام بكل ما يحيط بتاريخ العجلة في العالم وفي بلاد ما بين النهرين تحديداً. عاد بنا تالس إلى طفولته وصباه حينما كان يقرأ أي كتاب يقع بين يديه عن هذا الموضوع تحديداً، وإن كانت الكتب التخصصية في هذا المضمار قليلة جداً. ثم عاد ووصف حضوره بين الجمهور العراقي بأنه مثير لمشاعره الداخلية، خصوصاً وأن القاعة كانت محتشدة جداً إلاّ من بعض المقاعد الفارغة هناك وهناك. لا يمكن تغطية محاضرة المؤرخ نايجل تالس برمتها لأنها طويلة جداً وتحتاج لأكثر من مقال، لكننا سنحاول أن نقدّم زبدتها للقارئ الكريم وعذرنا في ذلك أنها ستكون متاحة على اليو تيوب ويمكن مشاهدتها والاستمتاع بتفاصيلها التاريخية والمعرفية المذهلة.
طرح تالِس في بدء محاضرته عدداً من الأسئلة الاستفهامية التي تنحو منحىً علمياً بعيداً عن الاستثارات العاطفية ذات النًفس الوطني المتعصب وأبرز هذه الأسئلة هي: منْ هو الشخص الذي اخترع المحراث؟ ومنْ هو أول شخص غرز عوداً في الأرض بغية حرثها أو تقليب قشرتها الخارجية؟ منْ هو الشخص الذي اخترع الزروق الأول؟ ومن هو الشخص الذي اخترع العجلة أول مرة؟ وكانت إجابته علمية محايدة مفادها بأننا لا نعرف بالضبط أين ومتى أُخترعت العجلة! إنّ اختراع العجلة هو أحد الاختراعات التي غيّرت نمط الحياة آنذاك، وربما قلبتها رأساً على عقب، وأحدثت تسريعاً ليس في حركة النقل المتعارف عليها آنذاك، وإنما سرّعت من الحراك المعرفي الذي بدأ يتقدم بخطى واثقة عجلى نحو الأمام. فالفكرة التي كانت راسخة في عقل ما من العقول البشرية قد انتقلت من الذاكرة الخاصة إلى الذاكرة العامة وتلاقحت معها لتأخذ إطاراً جماعياً قد يمتد داخل جيل بكاملة، وهذا هو مكمن الصعوبة في معرفة أين ومتى أُكتشفت العجلة. هل أُكتشفت في سهوب روسيا، أم في مضارب العراق؟ لا نعرف ذلك على وجه الدقة، ولكننا نستطيع القول بأن التطورات الأولى لهذا الاختراع وتقنياته الكامنة فيه قد حدثت في جنوب العراق القديم الذي كان يُعرف آنذاك بـ "سومر". استعان تالس بعدد من الخرائط والرسوم والأشكال التوضحية التي تمتد من أسماء المدن والحواضر القديمة مثل أور وكيش ونمرود وغيرها من المدن التاريخية المعروفة إلى رسوم وأشكال الحيوانات التي كانت مستعملة في جرّ العربات الملكية والحربية أو الأخرى المستعملة في الصيد أو القتال أو النقل العام وأبرزها الحمير والجياد والثيران والأبقار، مروراً بالرسوم التوضيحية للبشر على مختلف درجاتهم الاجتماعية من الملك حتى أبسط مواطن في السُلّم الاجتماعي. لابد من الإشارة إلى أن تلك العربات، وخاصة الملكية منها، كانت تجرها الحمير لبعض مئات من السنين، قبل أن تنتقل إلى الخيول التي دُجنت في تلك الحقبة الزمنية، أي قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ق. م، وصار بالإمكان استعمالها في النقل البري والفعاليات القتالية وما إلى ذلك علماً بأنها أسرع من الحمير، وتمتلك قدرة أكبر على التحمّل. استرسل تالِس بالحديث عن الأجزاء المكونة لعجلات العربات من جهة، ولتفاصيل العربة من جهة أخرى وأماكن جلوس الشخصيات المهمة مثل الملوك والقادة وبعض الشخصيات الاجتماعية المهمة، إضافة إلى سائق العربة الذي يكون مدرباً وقادرة على السيطرة على الحيوانات المستعملة في جرّ العربات. تنوّع استعمال العربات حتى باتت إحدى وسائل الصيد المعروفة حيث كان الملوك والقادة العسكريون والهواة المرفهون يخرجون لرحلات الصيد ويصطادون الحيوانات البرية كالظباء والوعول وقد عرض لنا المحاضر صوراً عديدة لبعض الحيوانات المٌصطادة بما فيها الأسود والنمور في إشارة لانتصار الإنسان بأدواته المعاصرة آنذاك حتى على حيوان قوي مفترس مثل الأسد، فلاغرابة أن نرى صورة لأسد مهتاج وهو يعض بنواجذه على إطار العجلة التي قهرته وجعلته هدفاً سهلاً لسهام الصيادين. ذكر تالس بأن صناعة العجلات والعربات كانت مُتقنة، وبسبب افتقار العراق إلى بعض المعادن الأساسية في صناعة العجلات والعربات فلاغرابة أن يستوردوها آنذاك من أفغانستان أو بعض الدول الأخرى التي تتوفر على تلك المعادن الحديدية والبرونزية والمسامير والجلود وغيرها من الأجزاء الأساسية التي تدخل في صناعة العجلات أو العربات بمختلف أنواعها. نوّه المحاضر بأن هناك فجوة زمنية في تاريخ الحضارة العراقية القديمة لذلك اضطر لملئها من الحضارة المصرية التي كانت تستعمل الخيول والعربات وأرانا نماذج عديدة لعربات مصرية ملونة بألوان عديدة جذابة، كما قرأ لنا رسالة مكتوبة باللغة البابلية موجهة إلى الملك المصري يسأله في مطلعها عن صحته وصحة أولاده من دون أن ينسى ذكر عربته الفخمة التي تحتل أهمية كبيرة في حياة العائلة المالكة. وحينما أنهى تالس محاضرته أثار بعض الحضور أسئلة مهمة عن العجلة والعربات الملكية وما إلى ذلك وحري بنا أن نشير إلى مداخلة البروفيسور مهند الفلوجي الذي انتقد المتحف البريطاني الذي لم يعتنِ بالحضارات العراقية المتعاقبة التي قدمت منجزات كثيرة، ليس في اختراع العجلة حسب، وإنما في الكتابة وبقية الاختراعات والاكتشافات العلمية المتعددة، لكن المتحف البريطاني لم ينجز حتى الوقت الحاضر سوى بضعة كتب متواضعة لا تتناسب مع المكانة الكبيرة للحضارات العراقية التي ساهمت في تغيير العالم ودفع عجلة التقدم والتحضر إلى أمام.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top