قراءة فـي ( موسيقى صوفية )

قراءة فـي ( موسيقى صوفية )

كيف يمكن للغة ان تستعير من الموسيقى سرديتها!؟ الم تستعر الموسيقى من اللغة دلالاتـــها و اشاراتها و معانيها و تعبيراتها!؟ و لو استمعنا الى أعمال بيتهوفن أو كورساكوف أو جايكوفسكي لوقفنا على هذه الحقيقة . و لكن ما يهمنا هنا هو التساؤل الأول ، وبين أيدينا كتاب ( موسـيقى صوفية ) للروائية المبدعة لطفية الدليمي ، الذي كتب في تسعينات الحصار في العراق ، دون ان يكون لها إسقاط مفصل على الكتاب ، بل الكتاب برمته هو قميص واق للروح من تداعيات و فجائع تلك الفترة العصيبة ، تحصنتْ به الكاتبة كي تقي عالمها من الإنفلاش . وقد اشتغلت الكاتبة على تفكيك موضوعة الحب بين نماذج متعددة من الرجال والنساء في ازمنة و مواضيع متباينة.

و الكتاب مؤلف من ثلاث روايات قصيرة، و ثلاث  قصص. وفيها جميعا يتضح اسلوب الروائــــية الذي يميزها في التعامل مع الزمن كمادة سائلة ،فهي تتحرك بخفة بين الماضي و الحاضـــر دون فواصل كما هي النـــقلات في العمــــــل الموسيقي . ففي العمل الأول ( رابسوديات العصر الســـعيد) تشير الكاتــــبة الى ان العمــــــل ( بني على أساس هذا التأليف الموسيقي الشجي ــ الرابسودي ــ  القاسي المتغير ، و تطورت أحداث العشق فيه كما يتصاعد البناء الموسيقي العنيــــــــــــف في الرابسودي، وينطفئ هامدا في النهاية ). فأميمة الــــــتي ارتبطت بعلاقة حب مع أنيس ، تصف حالها  قبل ان تلتقي انــــيس بأنها كانت ( تشبه أرضا اجتاحها الزلزال) أو ( كنت قبل ان التقي بأنيس وحيدة مثل امــــــرأة  من سني القحط ) . و السردان الموسيقي و اللغوي يتداخلان ، و يستعير كل منهما قدرة الآخـر على التشكل و الامتداد في الماضي او العودة الى الحاضر عبر ضفيرة تعبيرية واحدة تعزز فيـــها اللغة طاقة الموسيقى على الإيحاء و الإيجاز في تشكيل المشاعر و تلونها ، فتقول ( عندما كـنا نستمع الى رابسوديات فرانز ليست ، كان زماننا يتناغم مع نسقها الموسيـــقي في مــــــزاجه المتغير المجنون الذي يتبدل خلال ثوان متنقلا بين الألم الجارح و المرح الصخاب و اللذة المذهلة).

فأميمة تصف صعود و هبوط مناخها الداخلي بين الانبثاق العاطفي و ضباب النهايات ، هكذا ( و علا صوت الكمان و أنين الكونترباص العريض الشهواني المتوحش الذي يهدد الخوف و الرغبات. حشرج أنينه وابتعد ، و تقدم الفلوت الصغير ، ناي الرعاة الساذج ، وغرد بنبرة ريفية معذبة مثل شدو طائر جريح ثم سكت. و الثقافة الموسيقية العريضة للروائية، و الذخيرة اللغوية المشـــــبعة بحــــمولة شعرية باذخة مسيطر عليها ، وضعتنا امام تجريب قصصي نادر ، محليا و عالميا ، فالموسيـــــــقى تغلغلت في بنية القص السردي و عززت طاقة اللغة على التعبير و التلون و الدوران حول الانفعالات وحتى حالات الصمت اللغوي انطقتها قدرة الموسيقى على الإيحاء ، ويتضح ذلك من خلال العمل المهم ( موسيقى صوفية ) الذي حمل الكتاب اسمه، و الذي يرصد حالة عشق بين العربــــــية سامية النعمان ) الباحثة في الموسيقى الصوفية ، والتركي من أصول بيزنطية ( فخري توركلي) المسكون باستعادة أمجاد بيزنطة  ، من خلال جمعه للمرايا ، التي يعتقد بأن اكمـــــــــــال عددها سيمكنه من رؤية صورة القسطنطينية الغابرة . و رغم ان حب الموسيقى الصوفية هو الذي جمـــع بينهما، الا انه كان يعيش في ماضي أجداده الروماني ، و يحاول سحبها الى عالمه ، رغـــــــــــم مقاومتها الشديدة . و الموسيقى الصوفية ارتبطت بأجواء الإنخطاف و الوجد الصوفيين ، الا انها هـنا ارتبطت بالحزن و الموت بعد رحيل (توركلي ) حرقا، كما ارتبطت بغبار الماضي و الانزياح عـــــــــن الحاضر ( واصلت الموسيقى الصوفية ترددها بدرجات متفاوتة من الوهن و الخفوت .. وهي تطـــلق

عليها غبار زمن فخري توركلي و مراياه و تماثيله ، و تذكرها بزمن الوقوف عند حافات الممـــــــالك

البائدة). و في مكان آخر تقول :( خمدت الموسيقى الصوفية ، و غاب الخراب ، و ارتعشت ساميـــة

النعمان ، فألقت ثياب الحداد ، وارتدت ثياب الحياة) . اذن فالموسيقى التي كانت سبب اشتعـــــال

الحب بين قلبيهما ( الحياة ) أصبحت رمزا للموت ، بدلالة الأحداث و اصطباغها بالرماد ، و ليس بما

توحيه الموسيقى الصوفية نفسها من عوالم الألفة و الوجد. فالموسيقى و المرايا ارتبطت هنــــــا

بالماضي و ذبول الحياة ، وضمورهما يعني ابتداء الحياة ( انزلت المرآة من فوق الجدار ، و مضـــــت باتجاه الباب ، و حين فتحته و جدت رجل الحلم شاخصا ، و خيل اليها انها سمعته يقول : ها نحن معا يا سامية ، و اذ دهمتها المفاجأة اسقطت المرآة على الأرض فتناثرت الشظايا .

و في الرواية القصيرة الأخرى ( سليل المياه ) نجد انفسنا امام ما يمكن ان نسميه ( قصــــــــيدة الكتاب ) و التي كان يمكن ان تطبع في كتاب مستقل ، الا ان ظروف الطبع حالت دون ذلك كما يبدو والرواية التي تدور في بيئة نهر ديالى و أجوائها الريفية الحالمة و شخصية ( ايوب النــــــــــهري )المائية ، اشّرَتْ الى ما سيكون عليه أسلوب السيدة لطفية اللاحق في أعمالها ، كما في روايـــة سيدات زحل ) حيث تكثيف حالة الحلم الروائي ، و الضخ الشعري في لغة السرد فقـــــط ، دون لغة الحوار. فأيوب الذي جاء لدفن رفات امه في قريتها التي فرت منها مع ابيه بعد قصة حـــــــــب جمعتهما ، عاش في القرية أشبه بالحلم السائب ، بلا نسب او تحديد جنس ( خنثي ) كما شاع في القرية ، عاش بين ضفة و ماء ، كما ولد بين ضفة و ماء ، فكما كانت أمه تقول له دائما  من الماء خلقنا ، و إليه نعود ..   وهو الذي ولد و عاش مثل سمكة في الماء ، عاش في القرية ناقلا للماء الى بيوتها ، بلا ملامح تنسبه الى عالم النساء او الرجال ( كالماء تماما ) بلا مــــاض او نسب أو لون ، وحتى ذاكرته التي اختزنت مشهد غرق فتاة سقطت من طــوف كان يقوده ، كانــت تعمل بشكل حلمي ( التفت ايوب حيث رأى الظل المتحرك ، فإذا هي فتاة الطوف التي غرقـــــت انتحارا و لم تفارقه عيناها ، ابتسمت له في ما يشبه الحلم ، و تلاشت صورتها ، و رأى طائرا ابيض في مكانها ، ثم رأى سمكة ، بعدها لا حت نجمة في الماء..... ) و حتى ظروف اختفائه اثر حادث طوفان نهر ديالى ، كانت مثل حلم ذائب .. ايوب .. الكائن الذي قدم من الماء ، ومضى مع الماء . و في العمل الآخر الذي جاء تحت عنوان ( البحث عن شجرة الحكمة ) تتصدر عبارة ( لأمجـــــــدن

سيد الحكمة ) المأخوذة من قصيدة بابلية .. فهو حديث حلمي ايضا عن ( شجرة ) لم توجد فــــي مكان او زمان يوما ما ، انها ( شجرة الأحلام و الحكمة ) ، و الشجرة كرمز ، حازت على مكانة عالية منذ سومر ، و تكرست في الديانة المسيحية كرمز دال على ثنائية الأم العذراء و يسوع ، و قيـــل

انها نتاج تآزر الأنماط الرمزية العليا ( الماء ، النار ، الهواء ، التراب ) لذا اعتبرها رولان بارت خلاصــــة العناصر ، وقال انها: ميتا ـ عنصر ، غير ان شجرة لطفية الدليمي ( الشجرة الوحيدة التي قاومــــت أطنان المتفجرات.. و كل جزء فيها ينبض مقاوما الموت ( انها شجرة امتصت كميات هائلة من الضوء خلال الدهور ، تختلط بين الأشجار و يصعب تمييزها الا على العارفين ، تقاوم الأجواء و جور البشر ،

و حين تحترق تشع بموت بطيء .. شجرة كشفت الرقم الطينية انها ستظل تنتقل بين دجلــة و الفرات.. تقاوم الصواعق و الطوفانات ، و هي غير ( شجرة النظريات الذابلة ! ) كما وصفها ماركس انها ( شجرة الحياة دائمة الخضرة ).. و حتى نحن في سعينا الى شجرة الحكمة والحياة ( نحـــــن احلام تتخذ لها هيئات بشرية، نبحث عن الشجرة المخبوءة في اعماقنا او اعماق الأرض ).. و في العمل الآخر ( أخوات القمر ) معالجة للعنت و الخواء و ضياع المعنى و القسوة التي افرزتـــــها

فترات الحرب و الحصار ، من خلال ثلاث صديقات ( هدى و سلمى و حياة ) ، و من خلال  المقطــع التالي ، توجز لنا الطبيبة هدى حجم المعاناة.. ( النهايات حمراء من فرط خطأ البدايات..اعود مـــــن عملي في المستشفى ، مرضاي يزدهون بآلامهم العنيدة يحتمون بها من أخطار الحروب، النساء شاحبات مضطربات ، ينتظرن أشياء لا تجيء ، يتوسدن همس الخرافة و هن يبتلعن الحبــــــوب و الكبسولات، النساء يهجرن المرايا و الرجال و مستقبلهن خارج الردهات المعقمة  ..

و في آخر عمل ( أساطير ديكة الجن ) ، تقول الدليمي :بأنه محاولة للكتابة او العمل في رواية قصيرة ، وهنـــــــــا تتوغل الروائية لطفية الدليمي في عالم الكاتبة التي ستكتب عن ( اساطير ديكة الجن ) وهي تتخذها ( قناعا ).. حيـــث تستحضر الذاكرة الأنين الهائل و سيول الدم التي تلون الدرب التاريخي لعلاقة النساء بالرجال فــــي المستوى العصابي  التدميري.. نموذج ديك الجن الحمصي، الشاعر الذي قتل حبيبته غيرة عليها، و احرق جسدها و عجن منه كأسا لشرابه و بكائه حيث يقول:

يا طلعة طلع الحمامُ عليها

و جنى لها ثمرَ الردى بيديها

رويتُ من دمِها الثرى و لطالما

روى الهوى شفتيّ من شَفَتيها

و الكاتبة ( التي تماهت معها لطفية ) و هي تكتب في زمن الحصار و الحروب ، تلتقي في ( عالمها  الذين اصابهم وباء الحروب و اجتماع الذباب و الحروب على مائدة البلاد) .. وهو خيط الدم نفـــسه في حرب او قتول فردية ، وايا كانت المسوغات ،( فبعض الناس يستدفئ بالشمس و الحطب و الكهرباء ، و بعضهم بالنقود ، وبعض بالحب... و بعضهم بإشعال الحرائق بالآخرين و افنائهم)   و في محاولة الكاتبة تتجلى مقولة كفافي : ( الزلزال يغرق في نقطة دم ) التي تصبح لديــــــــــــــها الزلزال يغرق في نقطة كلمة ) . و بالعودة الى ديك الجن ، و نظيره الدموي الآخر شهريار ، تــــــرى الكاتبة ( ان ديك الجن لم يكن يحب صاحبته ، قدر حبه لزهوها فيه ، وفنائها فيه ، و بطولته في قتلها فخسر البطولة و الحبيبة ، ولم يبق منه سوى القاتل.. ) . و نرى ان الكاتبة ( داخل النص ) تخرج من

الحكاية ، لتعلق على عملية الكتابة نفسها، لترى ( ان الكاتب كالقندس الذي يعمل ، دون انتظـــار مسوغ لعمله ، فهي تكتب لتحطم ما يرتهنها في اليومي و المحدود.. تكتب و تتألق في ملــــــذات اللغة . وهي حين تستمر في الكتابة متتبعة خيط الدم الممتد بين الحاضر و الحكاية ، ترى (ان الزمن يفلت من كثافة النحيب الأنثوي العتيق مرتديا بردة شهريار ، و عمامة ديك الجن ..( وعندما اكتمـــــل الموت.. كان نص الكاتبة يقيم أسطورته خارج الوقت.. ).. وختاما لعرضنا الموجز ، نرى ان الكاتبــــــة

كان يمكن لها ان تجعل من مادة الكتاب تفصيلات تصدرها في عدة كتب ، ولكن ظروف الحصار حينها دفعتها بالتأكيد الى التكثيف و حصرها بين دفتي كتاب واحد.. ملاحظة اخيرة قبل ان ننهي القراءة تتعلق بالمرأة في مجمل الكتاب .. فالمرأة تبدو محبطة فــي علاقتها بالرجل حد التلاشي و الموت أحيانا.. فأميمة تتحدث عن علاقتها بأنيس كذكرى تصرّمت و الألمانية التي اقترنت بفخري توركلي كانت تعيش إحباطا في علاقتها معه ، انتهت بالطلاق، وكذا زوجته الثانية سامية النعمان عاشت حياة مضطربة معه انتهت بموته ، و أم أيوب النهري عاشـــــت العذاب مع ابيه بعد ان فرّت معه ، ثم فتاة الطوف شبه المخطوفة انتحرت ،و هدى و سلمى و حيــاة عشن العنت و المعاناة فترة الحصار، و حبيبة ديك الجن و نساء شهريار قبل شهرزاد ، انتهين الــى القتل ….. ( فالحياة تحمل الموت في كل آونة ، حتى في لحظة اللذة المطلقة يكمن العدم ) !!.. و ( الكاتبة ) في ( أساطير ديكة الجن ) كانت غارقة في جو النحيب الأنثوي العتيق …......

فهل كانت  الدكتاتورية و الطغيان و الحروب و الحصار  وراء جو الإحباط و الموت الذي عاشته الشخصيات ، وهي تغادر مخيال لطفية الدليمي ، كي تتماهى في ….. موسيقاها الصوفية!؟

  *موسيقى صوفية ـ من اصدارات  دار المدى ـ الطبعة الأولى   2012

تعليقات الزوار

  • ممكن رابط الكتاب

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top