بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية

طالب عبد العزيز 2013/05/21 10:01:00 م

بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية

يحدثني صديقي الدكتور صالح العامري المقيم في إحدى ولايات أميركا بأن دارا للسينما كبيرة تعرض أفلاما أسبوعية غاية في المتعة والأهمية، وهي (السينما) قريبة من المجمع السكني الذي يسكنه وعائلته منذ خمس سنوات، وانه يستمتع بها. ويسهب في حديثه فيقول بأن السينما وجود حيوي في حياة الأمريكان، فأذهب بعيداً، ليستفزني أكثر كتاب كنت قرأته قبل أسابيع، كتبه (ستيفان زيفايج) الكاتب النمساوي المعروف، والذي تحدث فيه عن أهمية المسرح في حياة اهل فيينا آنذاك، بحيث أن المرء هناك كان يتفاخر بعدد بطاقات المسرح التي في جيبه، خلال الاسبوع الواحد. وحين سافرتُ الى لندن قبل نحو 6 سنوات نصحني صديقي العراقي بالذهاب إلى كنيسة تقع وسط لندن، كنيسة قديمة تستقدم فرقا موسيقية تعزف أعمالاً مهمة لكبار الموسيقيين العالميين، فذهبت، وأصغيت واستمتعت.
أستحضر مثل هكذا حكايات مع افتتاح مهرجان "بغداد عاصمة الثقافة العربية"، فأقول: شيء جميل مفرح والله، بل كيف يصحُّ حديث في الثقافة لا قصب سبق لبغداد فيه، وهي التي عرّفت دنيا الغرب بثقافة الشرق، ومنها امتدت يد المستشرقين لتكشف عن نفائس الشرق كله، وهي إلى اليوم، مفخرة العرب أجمعهم، وجوهرة كل قول في التحضر والثقافة، ذلك لأننا لو أحصينا أسماء من خزانة الأمة من مشرقها على الخليج حتى مغربها على المحيط، لوجدنا أنها صاحبة الحظوة الكبرى في قائمة الأسماء تلك، ولا نقول أكثر من قولة شاعر العرب، الجواهري الكبير في مالئ الدنيا وشاغل الناس المتنبي العظيم: "فيا ابن «الرافدين» ونِعمَ فخرٌ........ بأنّ فتى بني الدنيا فتانا".
ولا نأتي بجديد إن قلنا أي شيء لتذكير العالم بماضي حضارة بلاد الرافدين، هناك من النصوص ما لو فرّقناها على الكرة الأرضية لوسعتها جمالا وألقاً وبهاءً لكننا، ومن خلال المناسبة الكبيرة هذه يحلو لنا أن نراجع واقع وحقيقة ثقافتنا اليوم، وما إن كنا جديرين بحمل الماضي المشع ذاك أم لا؟ في وقت تشير المعطيات العامة إلى ما هو غير ذلك، إذا ما علمنا بأن وزارة الثقافة ومنذ سنوات تدار من داخل وزارة الدفاع، وأن سلوكنا العام، كشعب يمتلك حضارة كبيرة لا ينسجم مع ما يُرى بين أيدينا، ويُسمع من أفواهنا، ويُشم بأنوفنا وينظر له العالم في أديرتنا وسككنا وحتى حدائقنا العامة، ولعمري، فالثقافة سلوك اجتماعي قبل أن تكون مدونات على ورق، وهي تتمظهر للناس، ولا حاجة لتقديمها في مناسبة ما، أو استعارتها من دول الجوار، وهي لا تعني الشعر والنقد والقصة والترجمة واللوحة، فممارسات مثل هذه لا تقتصر على شعب بذاته، إنما تشترك فيها شعوب الارض اليوم، لكن السلوك والفطرة شيء والقصد شيء آخر.
وقد يبدو الأمر في بغداد غيره في البصرة، التي سبقت حواضر ومدن العربية ثقافة، ذلك لأن فهم الثقافة لدى المؤسسة السياسية المحلية لم يبلغ كماله بعد، أو لنقل لم يبدأ بعد، على خلاف ما صار يتشكل من مشهد عام لدى الدولة العراقية اليوم.
نقرأ في الأخبار، أنه وبعد مضي أكثر من سنوات عشر، باشرت إحدى الشركات بتجديد بيت الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب، وهناك جهود صادقة حقيقية لإعادة بناء وترميم مجموعة البيوت التراثية في البصرة القديمة، وهناك وهناك، لكننا لو تجولنا في المدينة من شمالها في القرنة حتى جنوبها في الفاو، وهي مساحة تزيد على الـ200 كلم، ترى ما الذي ستختاره أنظارنا من مشاهد لها علاقة من قريب أو من بعيد بالثقافة، بماض عريق لمدينة اسمها البصرة، أو لنلق نظرة سريعة من نافذة سيارة عابرة على منازلنا وشوارعنا وساحاتنا وواجهات مبانينا العامة والخاصة، على التقاطعات والجزرات الوسطية، هل هناك ما يستوقفنا يا ترى؟ للأسف لا، سنجد مدينة قديمة، تريد ان تتحدث لكن بعشوائية، تريد أن تفصح لكنها بكماء، لذا نرى أن مسؤولية قيامة الثقافة مسؤولية لا تلقى على عاتق الجهات البلدية حسب، إنما هي مسؤولية مجتمعية بل هي مسؤولية النخب المثقفة أولا ولا بد من تضافر الجهود كلها للإتيان بها كاملة غير منقوصة.
نحن نتطلع إلى يوم تقود فيه المؤسسة السياسية قطار الثقافة العراقية، لا أن تكون في إحدى عرباته، ونتطلع أيضا لسماع الموسيقى تصدح في أروقة مؤسساتنا المدنية، في المنزل والسوبر ماركت والمول الكبير، في الشارع والمطعم والمقهى والحافلة، وان نشاهدها (المؤسسة) وهي تتبنى بناء عدد من دور السينما والمسرح وقاعات العروض الخاصة بالفنون التشكيلية والرقص الشعبي والفولكلور وسواها، كيما يشعر مواطننا المسكين بأن يداً حكومية حانية تمسح على فؤاده المتعب، لتقول له: الحياة ممكنة معنا، وقديما قالوا: "نريد دينا يعيننا على الحياة، نحن قادرون على الذهاب إلى القبر بمفردنا".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top