وقفة: حديث السياسة في الحافلات

وقفة: حديث السياسة في الحافلات

سعد محمد رحيم يضطر العراقيون في خضم ما يعانونه إلى التحدث في السياسة حتى غدت السياسة زادهم اليومي. وإذ يعتقدون، وهم على حق، أن السياسة علّة أكثر مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والأمنية، فإنهم يدركون بالمقابل أن الحلول لتلكم المشكلات لابد أن توضع، وتخرج من، مكاتب السياسة.

 وقد يصل الحال بأشخاص إلى كره السياسة بعدما ذاقوا من عقابيلها الأمرّين، لكنهم أيضاً لا يتجنبون الخوض في غمارها، سجالاً على الأقل. يطلّع المرء خلال التنقل في الحافلات العامة على نبض الشارع والرأي العام.. هناك تلتقي أشخاصاً جمعتهم المصادفة المحضة ينخرطون في نقاشات هادئة أو حامية حول الشأن السياسي وتفاصيل ما يجري في البلد. يبادر أحدهم بالكلام عن حدث أو مشكلة أو تصريح رسمي فيعقِّب آخر ويعلّق ثالث ثم تجد (الجماعة) وقد شكّلوا ما يشبه البرلمان الشعبي الصغير المؤقت، أو الندوة التلفزيونية. تتطابق الآراء أو تتباين، وتتوزع الاتهامات، وقد تتناثر النكات وينطلق الضحك، أو يخيّم الحزن والوجوم تبعاً لنوعية الحالة التي هم بصددها. وقد يصل الأمر إلى الإفصاح عن مشكلات وظروف خاصة، كأن يتطرق شخص إلى حادث استشهاد قريب له نتيجة عمل إرهابي، أو قضية يواجهها في المحاكم، أو معاملة رسمية أرهقته بسبب الروتين والفساد الإداري. وتتكرر الصورة ذاتها في التاكسيات، وغالباً ما تجد السائقين يبدون آراءهم في معضلات سياسية جارية، أو يستعيدون ذكرياتهم عن سنوات التهجير المريرة، أو يفصحون عن مشاعرهم الوطنية. وما يُفرح في الأمر هو ترفع معظم العراقيين عن الحديث في المسائل والخلافات الطائفية والعنصرية. وتأكيدهم على اللحمة العراقية، وإيمانهم بأن مستقبل الجميع مرهون بالوحدة والمصالح المشتركة لا بالفتن والانقسامات الفئوية والأنانية الضيقة. حدّثني سائق سيارة تاكسي عن فجيعة فقدان ولده الشاب الجامعي في التطاحن الطائفي قبل سنتين غير أنه لم يعلمني بطائفته، ولم يوجّه الاتهام إلى الطائفة الأخرى.. قال أن السيئين هنا وهناك من أدخلوا العراق في هذه الدوامة القاتلة. وأن العصابات الإجرامية هنا وهناك هم من استغلوا الفرصة من أجل الثراء وإشباع تعطشهم للدم. وأشار إلى أنه ينتمي إلى عشيرة أبناؤها ينقسمون بين الطائفتين المسلمتين وأن له أقرباء وأصدقاء ومعارف من الطائفة الأخرى.. كان حزيناً لأنه فقد ابنه ومتفائلاً في الوقت عينه لأن العراقيين تجاوزوا المحنة ولن ينخدعوا ثانية بادعاءات اللاعبين على الحبل الطائفي والعنصري من أجل السلطة والمال. إن من يريد أن يفهم الروح الوطنية العراقية الحقة عليه أن يستمع إلى المواطنين العراقيين الاعتياديين من موظفين وموظفات وطلبة جامعات وعمال وكسبة وربات بيوت، الخ.. وأرى أن الصحافيين والكتّاب عليهم أن يستقوا موضوعات ما يكتبون من خلال تواجدهم بين الناس في المقاهي والحافلات العامة وغرف الانتظار في المؤسسات الحكومية وعيادات الأطباء وإلا عن ماذا يكتبون؟! وعلى السياسيين أن يفعلوا كذلك وإلاّ كيف سيفهمون هموم الناس وآمالهم؟ ملّ العراقيون الخوف، ولم يعودوا يترددون في الإعلان عن مشاعرهم وآرائهم ومعتقداتهم حتى أمام الكاميرات الفضائية أو في مواجهة المسؤولين.. إنهم يتحدثون بصدق وعفوية ووضوح، فهم أبناء الشعب والوطن الواحد، ملح الأرض الطيبة. أما الزبد فيذهب جفاءً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top