هل تفكر الحكومة بتصميم أساسي للإنسان؟

طالب عبد العزيز 2013/07/16 10:01:00 م

هل تفكر الحكومة بتصميم أساسي للإنسان؟

ورثت حكوماتنا العراقية الجديدة خلال السنوات العشر الماضية من النظام السابق عدم قدرتها على التخطيط الستراتيجي، بل أنهينا العقد الماضي بلا تخطيط لأي شيء، وكل ما عملت عليه هو التخبط والارتجال والترقيع ومحاولة لفعل أفضل دونما أبعاد متوازنة تعمل على تحريك الحياة تجاه التجديد والرؤية المستقبلية، وحتى اليوم ما زلنا نسمع عن لقاءات تجريها الحكومة هنا وهناك مع شركات كبرى لإنجاز التصميم الأساسي لهذه المدينة أو تلك، نتحدث عن عشرات التصريحات المحلية في البصرة على سبيل المثال الخاصة بتصميم نهائي لشكل المدينة الذي ينبغي ان تكون عليه مستقبلا.
وقد نجد من يفكر بالتخطيط لشكل مدينة جديدة، لكننا لن نجد بينهم من يفكر بأبعد من الحجر والطابوق والحديد والإسفلت، حيث ظل الإنسان خارج المعادلة هذه، لأن المخطط السياسي العراقي الجديد الخارج من الحواضن الدينية-العشائرية أبعد ما يكون عن رؤية إنسانه منسجما مع المتغير الكوني، فهو يعتقد بان معاني الحياة تنغلق عن المسرح وصناعة السينما والكازينو والمتحف ودار الأوبرا وقاعة الرقص وعرض الفنون التشكيلية وعروض الأزياء وسواها مما لم تعد الحياة ممكنة خارجه، وهكذا وجدنا حكومة البصرة المحلية السابقة لم تفرق بين إنفاقها على الثقافة وبين مساعداتها المالية لأصحاب المواكب، حيث جعلت ذلك في خانة واحدة، لأنها تعتقد بان الثقافة إنما تقوّم بالمال فقط، غير مدركة لأهميتها العميقة في التأسيس للقيم الإنسانية النبيلة الكبيرة.
وبفعل عدم التخطيط وإغفال الحكومات المحلية في البصرة لقضية مهمة هي توازن السكان بين المقيم والوافد، بين الساكن المستقر والنازح المضطر صرنا نرى مدينة مشوهة، بعد ان ظلت البصرة تفقد هويتها تباعا، حتى لم يعد زائرها يميز بينها وبين أي مدينة جنوبية أخرى، وكمن يفتح جرحا بآلاف الضمادات يجري الحديث اليوم عن مدينة أخرى، مدينة لم تعد إلا في الذاكرة، البصرة اليوم حكاية عن الجمال والألفة والأناقة لكن في الكتب والصحف القديمة حسب. ذلك لأنك لن تسمع في أسواقها من أحد يكلمك بلسان بصري فصيح طري كما انزل على الماء والشطآن لا في أبي الخصيب ولا في شط العرب ولا في الفاو ولا في الزبير التي تميزت عن بقية مناطق البصرة كلها بنغم حياتي خاص هو بقايا من نجد الأولى، نجد الزبيرية التي جاءت لتتبصر وتصبح علامة فارقة على جانب من الصحراء الواسعة التي تفصل بين برية المملكة وبرية العراق.
ومحزن أيضا أن تختفي حياة المدينة المائية، ذات الطباع الرقيقة في بحر من التعجرف والتشدد والتعصب والمفاخرة بالأنساب، وينافج فيها من ينافج بنسبه وخصال أهله وطباع اتباعه مدافعا عن الغلظة والبطش والقتل، سيرة أجداده الأقدمين بين بصريين اهملوا الجانب المظلم من ماضيهم هذا وتطلعوا لمستقبل حياتهم الجديدة منذ عشرات السنين، باحثين عن كل ما هو قابل للحوار والتفضيل، ترى كيف ينظر البصري لمشاهد الرصاص وهو ينطلق عبر البيكيسيات والأحاديات في مناسبة ودونها، كيف يصبح مشهد مثل فوز الفريق العراقي فرصة لاستعراض قوى العشائر، وكيف تصمت الحكومة عن ذلك، ولماذا يبدأ رجال القوات الأمنية بإطلاق النار قبل غيرهم، في مناسبة كهذه ؟ وكيف ستصبح حياة الناس في ظل حياة يتفاخر فيها أبناء العشيرة هذه على مثيلتها بكثرة عدد المنتسبين فيها للجيش أو الشرطة أو الأحزاب المسلحة القوية؟
كيف ينظر سياسيو العراق والبصرة بشكل خاص إلى قضية مثل ضياع القيم المدنية –الإنسانية التي بناها البصريون عبر عشرات السنين، وماذا يعني تراجع العمل المدني إلى الحد هذا، حتى بات ارتداء الغترة الحمراء مجلبة للبؤس والنبذ الاجتماعي، من سيعيد للبصرة صورتها المتحضرة التي كانت عليها قبل نصف قرن، وفي أي فعل مدني قامت بها الحكومة المحلية يمكننا ان نعثر على بوادر من ذلك، كان المسرح واحدا من القيم المدينية التي أنشأها البصري، وكذلك كانت السينما والمقهى والشارع والرصيف والمتنزه العام بل وحتى داخل المنزل كانت اللوحة الفنية وصورة المنظر الطبيعي جزءا من تراكم مدني زُحزح اليوم ليحل محله ما هو طوطمي وما لا يمت للبصرة بشيء.
تأتي حكومة وتذهب أخرى وتحل محلها حكومة جديدة والمدينة كما هي، وعود كثيرة و(طموحات) أكثر وتصريحات لا تنقطع لكن النتيجة واحدة، قبل عام كتبنا في زاوية صحفية ثناءً لمسؤول محلي سابق ذلك لأنه قال بالحرف الواحد بان أزمة الكهرباء ستكون في العام 2013 من الماضي، وحين بدوت غير مصدق لكلامه، تحداني قائلا: خذ الكاميرا وتعال معي لترى بأم عينيك وبشريان قلبك كيف سيكون إنتاج البصرة وحدها من الطاقة 5000 ميكا، وهنا صدقت الرجل الذي أصبح اليوم عضوا في المجلس الجديد، لكن البصرة لم تحصل على أكثر من 4 ساعات قطع مقابل ساعتين متقطعتين خدمة، أنا هنا لا أتهم الرجل بالكذب لكني أتهم الحكومة كلها بسوء التدبير الذي منه عدم التخطيط هذا الذي سيوردنا المهالك، وسيجعل من عودتنا لجوهر الحياة أمرا مستحيلاً. نحن بحاجة لمن يعيد صناعة قيمنا وفهمنا للحياة عبر منظومة تصورنا للجمال والرقي والتحضر أسوة بمن يفكر بجلب شركات تعنى بالتصميم الأساسي لمدننا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top