بغداديّان أحبّا البصرة

طالب عبد العزيز 2013/08/24 10:01:00 م

بغداديّان أحبّا البصرة

عبد المجيد حسن الغزالي ونبراس الكاظمي بغداديان أغرما أي غرام بالبصرة، الغزالي الذي ألّف ونشر على نفقته الخاصة كتاب (البصرة) سنة 1941 والكاظمي من خلال عمله مع شركة شمال أمريكا غرب آسيا القابضة (نواه)، والذي أعاد نشره سنة 2013. اثنتان وسبعون سنة مرت على طبعته الأولى، كانت الحرب الكونية الثانية لما تضع بعد أوزارها، الورق شحيح غال، والوضع العراقي العام حرج مضطرب، عشية انقلاب رشيد عالي الكيلاني الذي نتج عنه إسقاط الوصي عبد الإله وتشكيل حكومة جديدة وقضايا ظلت تعصف بالحياة السياسية، حكومات تتغير بسرعة وأخرى تسقط بفعل من حراك اجتماعي – عشائري.
لكن اللافت للنظر في الأمر بالنسبة لنا أن ما كنا نسمعه عن رئيس الوزراء المثير للجدل صالح جبر لا يتناسب مع موقفه النبيل إزاء إخراج الكتاب هذا حين كان متصرفاً على (لواء) البصرة، كما يرد في مقدمة الغزالي للكتاب.
قبل نحو من سنة حدّثني الكاظمي (نبراس) عن نسخة يتيمة من كتاب (البصرة) وهو كتاب على درجة من الأهمية لأنه يتناول أوضاع المدينة في فترة نهضتها الأولى، بحيث انه جعل فصولاً منه على صفحته الخاصة بالفيسبوك، ومن يتصفح الكتاب يجد أن حماسة الرجل تأتي في الصميم من توجهه لإعادة طباعته، التي تكلم بشأنها مع عدد المسؤولين المحليين هنا لكنه – فيما بدا لي - لم يعثر على شخصية محلية تصغي لندائه الكريم، وتعيد طباعته ليطلع جيل بصري جديد على ما كانت عليه المدينة ذات يوم، الأمر الذي أستعيد فيه موقف شخصية المتصرف آنذاك الذي يصفه الغزالي أيام سعيه لإنجاز الكتاب حيث يقول: ( لكننا- وإذ نحن في هذه الغمرة من غمرات العمل المرهق- رأينا بارقة امل أضاءت لنا الطريق وبعثت فينا العزم فتياً.... تلك المساعدة المعنوية التي لقيناها من معالي متصرف البصرة الأستاذ صالح جبر والعطف الذي شملنا به).
قد تبدو جملة الغزالي (التقريضية) هذه من نسيج ما تتطلبه الكتابة في موضوع كهذا، لكننا نعثر في متن الكتاب على الكثير الكثير الذي عمله الرجل لصالح المدينة (البصرة) فنقع على مشاريع وخطط كثيرة تم الشروع بالعمل فيها، في عهده فقد تم افتتاح شارع الكورنيش، الذي يبدأ من صدور نهر الخورة وينتهي بصدور نهر العشار، وكان عقد العزم على وضع خطة لمد شارع الكورنيش هذا بمحاذاة الشط (شط العرب) ليصل المعقل، وهناك العشرات من الطرق والجسور والحدائق والمدارس والمستوصفات التي خطط لها وأنشأها، أما ما في الكتاب من أرقام وإحصائيات تتصاعد معلنة عن أنشطة في الاقتصاد فيفوق الوصف، إذ ان صادرات العراق عبر مينائه الوحيد كانت أكثر من وارداته فالبصرة منتجة للحنطة والتمر والفاكهة والخضار، وتمرها يصل أسواق أمريكا وبريطانيا وفرنسا والخليج وبعض دول أفريقيا والهند والصين واليابان، وما في بساتينها من فاكهة يتصدر قائمة المنتج العراقي، وما في أنهارها من أسماك وسفن وأشرعة يُعجزُ الوصف.
كان الغزالي، الكاتب، مأخوذاً بمدينة تنهض وتتمدن، بل وتتعجل التمدن، يدخلها الغريب فيستوطنها، ويأتيها الفقير فيغتني، مدينة كل ما فيها يشير إلى السعادة والرخاء، ففي الفترة تلك دخل المسيحيون من العراق وخارجه وشرعوا ببناء كنائسهم، كذلك كانت الأحياء السكنية لهذه الجالية وتلك، وكانت البعثات الدبلوماسية الأجنبية تسارع لفتح القنصليات فيها، والمراكز والشركات التجارية تعمل وتؤسس، فدخل البصريون معترك الحياة من بابه الكبير، صاروا تجّاراً معروفين، مكاتبهم في نيويورك ولندن وباريس .
كان الكاظمي (نبراس) الذي يُقيم اليوم واليومين والثلاثة في البصرة، مستمتعاً بشطها الكبير، بلحظة وقوف الآمال ثانية، بمشهد السفن محملة بالبضائع قادمة من بحار الدنيا، وهي تدخل ميناءها الكبير في المعقل.. لكنه سيظل متوجعاً، باكياً مشهدها وما آلت إليه اليوم.

تعليقات الزوار

  • علي ستار

    السلام عليكم شكرا لكم على هذا الموضوع الرائع انا حفيد عبدالمجيد حسن الغزالي

  • علي ستار

    السلام عليكم شكرا لكم على هذا الموضوع الرائع انا حفيد عبدالمجيد حسن الغزالي

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top