المحيرات والعذارى على باب الهوى

طالب عبد العزيز 2013/08/27 10:01:00 م

المحيرات والعذارى  على باب الهوى

أثارني ما كتبته الزميلة العزيزة إشراق سامي، حول زيارتها، أبي الخصيب بين الحين والآخر، للترويح عن النفس، فهي تستحضر مفردات إنسانية مثل الطيبة والنعيم والود والتسامح والرضا، وتسْعد إذ ترى الناس هنا غير مبغضين لبعضهم، وتقول أنها اشترت الرطب البرحي من البقال الذي تتدلى العذوق على قمارة دكانه، وأخذت الخُضار من بقال آخر شاهدتُه وهو يتسلمه من الفلاح الذي قطفه تواً من بستانه، ثم ذهبت إلى بائع السمك فلم تتمالك نفسها، واشترت منه أنواعاً وأصنافاً، ذلك لأنها تحب (الشانق، والصبور) المصطاد فجراً من شط العرب... تقول : أشياء مثل هذه تسحرني، وتعود بي إلى الطفولة.
زميلتنا محقة لأن الصورة الأولى التي تحتفظ بها عن المكان لا زالت تنبض في ذاكرتها، فهي تصف وتقول: "أحب أبو الخصيب...تلك المنطقة الساكنة وسط النخيل والجداول جنوب البصرة ..احب مساجدها وبيوتها ووجوه شيوخها المغسولة بالطيبة والسماحة ، عيون النسوة المتوثبة للسؤال، اطفالها وعلى بشراتهم ختم الشمس، احب أسماء قراها، أعيد قراءة اﻻسماء بتلذذ وأنا في الطريق (السراجي، مهيجران ،حمدان ، أبو مغيرة ، جيكور، باب سليمان...) فاسرح كثيراً بالخيال وأنا اقرأ (طريق المحيرات) في عتمة الليل وحفيف النخيل" .
قالت: طريق المحيرات وهي تقصد (درْب المْحَيْرات) طريق ترابي ضيّق يصل بين الشارع العام عند نقطة في قرية السبيليات، حيث قصور أسرة آل النقيب ويدخل البساتين. والمحيرات هُنَّ النساء الحائرات، لا من مصيبة ، بل من وجد وعشق ، كان بدر شاكر السياب، الشاعر يحلم بمدرسة تحمل اسم "نهر العذارى"، في القرية التي درس في مدارسها، هناك نهر بهذا الاسم في (جيكور) وعلى الجسر المسمّى (حبّابة) كانت امرأة جميلة قد وقفت طويلاً تسأل عن فتاها، الفلاحين ومستعملي الطريق إلى النخل، وقد فتنتهم، هاموا بسحرها وغنجها، فسموا الجسر باسمها (حبّابة). وعند مفترق الطرقات قبل باب سليمان هناك نهر باسم (جلّاب) هو كناية فائقة عن العذوبة، عذوبة الماء والنسيم وقبل أن تصل قرية (عبد الليان) التي تعود لعبيد الله بن أبي بكرة، هناك نهر وجسر يحملان أسم باب الهوى، لا الهوا.. الذي منه الريح والرياح، الهوى الذي منه الغرام والصبوات ، وهكذا حتى تتقطع المسافات على الطريق التي أذهلت البرتو مورافيا قبل نحو 60 عاماً حين اخترق غابة النخل وطاف الأنهار والجسور والقرى. الطريق التي كانت تسورها الدُّفلى وتصدح بين أشجارها البلابل وتضوع برائحة طلع أبدي .
نعم، أنا شخصيا أكره الحكومة المحلية والفدرالية على السواء وأسعى لإسقاطها اليوم قبل الغد، ذلك لأن البلدية استبدلت لفظة قرية بمقاطعة فقالت (مقاطعة السراجي، ومقاطعة حمدان ومثلها عن مهيجران ونهر خور، والسبيليات وأبو مغيرة...) الله اكبر متى كانت هذه مقاطعات، ثم مقاطعات لمن؟ ولكم ان تتلفظوا مثلي مفردة (قرية) ألا توحي بالوداعة والنخل والظلال والناس البسطاء الطيبين، ألا تعني التمر والرطب والخضار والماء والجسور والقناطر والأسماك التي تتقافز وكل ما هو حي ينبض ويكركر؟
تقول إشراق سامي : أمسِ كنتُ هناك، ذهبنا لنشتري الرطب البرحي من بساتينها، رُفع أذان المغرب، فكنت بين جامعين الفرق بين آذانهما دقائق خمس وبعض الكلمات، لم أر الفرق بين الوجوه التي دخلت هنا اوهناك. خشعت روحي لصوت المؤذن، فتذكرت الدين حين كان تسامحاً ومحبةً، تذكرت ايام الطفولة بين هذه الأجواء الجميلة حين كنا نقضي الجُمعَ هناك تحت ظلال النخيل، تذكرت ايام "كانت الدنيا كرستال وقزح" بتعبير البصرية العظيمة سيتا هاكوبيان.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top